من يدقُّ الجرس؟


مازالت الشمس تشرق، كما في كلّ ِيوم، والحديد الأسود للمسيَّرة الصهيونيَّة، التي رابطت فوق قطع الإسمنت، ما انفكًّ يلمع، وأنا أنقل قدميَّ تحت قطع إسمنت السقف، الكبيرة والصغيرة، ومتعدِّدة الأشكال، بحذر، وأنظر من النافذة التي كُسر زجاجها، وقُلع حديدها، إلى الشمس الصفراء، المريضة، ويغمرني صوت الشاعرة، ابنة طريف ترثي أخاها:
«أيا شجر الخابور، مالك مورقاً،
كأنَّك لم تحزن على ابن طريف!؟»
عندما دخلت إلى بيتي، لم أحتج إلى مفتاح لأفتح بوَّابته الحديدية. لم تكن البوَّابة موجودة. الغول الصهيونيُّ الذي دمَّر البيت اقتلعها وسرقها.
دخلت بحذر. قطع الزجاج تتكسَّر تحت قدميّ، المقاعد والأرائك والمناضد المكسَّرة، تنظر إليَّ، وأسمعها تهمس:
ـ الاَن جئت! أين كنت؟ هربت، وتركتنا!؟ لن ندعك تمرُ…
ماذا أقول لها؟
صحبة عمر.. وحكايات عيشٍ وسمرٍ وسهر…
هنا قرأت، هنا كتبت، هنا تربَّعت كؤوس الشاي، هنا دارت نقاشات، هنا ضحكنا، هنا غضبنا، هنا بكينا.. هنا مشى حبيبنا جواد، لأوَّل مرة، وصفَّقنا له، وقبَّلناه جميعنا، هنا أعلنت حبيبتنا الجميلة سلام فوزها، ونوَّرت هي وأخوها دنيانا، هنا كنَّا، أنا وإيمان، نلعب « النرد»، هنا كانوا، وكانت صورهم. هنا، في كلِّ «هنا»، من بيتي، تنبت حكاية، وتزدحم الحكايات في رأسي، والصور في عينيَّ، فأغمضهما، وأريد أن لا تفلت صورة واحدة.. همسات من الجميع: المقاعد الأرائك، المناضد، التلفزيون، المذياع، مقتنياتي التي تكسَّرت، في بيتي الذي هدمه العدوُّ الصهيونيُّ، تخزني بأصواتها:
ـ لا … لا تُدنسنا بقدميك، صرنا قطعاً وفتافيت، صرنا تحت قطع «باطون» السقف، ماعاد السقف سقفاً يحمينا، صار قطع «إسمنتٍ» تُحاكينا، وتجاورنا، والجدران ارتمت قطعٌ منها علينا وقربنا، وأنت ماذا جئت تفعل هنا!؟ ماذا جئت أفعل في بيتي؟ هل هذا سؤال.. البيت هو الملاذ، هو الحضن، وإذ تفقده، لا تفقد جدراناً وسقفاً فحسب، وإنما تفقد فضاء عيش، عمرا عشته أنت مع الحبيبة والزوجة إيمان، ومع الحبيبين سلام وجواد، والأصدقاء والأقرباء وأولادهم، ولاسيما مصطفى ورضا الغاليين. إلى أين أتَّجه؟ في بيتي لا طريق أمامي، أو لا طريق مفتوحة أمامي، لم يبق شيءٌ كما كان، خرابٌ ما صار إليه بيتي، إلى أين أتَّجه، وأشيائي ركام، ومكاني ركام؟ مكاني، في هذا العالم ركام.. غرفة المكتبة أمامي، لا أستطيع الوصول إليها، كتبٌ مرميَّة، كتبٌ تطلُّ، تقول:
ـ اشتقنا.
ـ أقول: اشتقنا…
لكن كيف لا يصل الحبيب إلى حبيبه، وبينهما خطوات!؟ خطوات لا أستطيع أن أمشيها. أقول لها هذا الكلام.
تقول لي: حاول. أطيعها، وأحاول.
خشب خزائن مكتبتي قطعٌ صغيرة وكبيرة، تختلط بكتبٍ ممزًّقة، وأوراق « منعوفة»، وملفَّات متناثرة، وحقائب «مبعوجة» وأقلام مكسَّرة… وفي صدري ريحٌ تلاعب مخارزَ نصولُها حادَّة، توجعني هذه المخارز، فلا أحرِّك يديَّ لأفرك صدري وعنقي، ويبدو لي أنِّي استعذبت وجعي، هو عذابٌ أستعذبه.. الهواء يطيُّر الأوراق. الهواء ما زال ينسم من مفرق الوادي. كنا نغنِّي: «نسَّم علينا الهوا، من مفرق الوادي..»، مع فيروز، وكنَّا نقول: «هوا بلادي ما أحلاه!»، ونفرح به، ماذا أقول الاَن له، وهو، الاَن، كما كان هو، الاًن، قويٌّ، وليس طريَّاً ناعماً، مثل ريش النعام. يريحني هذا الهواء، يلاعب المخارز في صدري، ولا يقلعها. أنا أريد أن لا يقلعها، أريد أن تبقى، وأستعذب عذابها.. تريحني تنهيدة، ودمعتان، لم أمسحهما، بكفِّي التي كانت تنتقل من قطعة من قطع الخراب إلى أخرى، تمسح التراب والغبار عنها كأنَّها تواسيها، كما يمسح المواسي رأس يتيمٍ يحبُه. بقيت دموع تتحرك في عينيًّ، ولم تَفِض، عيناي لا تفيضان بالدموع، جمد الدمع في عينيَّ. يهبُّ الهواء، تطير ورقة، تعلو، مددت يديَّ، أمسكتها بهما. هذه ورقةٌ «منتَّفةٌ» أطرافها، «مُجَعْلكة»، حضنتها بكفَّيَّ، وجلست على طرف مقعدي الذي يعرفني وأعرفه، صحبة عمر، منذ أن اشتريته من «السوق العتيقة»، كان قربي، كأنَّه كان ينتظرني. وما كدت أجلس على طرفه حتى تكسَّرت رجلاه اللتان لم تكسرهما قطع الإسمنت التي وقعت عليه. صرنا معاً على الأرض، بقيت جالساً، وأنا أشعر كأنَّ المقعد يتمسَّك بي.
علت أصوات غريبة، حسبتها، لا أعرف ماذا حسبتها، ورأيت المسَّيرة الصهيونيَّة السوداء، الصغيرة، تجلس على ما تبقَّى من عمود الشرفة،
و»تُتَكتك»، كانت تتحرَّك، وتعدِّل جلستها بين لحظة وأخرى. أعرف أنَّها صغيرة، لكنها بدت لي ضخمة، وأنَّ لها رأساً كبيراً، ليس فيه وجه، وفيه شدق واسع مثل باب كهف، وفي الشدق أنياب مثل رؤوس الرماح، كأنَّها «الغول» الذي كانت جدًّتي تحكي لي حكايته. أدرت لها ظهري، لا أريد أن أراها، بشعة ومقرفة هي. وقربها أزرار ياسمينتي البيضاء، تغالب رائحتها العطرة رائحة الدم والبارود، وتغلبها.
في جلستي هذه، أريد أن أرى ما بقي سالماً من كتبي. خيِّل إليَّ أنِّي سمعت صوتاً غريباً يفحُّ، حسبت أنَّ هذا الصوت يسخر منِّي، ويقول لي:
ـ أإذا أدرت لي ظهرك، لا أكون موجودة؟ أنا موجودة رضيت أم لم ترض.
تجاهلت الصوت، ولم أجبه، كانت الورقة التي التقطتها، والتي لا تزال بين كفَّيَّ تشغلني، بسطت الورقة بين يديَّ. رأيت عليها كتابة بخطِّ اليد. كتابة بالحبر الأزرق تملأ الصفحة كاملة، وفي الهامش، سطر واحد بالأحمر. قرأته:
«سيكون لك شأن»…
وتحته قرأت الرقم « 15».
سرق نظري عنوان في رأس الصفحة: «من يدقُّ الجرس؟».
فتحت الذاكرة أبوابها: هذه هي الورقة الأولى من دفترٍ، مؤلَّف من ست عشرة ورقة، ملأت صفحاته بقصَّة حملت هذا العنوان: «من يدقُّ الجرس؟» وقدَّمته لأستاذ اللغة العربية في صفِّنا، وكنت في الصفِّ الرابع، من المرحلة المتوسطة (صفِّ البريفيه). هذا الدفتر بقي معي. احتفظت به، لكن الدفتر الاَخر احتفظ به أستاذي، ولم يعده لي، وظننت، في ذلك الوقت، أنَّ السبب يعود إلى أنًّ ما كتبته يشيد بأمجاد العروبة، وهو من مؤيِّديها المتحمِّسين. كان ذلك الدفتر في أمان إلى جانب مخطوطات أستاذي، الشاعر والفنان التشكيلي والباحث، الكثيرة، في دارته، التحفة المعمارية، في قريته، جارة قريتي، لكن العدوَّ الصهيونيّ وحش الأرض والسماء، قصف تلك الدارة، قصف ذلك الجمال الطبيعي والمعماري والثقافي، ودمَّره، كما دمَّر بيتي الذي لا يقلُّ عنه جمالاً. وعندما وقفت على الطَّللين، وأطلال قرانا، في ما بعد، لم يفارقني وقوف امرئ القيس وقوله:
ـ « قفا نبك، من ذكرى حبيبٍ ومنزل..».
طلل الشاعر العربيِّ القديم صنعته صحراء طبيعية، أطلالنا صنعتها صحراء عنصرية بغيضة، وقفت على أطلالنا. بكيت، وبكيت، ولم أستطع قول الشعر. غصصت بالكلام، وكتبت، كتبت ما يفيض به قلبي، والحبيب والمنزل يسكنان عينيَّ.. ما زلت أذكر ما مضى، قرأ الأستاذ القصة، اَنذاك، وأعاد لي الدفتر، وهو يبتسم، وقال لي:
اقرأ، واكتب، دائماً، مكتبتي في تصرُّفك، وإن قرأت وكتبت، سيكون لك شأن، كما أتوقع، في مقبل الأيام.
كنت، اَنذاك، متفوِّقاً، في جميع المواد، خصوصاً في كتابة مواضيع الإنشاء والرياضيات، لكنِّي اخترت التخصُّص في الحقوق، وممارسة المحاماة، غير أنِّي ككلِّ عامليٍّ أهوى الأدب، أقرأه، وأحفظ الشعر، وأكتب، أحياناً، عن أعلامه الروَّاد.
عندما التقيت أستاذي، بعد سنوات طويلة، قال لي: صدق توقُّعي، ما زلت أحتفظ لك بأمانة، لم أعدها إليك، في تلك الأيام، وهي لا تزال عندي، ولن أعيدها إليك، فأنا لا أتخلَّى عن مخطوطة من المخطوطات التي أحتفظ بها، وأحرص عليها حرص البخيل على جواهره. التقيت أستاذي هذا في منتدى ثقافيٍّ، بعد أن أنهيت إلقاء محاضرتي عن الأديبة العاملية زينب فواز.
جلست إلى جانبه في القاعة التي يجلس فيها أصدقاء المنتدى، بعد انتهاء النشاط الثقافي، يحتسون الشاي، ويتداولون في الشؤون الثقافية بدءاً من تقييم النشاط الذي أقيم في أمسية جلستهم تلك. كنت في شوقٍ إلى لقاء أستاذي. فرحت بلقائه، وبحضوره محاضرتي، وازداد فرحي لمَّا أخبرني أنَّ أمانتي عنده هي الدفتر المؤلَّف من ست عشرة ورقة، والمتضمِّن موضوع إنشاء عن أمجاد العروبة، وهو موضوع طُلب منا أن نكتب فيه بمناسبة عروبيَّة، وكان الجميع اَنذاك: مدير المدرسة، والناظر، ومعظم المدرِّسين والطلبة، عروبيين..
قلت له: صدق توقُّعك، والأمانات تُردُّ لأصحابها مهما طال الزمن. قال، وهو يضحك: لأنَّ توقُّعي صدق، لن أعيد لك دفترك؛ هو، الاَن، مخطوطة محفوظة إلى جانب مخطوطات كثيرة محفوظة في مكتبتي، يمكنك رؤيته وتصفُّحه، في خزانتي، في أيِّ وقتٍ تريد، وعرضت ابتسامته.
كان الأمين العام للمنتدى، يصغي إلينا، فقال لي:
ـ لا تجادل من إذا قال فعل، يمكن أن يعطيك أيَّ شيء تطلبه منه، ما عدا مخطوطة من المخطوطات التي يحتفظ بها، وهي كثيرة جداً..
فقال لي أستاذي: هذا صحيح. أطلب ما تريد، سألبِّي طلبك، إن كان بإمكاني ذلك، ولكن أن أتخلًّى لك عن مخطوطة، فلا. وقال للأمين العام للمنتدى:
ـ هذا الصديق، الاَن، كان تلميذي، وكان يكتب ما ينبئ بأنَّ له مستقبلاً في كتابة الأدب. كتب، ذات مرَّة، قصة طويلة عن مجيئه من قريته إلى مدرسته في قرية مجاورة لقريته، مشياً على قدميه، وهو يعلِّق حقيبة كتبه على كتف، وزوَّادته على كتف.. كتب أنه مشى من قريته، والشمس لمَّا تشرق بعد، وعندما مرَّ بقرية مجاورة للحدود الفلسطينية اللبنانية، ومشى على الطريق الفاصلة بين الأرض المحتلَّة الواقعة إلى يمينه، والأرض اللبنانية، الواقعة إلى يساره، بدا له الفرق الكبير بين خضرة البساتين إلى اليمين، والعمال يعملون فيها باَلياتهم، وأشواك البلان والقندول والصخور إلى اليسار. تعجًّب، وحزن، وسأل: أين دولتنا؟ وتذكَّر ما قاله له الحاجُّ الكبير في السن:
– إنَّ تلك الأرض الخضراء، كانت لأبناء قريتنا اللبنانية، واستولى عليها الصهاينة عندما احتلوا فلسطين. وعندما واصل السير، وصار أمام الجندي الذي كان يقف في مدخل القرية حاملاً بندقيته، سأله:
ـ لماذا تسمح لأولئك العمال بأن يستولوا على أرضنا، و…؟!
قاطعه الجندي، بقوله:
ـ أسرع إلى مدرستك، لتصل قبل أن يدقَّ الجرس، ويعاقبك الناظر، وعندما تكبر تسأل عمَّن يدقُّ الجرس؟!
ـ فقال له: لماذا عندما أكبر!؟ أنا، الاَن، كبير، وأسأل: من يدقُّ الجرس؟
سكت أستاذي لحظات، وأضاف: أحببت أن أحتفظ بذلك الدفتر الذي كُتبت عليه تلك القصَّ، لكنه ألحَّ عليَّ كثيراً، بإعادته إليه، فأعدته له، وما زال ذلك السؤال الذي طرحه الجندي والتلميذ لا يفارقني…
تكتكت المسيَّرة الصهيونيَّة.
خطر لي أنها تدقُّ لي الجرس، وناداني بوق سيارة جاري وصديقي سامي، التي كانت تنتظرني في الخارج.
شعرت بأشواك في حنجرتي، وبدموع تترقرق في عينيَّ. حضنت ورقتي، ونقلت قدميَّ، وقلت للأصوات التي علت تطلب منِّي البقاء، وتسألني، كما تخيًّلت:
من يدقُّ الجرس؟
قلت لهذه الأصوات: ما زال، في هذه الأرض، من يدقُّ الجرس، المقاومان، ابني وابن سامي، جواد ورضا، كما أتوقَّع، كامنان، مع إخوانهما، هنا، ولن يطول كمونهم…

كاتب لبناني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *