لندن- «القدس العربي»: لم يعد التاريخ الفارسي القديم الذي يعود لأكثر من 2500 عام، أمراً من الماضي لدى واشنطن في إدارتها للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وليس هو كذلك لدى قادة طهران في استيعاب تداعيات تلك الحرب والرد عليها.
فتيل القضية التي صارت مَعلماً في تلك الحرب، أشعله وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو عندما خطب عند معالم أثينا التاريخية في اليونان يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
روبيو استحضر غزو الملك الفارسي خشايارشا لليونان عام 480 قبل الميلاد، متحدثا عن إحراق أثينا وتدمير الأكروبوليس، وقال:» إن الفرس «نهبوا المعابد، وأحرقوا المزارات، وسوّوا الأكروبوليس بالأرض»، قبل أن يشيد بعودة الأثينيين وإعادة بناء معبد البارثينون في عهد بريكليس.»
ثم ربط روبيو إرث اليونان وروما بسياسة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القائمة على استعادة القوة العسكرية والصناعية الأمريكية، واعتبارها مدخلاً لما رأى فيه «دفاعاً عن الحضارة الغربية».
وأكد روبيو «أن الغرب يواجه تهديدات حقيقية، وأن تراجع ثقته بنفسه وإضعاف صناعاته وجيوشه أفسح المجال أمام خصومه لتعزيز نفوذهم». ودعا إلى «إعادة بناء القدرات الدفاعية والتكنولوجية، وترسيخ التحالف الأمريكي الأوروبي»، معتبراً أن «القوة الوطنية والاستعداد لاستخدامها عند فشل الدبلوماسية شرطان لحماية الحضارة الغربية».
وبناء على تلك الرؤية وصف روبيو القيادة الإيرانية بالتعصب، واتهمها بتمجيد الموت وتوظيف مفهوم الاستشهاد لتحقيق أهداف سياسية. ومن هنا لم يكن استحضار روبيو لتاريخ الملك الفارسي خشايارشا مجرد استعادة لواقعة تاريخية، بل جاء ضمن سردية تربط التهديدات المعاصرة والحرب على إيران بصراعات الشرق والغرب القديمة، وتقدّم الولايات المتحدة وريثةً للحضارة اليونانية والرومانية، علما أن الولايات المتحدة الأمريكية دولة حديثة الولادة ولم تكن موجودة في زمن اليونان والرومان.
خشايارشا: غزو أثينا بين الانتقام والتوسع الإمبراطوري
حين يتحول التاريخ إلى سلاح في الحرب الأمريكية الإيرانية
تعود الواقعة التي استند إليها روبيو إلى عام 480 قبل الميلاد، حين قاد الملك الأخميني خشايارشا الأول حملة عسكرية على اليونان، في سياق صراع بدأ قبل ذلك بسنوات، بعد مشاركة أثينيين في الهجوم على سارد، إحدى مدن الإمبراطورية الفارسية، ثم فشل حملة داريوس الأول، والد خشايارشا، في معركة ماراثون الشهيرة.
دخل الجيش الفارسي أثينا وأحرق كثيرا من معالمها الهامة ودمّر أجزاء من الأكروبوليس، بعدما غادر معظم سكانها المدينة. لكن الأثينيين عادوا لاحقاً وأعادوا بناء مدينتهم، وشُيّد معبد البارثينون في عهد بريكليس. وقد حوّل روبيو هذه الحادثة إلى رمز للمقاومة الغربية.
شابور الأول وفاليريان: حين انقلبت موازين القوة
سارعت طهران إلى رفض توظيف رواية التاريخ بهذه الطريقة، وأن عرضها بمعزل عن الحروب الإمبراطورية الأخرى يشوّه فهم التاريخ، الذي شهد بدوره غزوات وتدميراً للمدن على أيدي قوى متعددة، بما فيها قوى يونانية ومقدونية على أيدي الاسكندر المقدوني الكبير.
ورأت طهران أن روبيو ينتقي أحداث الماضي لتبرير سياسة الضغط والإكراه الأمريكية ضد إيران، ومن هذه الزاوية قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي «إن استدعاء التاريخ لا يمنح السياسات الراهنة شرعية».
وفي مواجهة خطاب روبيو، استحضر رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف واقعة تاريخية أخرى، أكثر إحراجاً للإمبراطورية الرومانية: أسر الإمبراطور فاليريان على يد الملك الساساني شابور الأول عام 260 ميلادي، عقب معركة الرها، المعروفة أيضاً بإديسا.
كان شابور قد خاض حروباً متكررة مع روما، وتمكن من توسيع نفوذه في مناطق من بلاد ما بين النهرين وسوريا. وعندما حاول فاليريان استعادة الأراضي الرومانية، حاصر شابور قواته في الرها، حيث أضعفها الإنهاك والمرض. وانتهت محاولة التفاوض التي قادها الإمبراطور بأسره مع عدد من كبار قادته ومرافقيه، ونقله إلى بلاد فارس، حيث توفي في الأسر دون أن يطالب باستعادته أحد.
وتُظهر نقوش شابور في نقش رستم انتصاراته على الرومان، ومنها تصوير فاليريان أسيراً. أما الروايات التي تقول إن شابور استخدم ظهر الإمبراطور سُلّماً لامتطاء حصانه، فهي روايات تاريخية متداولة لا يمكن الجزم بصحتها. ومع ذلك، تبقى حقيقة أسر فاليريان ثابتة، وتُعد من أبرز الإهانات العسكرية التي تعرضت لها روما، إذ أن فاليريان كان الإمبراطور الروماني الوحيد المعروف الذي وقع أسيراً في يد عدوه.
وتجاوز أثر الانتصار الجانب العسكري؛ فقد نقل شابور أسرى من الجنود والحرفيين والمهندسين إلى الأراضي الساسانية، وأسهم بعضهم في أعمال البناء والري. كما وثّق انتصاراته في نقوش تؤكد أن القوة التي بدت في نظر خصومها لا تُقهر يمكن أن تُهزم هي الأخرى.
استعاد قاليباف هذه الواقعة ليوجه تحذيراً إلى القوى التي تسعى إلى الهيمنة، قائلاً إن من يعلنون أنفسهم سادة العالم ويحاولون محو الحضارات العريقة ينتهون إلى الرحيل بالعار، مضيفاً: إن الذين يسعون إلى السير على خطى الإسكندر سيلقون مصير فاليريان: ستجثون على ركبكم».
أما أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني الجنرال محسن رضائي، فقال: على كل من يستحضر التاريخ أن يكون مستعداً لتكراره، في رسالة تحمل تهديداً مبطناً بأن استدعاء الماضي قد ينقلب على من يستخدمه، وأن إيران قادرة على استحضار انتصاراتها التاريخية بالقدر نفسه الذي يستحضر به خصومها هزائمها القديمة.
من الصراع القديم إلى المواجهة المعاصرة
ولم يقتصر السجال على المسؤولين؛ فقد هاجمت وسائل إعلام إيرانية خطاب روبيو، ونشرت صحيفة «وطن امروز» صورة له في هيئة عسكرية رومانية قديمة تحت عنوان «الحرب القديمة»، متهمة واشنطن باستخدام التاريخ لبناء غطاء أيديولوجي لمواجهة إيران.
وذهبت وكالة «إيسنا الإيرانية إلى أن روبيو استحضر هجوم خشايارشا على أثينا لإرضاء اليونانيين وكسب تأييدهم، دفاعا عن الاتفاقيات الأمريكية اليونانية في مجالات الطاقة والتسليح والدفاع. ورأت أن تصوير الصراع القديم باعتباره مواجهة مستمرة بين حضارتين يتجاهل سياقه التاريخي، كما يتغاضى عن الحروب والدمار اللذين تسببت فيهما قوى غربية عبر التاريخ.
واستشهدت الوكالة بـ»الاستيلاء الأمريكي على أراضي السكان الأصليين( وخاصة الهنود الحمر) في أمريكا، وتهجيرهم قسراً، وارتكاب ومجازر بحقهم مثل ساند كريك عام 1864ومجزرة وندد ني عام 1890د»، لتؤكد أن الانتقاء الأخلاقي لأحداث الماضي لا يستقيم من دون إخضاع الجميع لمعايير متسقة. وشددت على أن أفعال الملك الفارسي خاشايارشا قبل نحو 2500 عام لا تبرر العداء لإيران المعاصرة، ولا يجوز تعميم تصرفات حاكم قديم على شعب بأكمله.
تحوّل الخلاف بين واشنطن وطهران من جدل حول تاريخ اليونان وبلاد فارس إلى مواجهة رمزية على معنى القوة والهيمنة والذاكرة التاريخية. فبين خشايارشا الذي أحرق أثينا، وشابور الذي أسر إمبراطور روما، يتبادل الطرفان استدعاء الماضي لإثبات أن الغلبة ليست حكراً على طرف (شرقي)، وأن المنتصر(الغربي) في مرحلة ما قد يصبح مهزوماً في مرحلة أخرى.