ما دام ترامب لم يحدد ما يريد من إيران فسيظل عالقا في مستنقع الشرق الأوسط


لندن- “القدس العربي”: قال المعلق فريد زكريا إن الولايات المتحدة لن تربح الحرب مع إيران “إلا في حالة اتخذ الرئيس قرارا بشأن ما يريد تحقيقه حتى يخرج من المستنقع في الشرق الأوسط“.

وإذا استمعنا إلى بعض الناس هذه الأيام، فسنجد أن على واشنطن أن تبدأ بالتخطيط لمسيرات النصر.

يقول سكوت جينينغز من شبكة “سي إن إن”: “لقد انتصرنا، إيران خسرت، انتهى الأمر”.

ويوافقه هيو هيويت الرأي، وتتفق افتتاحية صحيفة “وول ستريت جورنال” على أن الأمور بدأت تتغير. وبالطبع، فجميعهم لهم وجهة نظر، فالجيش الأمريكي يضمن تدفق النفط عبر مضيق هرمز من حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، بينما يخنق صادرات إيران. وهذا استعراض رائع للبراعة العسكرية، لكنه لا يجعل الحرب ناجحة، على حد قول زكريا.

الجيش الأمريكي يضمن تدفق النفط عبر مضيق هرمز من حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، بينما يخنق صادرات إيران. وهذا استعراض رائع للبراعة العسكرية، لكنه لا يجعل الحرب ناجحة

وقال: “تذكروا، فقد كنا هنا، ففي حزيران/يونيو 2025، قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل المنشآت النووية الإيرانية على نطاق واسع، وأعلن ترامب أن برنامجها النووي “مدمر”. وبعد ثمانية أشهر، في شباط/فبراير، عادوا إلى الحرب مرة أخرى، بطموحات أكبر بكثير، وهاجموا القيادة الإيرانية وقتلوا مرشدها الأعلى والعديد من كبار المسؤولين، وحث ترامب الإيرانيين على الإطاحة بحكومتهم، وكان الهدف واضحا: تغيير النظام”.

ولكن الجمهورية الإسلامية صمدت، والتفت حول جنرالات متشددين، ونصبت مرشدا أعلى جديدا، وأطلقت السلاح الذي طالما هددت باستخدامه: إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس نفط العالم. وبعد أكثر من سبعة أشهر من الحرب، تخوض الولايات المتحدة الآن حملة واسعة النطاق لإجبار إيران على وقف إغلاق ممر مائي كان مفتوحا قبل بدء الحرب. وقد شنت واشنطن هذه العملية لاستعادة الوضع الراهن، وتصف تقدمها بالنصر.

وذكر زكريا التكاليف الباهظة التي تُنفق من أجل العودة إلى الوضع الراهن.

ووفقا للبنتاغون، بلغت التكلفة 45 مليار دولار، ويقدر مكتب الميزانية في الكونغرس أن حتى نزاعا منخفض الحدة سيكلف ملياري دولار إضافية شهريا. ولقي ما لا يقل عن 19 جنديا أمريكيا حتفهم. ومن المرجح أن الولايات المتحدة استخدمت ما بين نصف وثلثي مخزونها من بعض صواريخ الاعتراض الدفاعية المتطورة. وقد يستغرق استبدالها أكثر من خمس سنوات، وهذه أسلحة تحتاجها الولايات المتحدة في مواجهة الصين.

وبنهاية حزيران/يونيو، تم تحويل ست سفن حربية أمريكية على الأقل من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط. ومنذ بدء الحرب، بلغ متوسط أسعار خام برنت حوالي 100 دولار للبرميل، أي بزيادة تقارب 40% عن أسعارها قبل الحرب. وقدر مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في مؤسسة “موديز أناليتكس”، أن تكلفة الحرب على الأسرة الأمريكية المتوسطة حتى تموز/يوليو تجاوزت 1200 دولار، تمثلت في ارتفاع الأسعار وفوائد القروض والإنفاق العسكري. ودفع الأمريكيون حوالي 130 مليار دولار إضافية على البنزين والديزل فقط. وأدى ارتفاع أسعار الديزل إلى زيادة تكاليف النقل بالشاحنات والزراعة والغذاء. وقد تواجه الأسر التي تستخدم النفط للتدفئة فواتير أعلى بنسبة 50% هذا الشتاء.

أما الأضرار في الخارج فهي هائلة، فقد اهتزت ثقة دول الخليج بواشنطن. إضافة إلى ذلك، تواجه هذه الدول ارتفاعا حادا في تكاليف الشحن وانهيارا في قطاع السياحة. وانخفضت نسبة إشغال الفنادق في دبي من حوالي 85% في شباط/فبراير إلى 23% في آذار/مارس.

ويتعين على الحكومات إنفاق مليارات الدولارات لإصلاح البنية التحتية وإنشاء طرق بديلة حول مضيق هرمز.

وتعاني الدول المستوردة للطاقة، أي معظم دول العالم، من صعوبة في سداد فواتيرها.

ويذكّر الكاتب بحرب فيتنام، حيث دأبت الولايات المتحدة على سرد تفاصيل الأضرار الجسيمة التي ألحقتها بالعدو، من استخدام الأسلحة المدمرة إلى أعداد القتلى من جنود العدو. لكن معيار النجاح يكمن في ما إذا كانت هذه الأضرار ستجبر الخصم على الاستسلام. وحتى الآن، لم تستسلم إيران، وهناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن المزيد من القصف لن يغير هذا الواقع.

معيار النجاح يكمن في ما إذا كانت الأضرار ستجبر الخصم على الاستسلام. وحتى الآن، لم تستسلم إيران، وهناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن المزيد من القصف لن يغير هذا الواقع

وقال إن المشكلة الأساسية في نهج ترامب تكمن في عجزه عن حسم أمره بشأن ما إذا كان يريد تغيير سياسات إيران أو حكومتها. وقد تجلى هذا التناقض في تصريح وزير الخزانة سكوت بيسنت في أيلول/سبتمبر، عندما قال إن الرسالة الموجهة إلى الدول الأخرى هي: “هذه نهاية النظام”. ومع ذلك، أصر في المقابلة نفسها على أن الهدف ليس بالضرورة إسقاط الحكومة، بل الضغط عليها للدخول في مفاوضات.

وفي خطابه أمام الأمم المتحدة الشهر الماضي، تساءل ترامب عما إذا كان عليه إبرام اتفاق يسمح لإيران بإعادة بناء نفسها لتصبح دولة أكبر، أو “القضاء على الجمهورية الإسلامية بسرعة”.

وفي غضون ذلك، كان مبعوثاه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، يتفاوضان مع المسؤولين الإيرانيين. وكانت واشنطن تهدد بتدمير الحكومة، بينما تطالبها في الوقت نفسه بالتفاوض بجدية.

وإذا كان قادة إيران يعتقدون أن واشنطن تنوي تدميرهم بغض النظر عما يفعلونه، فلماذا يقدمون تنازلات؟ ستكون دوافعهم هي المقاومة، وتحمل التكاليف، والصمود لفترة أطول من الولايات المتحدة.

وفي مجلة “فورين أفيرز”، يجادل ستيفن بيدل وزملاؤه بأن الحروب تنتهي في نهاية المطاف من خلال صفقات سياسية.

ويمكن للقوة العسكرية تحسين شروط تلك الصفقات، لكنها لا يمكن أن تكون بديلا عنها. لقد نسيت الولايات المتحدة هذا الدرس، من فيتنام إلى أفغانستان إلى العراق، مظهرة مهارة استثنائية في تدمير الجيوش، ولكن بمهارة أقل بكثير في ترجمة إنجازات ساحة المعركة إلى نتائج سياسية دائمة.

ومن هنا، يجب على إدارة ترامب أن تحدد ما تريده. إذا كان الهدف هو تغيير السياسة، أي إعادة فتح مضيق هرمز وتقييد البرنامج النووي الإيراني وكبح عدوانها الإقليمي، فعليها تحديد شروط قابلة للتحقيق والضغط على إيران لقبولها. وإذا كان الهدف هو تغيير النظام، فعليها التخطيط لصراع دموي، ربما مع تداعيات إقليمية أوسع. وإلى أن تحل واشنطن هذا التناقض، فستظل أمريكا عالقة في مستنقع الشرق الأوسط.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *