هل تغيّر غزة لغة السياسة الألمانية؟ حزب اليسار يتبنى وصف “الإبادة” ويفتح معركة داخلية جديدة


برلين ـ “القدس العربي”: في خطوة قد تعيد رسم موقعه داخل النقاش الألماني حول إسرائيل وفلسطين، حسم حزب “دي لينكه” اليساري واحدة من أكثر القضايا حساسية في داخله، معلنًا في مؤتمره العام بمدينة بوتسدام أن ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة يرقى إلى “إبادة جماعية”. القرار لم يكن مجرد تعديل لغوي في وثيقة حزبية، بل تحول سياسي واضح في حزب عاش طويلًا بين إرث ألمانيا التاريخي تجاه إسرائيل، وضغط قواعده الشابة والتيارات المؤيدة لفلسطين.

بحسب مجلة دير شبيغل الألمانية، لم يكن الوصول إلى هذا الموقف سهلًا. فقد شهد المؤتمر نقاشات حادة ومفاوضات داخلية طويلة، قبل أن يتم تمرير صيغة توافقية تقول إن «منظمات دولية ومنظمات حقوقية وعددًا كبيرًا من خبراء القانون الدولي يتحدثون عن إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة»، وأن الحزب «ينضم إلى هذا التقييم».

لكن الصيغة التي أقرها الحزب لم تذهب في اتجاه قطع كامل مع الخطاب الألماني التقليدي حول إسرائيل. فقد تضمنت في الوقت نفسه إقرارًا بحق إسرائيل في الوجود، وتأكيدًا على أن إسرائيل تمثل «مكان حماية لليهود واليهوديات»، بسبب الدلالة التاريخية والمعاصرة الخاصة لهذا المعنى في الوعي الألماني بعد المحرقة النازية. كما شدد القرار على حماية الحياة اليهودية في ألمانيا ورفض معاداة السامية بجميع أشكالها.

حسم حزب “دي لينكه” اليساري واحدة من أكثر القضايا حساسية في داخله، معلنًا في مؤتمره العام أن ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة يرقى إلى “إبادة جماعية”


بين فلسطين وإسرائيل… صيغة صعبة

اللافت في قرار حزب اليسار أنه حاول الجمع بين مفردتين تبدوان في ألمانيا شديدتي الحساسية: اتهام إسرائيل بالإبادة، والتمسك بحقها في الوجود. وبحسب موقع تاغيس شاو الألماني، فإن القرار جاء بعد جدل داخلي مكثف، وانتهى إلى تبني وصف «الإبادة الجماعية» رسميًا، مع التأكيد في الوقت نفسه على حق الفلسطينيين أيضًا في الوجود والحقوق المتساوية.

وتقول الوثيقة الرسمية المنشورة على موقع حزب «دي لينكه» إن الحزب يدعو إلى وقف فوري وشامل للعمليات العسكرية، ووقف تصدير السلاح إلى إسرائيل، وتوفير وصول إنساني غير معرقل إلى غزة، وإعادة إعمار البنية المدنية من بيوت ومستشفيات ومدارس وجامعات ومؤسسات دينية. كما يطالب الحزب الحكومة الألمانية بالاعتراف بدولة فلسطين على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وبهذه الصيغة، يحاول الحزب تقديم نفسه بوصفه قوة ترفض اختزال «مسؤولية ألمانيا التاريخية» في دعم غير مشروط لسياسات الحكومة الإسرائيلية، وترى أن الالتزام بالقانون الدولي يجب أن يشمل حماية اليهود والفلسطينيين معًا. غير أن هذا التوازن لم يمنع تفجر انتقادات واسعة، خصوصًا من المؤسسات اليهودية في ألمانيا.

جيل جديد داخل الحزب

بحسب دير شبيغل، عكست أجواء المؤتمر في بوتسدام صعود جيل جديد داخل حزب اليسار، أكثر حدة في موقفه من إسرائيل وأكثر قربًا من الحركة المؤيدة لفلسطين. فقد حضر عدد من المندوبين وهم يضعون الكوفية الفلسطينية، وبدت المسألة الفلسطينية واحدة من القضايا التي تحرك القاعة وتثير التصفيق والانقسام في آن واحد.
وتشير المجلة الألمانية إلى أن رئيسة الحزب إينيس شفردتنر مهدت للنقاش منذ البداية حين قالت إنها خالفت في مناسبة واحدة فقط قرارًا سابقًا للحزب، وذلك عندما قررت أن تصف ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية». وقد قوبل هذا التصريح بتصفيق واضح داخل القاعة، ما عكس تغيرًا في المزاج الداخلي للحزب.

لكن هذا المزاج لم يكن موحدًا بالكامل. اذ كان هناك تيار يريد الذهاب أبعد من ذلك، عبر تقديم نص أكثر حدة لا يذكر حق إسرائيل في الوجود ولا يضع هجوم حماس في السابع من أكتوبر في مركز الإدانة. وقد رفض المؤتمر هذا التوجه، لكنه حصل مع ذلك على دعم كتلة معتبرة من المندوبين، الأمر الذي يعني أن الخلاف داخل الحزب لم ينته، بل انتقل إلى مرحلة جديدة.

العقدة الألمانية ونقد إسرائيل

ما يجعل القرار بالغ الحساسية في ألمانيا ليس فقط مضمونه، بل السياق الذي صدر فيه. فالسياسة الألمانية منذ عقود تقوم على اعتبار أمن إسرائيل جزءًا من «مسؤولية الدولة» الألمانية بعد المحرقة. لذلك فإن استخدام حزب ممثل في البرلمان لكلمة «إبادة جماعية» ضد إسرائيل يفتح الباب فورًا أمام اتهامات سياسية وأخلاقية ثقيلة.

وقد جاء الرد سريعًا من المجلس المركزي لليهود في ألمانيا. فبحسب موقع دويتشلاندفونك الألماني، اتهم رئيس المجلس جوزيف شوستر حزب اليسار بأنه يمنح معاداة السامية المتزايدة «دفعة إضافية»، معتبرًا أن الحديث عن حماية الحياة اليهودية يفقد صدقيته عندما يترافق مع دعم إجراءات مقاطعة واتهامات بالإبادة ضد إسرائيل. وذهب شوستر أبعد من ذلك حين قال إن حزب اليسار أصبح، بالنسبة إلى اليهود واليهوديات، «غير قابل للانتخاب».

في المقابل، يرفض قادة «دي لينكه» تصوير قرارهم باعتباره موقفًا معاديًا لليهود. فالحزب يشدد في نصه على رفض معاداة السامية، ويدين الهجمات ضد اليهود والإسرائيليين، لكنه يقول في الوقت ذاته إن حماية اليهود لا ينبغي أن تعني تجاهل معاناة الفلسطينيين أو الصمت عن انتهاكات القانون الدولي.

لا يمكن فصل هذا القرار عن التحولات الأوسع في ألمانيا. فالحرب في غزة دفعت قطاعات شبابية وأكاديمية ويسارية إلى التشكيك في الخطاب الرسمي الألماني، الذي يُنظر إليه من قبل منتقديه باعتباره شديد الحذر تجاه إسرائيل، حتى عندما تتزايد الانتقادات الدولية لسلوكها العسكري في القطاع.
وفي المقابل، تخشى أوساط يهودية وسياسية ألمانية من أن يتحول التضامن مع الفلسطينيين إلى مساحة تتسرب عبرها شعارات معادية لإسرائيل أو لليهود، خصوصًا مع تصاعد الحوادث المعادية للسامية في ألمانيا خلال السنوات الأخيرة.
وبينما كان الجدل حول غزة يسيطر على المؤتمر، انتخب الحزب قيادة جديدة، مع بقاء إينيس شفردتنر في رئاسة الحزب وصعود لويجي بانتيسانو إلى القيادة خلفًا ليان فان آكن. غير أن القيادة الجديدة تدخل مرحلتها الأولى وهي مثقلة بملف لا يحتمل الحلول السهلة: ملف الشرق الأوسط داخل السياسة الألمانية. ويبدو أن غزة لم تعد مجرد قضية خارجية في السياسة الألمانية، بل تحولت إلى اختبار داخلي للضمير السياسي الألماني، ولحدود اللغة المسموح بها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *