لم يكن إعلان فوز القاضية الجنوب افريقية نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 مجرد تكريم لمسيرة حقوقية امتدت عقوداً، بل بدا أقرب إلى إعلان موقف في لحظة دولية مضطربة، تتعرض فيها المؤسسات القضائية لضغوط سياسية متزايدة، ويغدو التمسك بالقانون الدولي اختباراً لموازين القوة أكثر منه التزاماً بالمبادئ. فالمرأة التي واجهت نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، وأسهمت في إرساء سوابق قضائية لملاحقة مرتكبي الإبادة الجماعية في رواندا، وجدت نفسها في مواجهة إسرائيل، بعدما ترأست لجنة تحقيق أممية خلصت إلى ارتكاب الكيان الصهيوني إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
وهكذا تجاوز قرار لجنة نوبل حدود التكريم الشخصي، ليفتح مواجهة سياسية وأخلاقية حول حق المؤسسات الدولية في مساءلة الدول التي اعتادت الاحتماء بنفوذها السياسي.
كان بوسع اللجنة النرويجية أن تختار شخصية أقل إثارة للجدل، وأن تتجنب الدخول في منطقة تتقاطع فيها ذاكرة المحرقة النازية، مع الاتهامات المعاصرة بالإبادة الجماعية، وتتشابك فيها المصالح الغربية مع الحصانة السياسية التي تمتعت بها إسرائيل طويلاً. لكن اختيار بيلاي، من بين 287 مرشحاً، حمل دلالة تتجاوز سيرتها المهنية، فقد أرادت اللجنة، كما أوضح رئيسها يورغن واتنه فريدنس، التذكير بأن «السلام الدائم لا يمكن أن يقوم على إرادة الأقوياء، وإنما على المبادئ القانونية التي تضمن مساءلة مرتكبي الجرائم وحماية ضحاياها». وهو موقف يكتسب أهميته في عالم تتراجع فيه فعالية المؤسسات الدولية أمام سياسات فرض الأمر الواقع بالقوة.
لم تكن بيلاي اسماً طارئاً على العدالة الدولية حتى يُختزل تكريمها في موقفها من الحرب على غزة، فقد بدأت مسيرتها محامية في جنوب افريقيا، حيث واجهت التشريعات العنصرية ودافعت عن ناشطين مناهضين للفصل العنصري، بينهم نيلسون مانديلا. وانتقلت لاحقاً إلى المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، وأسهمت في تطوير الاجتهاد القضائي الذي اعترف بالاغتصاب والعنف الجنسي بوصفهما من الأفعال التي يمكن أن تشكل جريمة تحت تصنيف الإبادة الجماعية. ثم عملت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية، قبل أن تتولى منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014. إنها مسيرة تجعل من الصعب تفسير اختيارها باعتباره مكافأة على تقرير واحد، مهما بلغت أهميته السياسية والقانونية.
المعضلة التي واجهتها لجنة نوبل، لم تكن الاختيار بين مرشحين فحسب، وإنما بين تجنب صدام سياسي متوقع، وتكريم شخصية ترى أن مسيرتها تجسد الدفاع عن عالمية القانون
غير أن تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة، الصادر في سبتمبر 2025، منح هذا الاختيار حساسيته الراهنة. فقد خلصت اللجنة التي ترأستها بيلاي إلى أن الجيش الإسرائيلي وبأوامر من حكومته ارتكب أفعال إبادة جماعية في غزة، مع توافر القصد بتدمير الفلسطينيين في القطاع، وأشارت إلى مسؤولية مسؤولين إسرائيليين كبار عن التحريض على ارتكابها. وقالت بيلاي يومها، إن الأدلة تكشف عن نية لتدمير الفلسطينيين في غزة من خلال أفعال تستوفي معايير اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. ورغم أن التقرير لا يمثل حكماً قضائياً نهائياً، فإن صدوره عن لجنة تحقيق دولية مستقلة، منحه وزناً حقوقياً وسياسياً يصعب تجاهله، خصوصاً مع توصل منظمات حقوقية دولية وإسرائيلية إلى استنتاجات مماثلة.
هنا تحديداً تكمن المعضلة التي واجهتها لجنة نوبل، فهي لم تكن تختار بين مرشحين فحسب، وإنما بين تجنب صدام سياسي متوقع، وتكريم شخصية ترى أن مسيرتها تجسد الدفاع عن عالمية القانون. وقد حرص فريدنس على رسم حدود دقيقة للقرار، مؤكداً أن اللجنة لا تحسم مسألة ارتكاب إسرائيل الإبادة الجماعية، وأن الفصل فيها يعود إلى محكمة العدل الدولية. وقال بوضوح: «لجنة نوبل ليست المحكمة». لكن هذا التحفظ القانوني لم يمنع إسرائيل من التعامل مع الجائزة بوصفها إدانة سياسية لها، وهو ما يكشف أن الأزمة تتجاوز مضمون القرار إلى مشروعية مساءلة إسرائيل ذاتها.
لم تتأخر العاصفة الإسرائيلية، فقد سارعت وزارة الخارجية إلى مهاجمة بيلاي واللجنة النرويجية، معتبرة أن منح الجائزة يمثل توظيفاً مشوهاً لنوبل لإضفاء الشرعية على الكراهية والتحيز ضد إسرائيل. وذهبت أبعد من ذلك حين وصفت الاتهامات بالإبادة بأنها «أكبر كذبة في القرن الحادي والعشرين»، واستحضرت اسم جوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازية، في هجومها على القرار. إن استدعاء النازية في هذا السياق ليس تفصيلاً لغوياً عابراً، بل محاولة لنقل النقاش من الأدلة القانونية المتعلقة بغزة إلى ساحة الاتهامات الأخلاقية والتاريخية، حيث يصبح التشكيك في الرواية الإسرائيلية عرضة للربط بمعاداة السامية.
ولم يقتصر الهجوم على التصريحات الرسمية. ففي مقال نشرته صحيفة «إسرائيل اليوم»، وصف الكاتب يوفال إلباشان الجائزة بأنها «نوبل للنفاق»، واتهم بيلاي بالسعي إلى إعادة تعريف الإبادة الجماعية لاستهداف إسرائيل. واستعاد واقعة إلغاء تكريم كان مقرراً لها في برلين عام 2022، بعد تدخل دبلوماسي إسرائيلي، ليقارن بين ما اعتبره حذراً ألمانياً وتهاوناً نرويجياً. وتكشف هذه المقارنة عن طبيعة الضغوط التي قد تواجهها لجنة نوبل، إذ لا يستهدف الاعتراض مضمون تقرير غزة وحده، وإنما يسعى إلى التشكيك في نزاهة القاضية، ثم في أهلية المؤسسات التي تمنح عملها اعترافاً دولياً.
ومن المرجح أن تتسع هذه الحملة خلال الأسابيع المقبلة، مستفيدة من شبكات التأثير السياسي والإعلامي المؤيدة لإسرائيل في الغرب. وقد تتخذ شكل اتهامات للجنة بالانحياز السياسي، أو محاولات لربط قرارها بمعاداة السامية، أو ضغوط دبلوماسية تهدف إلى تقليص القيمة المعنوية للجائزة. لكن التمييز يظل ضرورياً بين الانتقاد المشروع لتقارير التحقيق الدولية، وهو حق متاح للجميع، وتحويل الاختلاف معها إلى ذريعة لنزع الشرعية عن المؤسسات القضائية والحقوقية. وتزداد دلالة القرار إذا وضعناه في سياق ضغوط إدارة الرئيس دونالد ترامب على المحكمة الجنائية الدولية، والعقوبات التي طالت بعض قضاتها ومسؤوليها، بالتزامن مع تصاعد الاعتراضات الإسرائيلية على ملاحقة مسؤولين إسرائيليين. وقال ترامب مخاطبا تجمّع في سيراكيوز (شمال شرق) يوم 10 اكتوبر: «كان يجب أن تنال الولايات المتحدة، ممثلة بي، أنا رئيسكم، جائزة نوبل للسلام، لكن ذلك لم يحدث». وأضاف: «إنها وصمة عار لا تُمحى على النرويج وأولئك الذين اتخذوا هذا القرار المخزي والمحرج. فقدت جائزة نوبل للسلام مصداقيتها إلى الأبد على يد حفنة من أصحاب الأيديولوجيات المتطرفة المعادين للديمقراطية، الذين هم في الواقع أعداء للحضارة».
من جانبها حذرت بيلاي، عقب إعلان فوزها، من العودة إلى عالم تحدد فيه القوة، بدلاً من القانون، معاناة البشر التي تستحق الاعتراف. وهو تحذير يتجاوز القضية الفلسطينية، ليطال مستقبل النظام القانوني، الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، حين سعت البشرية إلى إقامة ضمانات تحول دون إفلات مرتكبي الجرائم الكبرى من العقاب. في المقابل، جاءت ردود الفعل الدولية لتؤكد أن قراءة الجائزة لا تنحصر في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فقد وصف الرئيس الجنوب افريقي سيريل رامابوزا التكريم بأنه اعتراف بالشجاعة والنزاهة والالتزام بالعدالة، بينما اعتبرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين القاضية بيلاي بأنها مدافعة عن المضطهدين والمستضعفين. ورأت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أن اختيارها جاء في توقيت بالغ الأهمية، فيما اعتبرت رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني الجائزة اعترافاً بالدور الحيوي للعدالة الدولية، بوصفها أساساً للسلام المستدام. وهي مواقف تمنح القرار تأييداً أخلاقياً ومؤسسياً يصعب اختزاله في خلاف سياسي مع إسرائيل. ومع ذلك، فإن منح بيلاي نوبل لا يعني أن العدالة الدولية انتصرت، ولا أن الجرائم المرتكبة في غزة وجدت طريقها إلى المحاسبة القضائية النهائية. فالمسافة بين الاعتراف بالانتهاكات ومعاقبة المسؤولين عنها لا تزال واسعة، وتتحكم فيها إرادات الدول الكبرى وموازين القوة. لكن الجائزة تكتسب أهميتها من رفضها التسليم بأن هذه الموازين يجب أن تحدد أيضاً من يستحق التكريم ومن ينبغي إسكات صوته.
لقد وضعت لجنة نوبل نفسها، باختيار نافي بيلاي، أمام اختبار لا يقل أهمية عن قرار منح الجائزة ذاته: هل تستطيع الدفاع عن استقلاليتها حين تتحول إلى هدف لحملة سياسية منظمة؟ وربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي المعنى الأعمق لنوبل هذا العام. فالقضية لم تعد تتعلق بقاضية جنوب افريقية واجهت الفصل العنصري والإبادة الجماعية طوال مسيرتها، بل بمستقبل مبدأ يفترض أن يكون بديهياً: لا يجوز أن تصبح هوية المتهم أو قوة حلفائه سبباً لتعطيل المساءلة. وإذا كانت العدالة قد أصبحت تحدياً لإسرائيل، فإن التحدي الأكبر أمام المجتمع الدولي هو أن يثبت أن القانون ليس مجرد وعد يمنح للضعفاء، بل قاعدة تسري على الأقوياء أيضاً.
كاتب عراقي