فلسطين بوصفها مسألة نسوية


الأكاديمية والناشطة النسوية الفلسطينية ندى إيليا عملت أستاذة للدراسات الثقافية والإثنية في جامعة وسترن واشنطن، وهي مؤلفة عمل رائد في حقوله، وجَسور عميق الخلاصات، صدر بالإنكليزية سنة 2023 تحت عنوان «أكبر من مجموع أجزائنا: النسوية، القومية/ الدولية، وفلسطين»، منشورات بلوتو. كما وقّعت العديد من فصول المجلد المشهود «الحُجّة من أجل العقوبات على إسرائيل»، 2020، عن هايماركت. ضمن إطار أوسع، شاركت إيليا في تحرير كتاب «الدراسات العرقية النقدية: قارئ»، وكتاب آخر أقرب إلى دليل عملي يزوّد الناشطات من النساء الملوّنات بأدوات كفاحية ضدّ العنف، وثالث بعنوان «فلسطين: مقدمة اشتراكية».
كتابها الأحدث صدر مؤخراً، عن منشورات فيرسو في لندن، حمل عنوان «فلسطينيات: قرن من النسويات الفلسطينية»، وشاءت إيليا أن تستخدم المفردة العربية Falastiniyyat في العنونة الإنكليزية؛ لأسباب لا تخفى، وليست البتة غريبة عن نزوعها الدائم إلى قراءة الشأن الفلسطيني من عمق وطني ضارب الجذور في الوجدان والتاريخ. وأمّا مفردة «النسويات» في العنوان، فالمراد منها النسبة إلى تنوّع النسويات Feminisms، وليس النساء صاحبات التوجهات النسوية المختلفة؛ وفي هذا الاختيار دلالات خاصة، فكرية وسياسية وثقافية، لا تخفى بدورها.
وكي لا يتسبب العنوان في أيّ مستوى من المغالطات القصدية حول النسويات، على اختلاف تياراتها إجمالاً والميل إلى حصرها في تحرر المرأة خصوصاً؛ فإنّ إيليا تسارع منذ السطور الأولى في كتابها إلى تحديد ما تعنيه بعدد من المصطلحات الحاسمة، على رأسها معنى النكبة: إنها لا تنظر إليها «كبرهة متجمدة في الزمن، حدثت يوم 15 أيار/مايو 1948، بل هي مستهلّ النكبة، للتشديد على أنّ التهجير، والتجريد، وسرقة الأرض، والمجازر، وسواها من الجرائم التي ميّزت تأسيس إسرائيل سنة 1948، ما تزال كلها متواصلة». كذلك فإنّ إيليا، إذ تشير إلى الحرب الإسرائيلية الراهنة على قطاع غزّة بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، فإنها تكتب عن «إبادة جماعية متسارعة ومكثفة، لأنّ الإبادة الإسرائيلية ضدّ الشعب الفلسطيني تتواصل منذ 1948».
وهي تواصل استخدام مصطلح «العالم الثالث»، أو بالأحرى «نسويات العالم الثالث»، ليس لأنّ التعبير طُوي مع انطواء صفحة الاتحاد السوفييتي أو المعسكر الاشتراكي أو حتى حركة عدم الانحياز؛ بل لأنه اليوم يخصّ تيارات نسوية غربية تعتنق تحليلاً جندرياً يعطي أهمية لتأثيرات ظواهر العنصرية والاستعمار والاستعمار الجديد، من دون إهمال التمكين الجماعي وتنظيم الجماعات وعدم الاقتصار على ملفات حقوق النساء الفردية. وعلى نحو من التداخل العضوي الحيوي، تلجأ إيليا إلى تعبيرات مثل «الشمال الكوني»، للإشارة إلى نسوية تُدرج أيديولوجيات غربية معممة، بصرف النظر عن الهوية العرقية أو التوزّع الجغرافي؛ أو «النسوية الأهلية»، عند الحديث عن تيارات عميقة التجذر في ثقافات الأقوام الأصلية، شديدة الارتباط بالأرض الوطنية والتراثات المحلية.
النسوية الفلسطينية، ضمن هذه الاعتبارات والكثير سواها، عالية التركيب والتعقيد، رغم أنّ ركائزها الكبرى يمكن أن تُختصر في الصيغة التالية: النساء كنّ على الدوام، وهكذا تظلّ حالهنّ، في قلب «بعض أعلى الجهود والمبادرات التحوّلية في سعي شعبنا إلى العدل ــ أي مقاومتنا للإمبريالية أوّلاً، ثمّ للاستعمار الاستيطاني والأبارتيد»، تكتب إيليا. ولا تجد حرجاً، بل على العكس: تتحلى ببسالة فكرية وأخلاقية عالية، حين تساجل تيارات سائدة في الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً؛ حول هذا المحور المركزي: الصهيونية ودولة الاحتلال، وليس الرجل الفلسطيني، هي جهات قهر النساء الفلسطينيات، وهنا يتوجب أن تتشكل بؤرة النضالات النسوية الفلسطينية، الأمر الذي لا يُبطل في شيء ميادين نضالات حقوقية شتى تخصّ علاقة المرأة بالرجل في المجتمعات الفلسطينية.
والفصول الثمانية في كتابها، عدا المقدمة والخاتمة، تغطي النضالات النسوية الفلسطينية ابتداء من انبثاق السياسي الشخصي (المستوى الماكرو، حسب تعبيرها)، في ظل الانتداب البريطاني وسنوات 1918ـ48؛ ثمّ طور المنجاة، خلال النكبة، حيث حضرت قضايا الطفولة عبر هند الحسيني و»دار الطفل»؛ فولادة جماعات الإسناد والدعم والحفاظ على الثقافة، مع سميحة خليل و»إنعاش الأسرة»؛ فإعلاء الصوت وتطبيع الخطاب المناهض للاستعمار، سنوات 1967ـ الثمانينيات، وحضور جين مقدسي وكميل عودة. وهنالك حقبة النهوض، و»انتفاضة النساء» خلال الانتفاضة الأولى، سنوات 1087ـ93، مع سريدة حسين، زهيرة كمال، ونائلة عايش؛ فالإبحار عبر خطوط سياسية واجتماعية إشكالية، سنوات 1993ـ2000، حيث سنوات أوسلو، مع مها أبو دية وريتا جقمان ومعهد دراسات المرأة في جامعة بيرزيت. الفصل السابع يتناول السؤال الحاسم: نسوية مَن، والدفاع عن أيّ نساء؟ والإجابات يقترحها الفصل الثامن الختامي، على نحو بانورامي وجدلي، لا تتحرج فقراته البتة من التشديد على نبرة مقاومة كفاحية عالية.
«فلسطين مسألة نسوية»، يلحّ كلّ فصل في كتاب إيليا، مستعيداً ذلك التعهد التاريخي في وثيقة الحركة النسوية الفلسطينية الجماعية، آذار (مارس) 2021؛ غير المنفصل، استطراداً، عن نضال الفلسطينيات في وجه نسويات صهيونية واستعمارية وإمبريالية، متحالفة أو أحياناً متطابقة مع نسويات غربية جوفاء أو استشراقية أو اختزالية. ولا عجب أنّ إيليا تتطلع، في السطور الأخيرة، إلى ذلك الحلم بنساء فلسطينيات يحتفلن بتحرير الوطن: «من النهر للبحر، ومن المَيّة للمَية»!



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *