استفحل الاختلال الاستراتيجي الإقليمي لصالح إسرائيل في السنوات الماضية كما لم يحدث من قبل. ويجتمع «الممانع» و«المحابي العربي لإسرائيل» على إنكار ذلك.
فالاختلال البنيوي هذا ينافي ترهات الممانعين حول «توازن الرعب» و«وحدة الساحات» و«الطلاق بين ترامب ونتنياهو». ورأينا كيف اهتاج الممانعون لمذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، بل صوّرها بعضهم كما لو أنها فاتحة «سلام إيراني» في المنطقة.
ويضاف إلى ذلك موقف التسويغيين لهجمات 7 أكتوبر، بحجة أنها «أعادت فلسطين» إلى الخارطة، وسوى ذلك من التخريجات العدمية. وما التغالظ على «حل الدولتين» سوى مشترك بين الممانعين وبين الخطاب التصفوي للمسألة الفلسطينية الكيانية.
أما المحابي العربي لإسرائيل، بل لليكود، وقد أخذت هذه الفئة تشهر نفسها بشكل أهوج في الآونة الأخيرة في لبنان، فيميل هذا الرهط إما إلى التعمية على الاختلال البنيوي كي يتماشى ذلك مع تسويقه لبضاعة «السلام مقابل جلد الذات» بدل مبدأ «الأرض مقابل السلام»، وإما إلى اعتبار هذا الاختلال بمثابة تحصيل حاصل، بل انعكاساً لمشكلات بنيوية مزمنة تعتمل في مجتمعات المنطقة.
بل إن هذا النوع من القبح الأيديولوجي ليس عنده تفسير للصراعات مع إسرائيل إلا أنها صراعات مفتعلة للهروب من حل المشكلات الحضارية العويصة في حاضر المنطقة، بل في تاريخها المديد.
كما أن المحابي يريد تقديم إسرائيل باعتبارها شريكاً طبيعياً في «توازن إقليمي» ضد إيران، لا قوة أصبحت تمتلك فائضاً من القدرة العسكرية التي تزيد يوماً بعد يوم رقعة احتلالها للأراضي اللبنانية والسورية، علاوة على مزاولة السياسة الاستعمارية العنيفة في المناطق الفلسطينية.
لا يعني كل ما تقدم أن الاختلال بلا سقف. فإسرائيل أظهرت قدرة على الإمعان بالإخلال بميزان القوى ومواصلة أعمال الهدم في جنوب لبنان والتخريب في سوريا، لكن لا يبدو أنها قادرة، لا هي ولا أذرعها في الإقليم، على فرض معادلة هيمنية مستقرة لصالحها تخرجها من منطق «الحرب الدائمة». هناك من يرى، في المقابل، أن قوة إسرائيل تزداد حيال المحيطين بها، لكن نتيجة الحربين على إيران ترفع من أسهم الأخيرة، لا من أسهم إسرائيل. والحال أن إيران أظهرت شيئاً لم يكن مؤكداً قبل الحرب، وهو أن التفوق الجوي الإسرائيلي–الأمريكي لا يكفي لإنهاء قدرتها على التهديف الإقليمي الممتد الدائرة. تحولت الاستراتيجية الإيرانية من محاولة منع أو تأجيل الحرب على الجمهورية الإسلامية إلى القدرة على تحويل الحرب إلى أزمة إقليمية ودولية، وما زالت أزمة هرمز اليوم تمنح طهران ورقة ضغط فعلية رغم الحصار والضرر الاقتصادي الهائل الذي تتعرض له.
من العبث استمرار لبنان في تحمّل كلفة استراتيجية إيرانية سابقة، بعدما أخذت إيران تعيد تعريف استراتيجيتها على أساس مصلحتها الدولتية المباشرة
فالحرب أكدت أن إسرائيل تستطيع الوصول إلى إيران واختراقها وضربها بدرجة لم تكن متصورة سابقاً. لكنها أكدت، في الوقت نفسه، أن القدرة على ضرب إيران شيء، وإخضاع إيران شيء آخر تماماً. حتى داخل النقاش الأمني الإسرائيلي ظهرت فكرة أن إيران لا يمكن «هزيمتها» بالمعنى التقليدي، وأن إسرائيل قد تكون أمام جولات دورية من إضعاف القدرات بدلاً من نصر حاسم.
بإزاء لبنان وسوريا والفلسطينيين، زاد الاختلال لصالح إسرائيل بصورة هائلة، مثلما ظهرت أيضاً آثار القدرة الأمريكية – الإسرائيلية على توجيه ضربات قاسية لإيران. لكن إزاء إيران، أثبتت الأخيرة، كنظام، قدرتها في المقابل على نوع من البقاء، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى إقليمي وعالمي. بالتوازي، تميل مقولة «وحدة الساحات» أكثر فأكثر إلى التراجع في حسابات إيران، مقارنة باحتساب الأمور في ميزانها الجيوسياسي كدولة ترابية إقليمية أساسية. فالنموذج القديم القائم على حزب الله ونظام آل الأسد والميليشيات كحزام دفاع أمامي تلقى ضربات هائلة، والنموذج البديل قد لا يتضح بسرعة، لكن يصعب أن يطابق ما كان حتى الأمس القريب معمولاً به.
ينعكس هذا التحول، بشكل أو بآخر، على النقاش اللبناني الداخلي، لأنه يسحب الأرض من تحت السرديتين المتقابلتين اللتين حكمتا جزءاً كبيراً من النقاش منذ عقدين. فإذا كانت إيران نفسها تنتقل تدريجياً من منطق وحدة الساحات إلى حساب أمنها باعتبارها دولة إقليمية ترابية كبرى، يصبح الاحتفاظ اللبناني بمنطق «الساحة» نافراً ومتناقضاً. أي أن يُطلب من لبنان الاستمرار في وظيفة قد تكون طهران نفسها بصدد إعادة النظر فيها. من العبث استمرار لبنان في تحمّل كلفة استراتيجية إيرانية سابقة، بعدما أخذت إيران تعيد تعريف استراتيجيتها على أساس مصلحتها الدولتية المباشرة.
في المقابل، كثيرون ممن كانوا يطنبون في امتداح مقولة «تحييد لبنان عن نزاعات المنطقة» لأعوام طويلة، انساقوا في الآونة الأخيرة نحو لغة تبريرية للجريمة الإسرائيلية المستمرة، المتصلة بتدمير عدد من البلدات الجنوبية اللبنانية بشكل تام، من دون أن يكون بمستطاع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل لجم ذلك بأي شكل كان. إيهام الذات بأنه يمكن تركيب وضع لبناني غير متوازن، إنما بديل عن الواقع السابق اللامتوازن لصالح حزب الله، هو إيهام لا يمكن الافتراض إلى ما لا نهاية أنه لن يؤدي إلى خشونة بالغة في الاحتكاك الأهلي الداخلي.
هناك، في غير مكان من العالم اليوم، من أخذ يطالب باحتواء إيران وإسرائيل معاً إذا ما أريد التخفيف من عذابات الشرق الأوسط. هذا النقاش في باب العلاقات الدولية يتخذ ترجمة عملية في الاجتماع السياسي اللبناني، حيث بات النجاح في تفكيك صاعق التفجير الداخلي رهناً برفض الاستتباع لإيران، من دون تحويل ذلك، في الوقت نفسه، إلى استتباع لفائض القوة الإسرائيلي.
في موازاة ذلك، يُوقَّع اتفاق مكة الدفاعي بين تركيا والسعودية وباكستان. يحمل معه الرجاء بولادة تقاطع استراتيجي إقليمي لا يستند حصراً إلى المظلة الأمريكية المزاجية، ولا يجعل من إسرائيل وكيلاً أمنياً لدول المنطقة، ولا يحتاج، في المقابل، إلى الشبكة الإيرانية من الجماعات المسلحة العابرة للدول. وهذا الاتفاق قد يتوسع ليشمل مصر وسواها. من المبكر، مع ذلك، الحديث عن استراتيجية لاحتواء إسرائيل وإيران معاً، لكنه يصب في هذا الاتجاه، وليس منه مفرّ.
٭ كاتب لبناني