عام 1992، زار الملاكم الأمريكي محمد علي كلاي دمشق للمرة الثانية. بدت الزيارة يومها أقل صخبا من زيارته الأولى، لكنها بقيت محاطة بالكثير من الروايات، خصوصا بسبب إقامته في إحدى زوايا الشيخ أحمد كفتارو، أحد أبرز شيوخ النقشبندية في سوريا، الذي كان يشغل آنذاك منصب المفتي العام للجمهورية.
يذكر جزء من السوريين زيارة كلاي الأولى إلى دمشق عام 1972، ولقاءه بأحمد كفتارو، لكن زيارة 1992 تحمل قصة مختلفة. فقد جاء كلاي إلى سوريا بعد سنوات طويلة من التحولات في حياته الدينية والفكرية، وبعد أن ابتعد تدريجيا عن التصورات التي حملتها حركة أمة الإسلام في أمريكا، واقترب من الإسلام الصوفي. لكن ما الذي دفع أحد أشهر الرياضيين في العالم إلى الإقامة لأكثر من ثلاثة أسابيع في مزرعة مرتبطة بالشيخ كفتارو؟ وهل كان للنظام السوري دور في هذه الزيارة؟ وهل جاء كلاي إلى دمشق بحثا عن علاج لمرض باركنسون، أم كان يبحث عن شيء آخر؟
من كاسيوس كلاي إلى محمد علي
ولد كاسيوس مارسيلوس كلاي جونيور عام 1942 في مدينة لويفيل في ولاية كنتاكي، في عائلة أمريكية مسيحية من أصول افريقية. كانت والدته تصطحبه إلى الكنيسة، فيما بدأ هو في سن مبكرة ممارسة الملاكمة. سرعان ما تحول الشاب إلى واحد من أبرز الملاكمين في الولايات المتحدة. وفي عام 1960، عاد من دورة الألعاب الأولمبية في روما حاملا الميدالية الذهبية في الملاكمة. لكن نجاحه الرياضي لم يضعه خارج واقع العنصرية التي عاشها الأمريكيون السود، بل إن تجربته الشخصية مع التمييز، إلى جانب التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها الولايات المتحدة في تلك السنوات، دفعته إلى البحث عن هوية دينية وسياسية جديدة. في تلك الفترة كانت حركة أمة الإسلام قد وسعت نفوذها بين الأمريكيين السود. تأسست الحركة في ديترويت عام 1930 على يد والاس فرد محمد، وارتبط خطابها بالاحتجاج على العنصرية والتهميش الذي تعرض له السود في الولايات المتحدة.
أصبح إليجا محمد لاحقا الزعيم الأبرز للحركة، وانضم إليها عدد من الشخصيات البارزة، كان بينهم مالكوم إكس، الذي تحول إلى أحد أشهر المدافعين عن حقوق الأمريكيين السود.
ورغم اسمها، كانت أمة الإسلام في تلك المرحلة تختلف في عقيدتها عن الإسلام السائد في العالم الإسلامي. فقد تبنت مجموعة من الأفكار الخاصة بالعرق والدين، وارتبطت بتصورات عن تفوق السود، كما اختلفت في بعض الممارسات الدينية، ومنها توقيت الصيام. انضم كلاي إلى الحركة، ثم أعلن عام 1964 تخليه عن اسم كاسيوس كلاي واختار اسم محمد علي. كان التحول بالنسبة إليه أكثر من مجرد تغيير اسم. فقد بدأ يتحول إلى شخصية عامة تتحدث عن الدين والعنصرية والحرب والاستعمار، وتستخدم شهرتها الرياضية للتدخل في قضايا تتجاوز حدود الملاكمة. بلغ التحول ذروته عندما رفض محمد علي الخدمة العسكرية في حرب فيتنام. دفعه موقفه إلى مواجهة الدولة الأمريكية، وخسر لفترة طويلة حقه في ممارسة الملاكمة، كما تعرض لعقوبات سياسية وقانونية واسعة. لكن ما خسره داخل الولايات المتحدة كسبه في أماكن أخرى من العالم.
بدأ محمد علي يتحول إلى شخصية عالمية، خصوصا في المجتمعات التي رأت في موقفه من حرب فيتنام رفضا للهيمنة الأمريكية، وفي شخصه رمزا للاعتراض على العنصرية والاستعمار. زار افريقيا وآسيا والشرق الأوسط، واستقبل في عدد من البلدان باعتباره أكثر من مجرد بطل ملاكمة. وقد وجد في إثيوبيا والمغرب وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية وسوريا، جماهير تهتف باسمه. وأصبح وجوده في بعض هذه البلدان جزءا من صورة عالمية جديدة لمحمد علي، بوصفه الملاكم الأمريكي الأسود الذي يتحدث عن الإسلام، ويرفض الحرب، ويتحدى المؤسسة السياسية في بلاده. زار جمال عبد الناصر، الذي مثل عالما سياسيا صاعدا في الشرق الأوسط آنذاك؟ كان قد تحول إلى شخصية عابرة للحدود، يقف بين ثقافات مختلفة. وأكثر من أي رياضي آخر في عصره، جسد محمد علي معنى أن يكون «بطل العالم» بالمعنى الذي يتجاوز الرياضة نفسها. لكن أهم تحول في علاقته بالإسلام جاء بعد خروجه التدريجي من حركة أمة الإسلام. كان مالكوم إكس قد غادر الحركة قبل مقتله عام 1965، ثم أدى الحج إلى مكة في العام نفسه، وهناك اكتشف عالما إسلاميا أكثر تنوعا من التصور الذي قدمته له أمة الإسلام. رأى مسلمين من أعراق مختلفة يصلون معا، وهو ما دفعه إلى إعادة النظر في الكثير من أفكاره السابقة. أما محمد علي، فابتعد هو الآخر عن أمة الإسلام واتجه إلى تصور أكثر تقليدية للإسلام. وفي عام 1972، أدى فريضة الحج في مكة، وكانت الرحلة نقطة مهمة في مساره الديني. بعد الحج، جاء إلى سوريا في العام نفسه.
سوريا وكفتارو
كانت سوريا في ذلك الوقت تمر بمرحلة سياسية جديدة. وصل حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، وبدأ النظام الجديد في بناء شبكة من العلاقات مع المؤسسات الدينية والشخصيات الإسلامية. أخذت المعارضة للنظام تتخذ، في جزء منها، من المساجد والفعاليات الدينية مساحة للنشاط. ولذلك سعى النظام إلى بناء علاقة مع شخصيات دينية قادرة على توفير نوع من الشرعية الاجتماعية والدينية. وظهر أحمد كفتارو واحدا من أهم هذه الشخصيات. تحول مسجد أبو النور في دمشق إلى مركز لنشاطه الديني. بدأ المسجد كمؤسسة محدودة في سفوح جبل قاسيون، لكنه تحول خلال العقود التالية إلى مجمع ديني كبير ذي امتدادات دولية. وارتبط كفتارو بالطريقة النقشبندية، وهي إحدى الطرق الصوفية واسعة الانتشار في سوريا والعالم الإسلامي، وبدأ نفوذه الديني يتوسع مع مرور السنوات. مع مرور السنوات، أخذت علاقة كفتارو بالسلطة توفر له مساحة أكبر له ولحركته، بينما استفاد النظام بدوره من وجود شخصية دينية ذات علاقات واسعة داخل البلاد وخارجها. فامتدت شبكاته الدينية إلى بلدان أخرى، ووصلت إلى مجتمعات إسلامية في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة. كان مجمع أبو النور يستقبل طلابا من دول مختلفة، ومن بينهم مسلمون من أصول أمريكية، ما ساهم في بناء شبكة من العلاقات الدينية العابرة للحدود. وهنا تصبح زيارة محمد علي كلاي إلى كفتارو أكثر إثارة للاهتمام.
هل كان كلاي صوفيا؟
بعد وفاة محمد علي عام 2016، ظهرت شهادات من أوساط صوفية أمريكية حول علاقته بالطريقة النقشبندية. وتوجد صورة تعود إلى عام 1984 يظهر فيها إلى جانب أحد شيوخ النقشبندية في الولايات المتحدة. وكانت الطريقة قد توسعت في أمريكا من خلال الشيخ ناظم الحقاني، ثم ساهم الشيخ اللبناني هشام قباني في نشرها وتطوير حضورها هناك. مثّل عام 1984 نقطة مختلفة في حياة محمد علي. ففي تلك السنة شخصت إصابته بمرض باركنسون، وهو مرض رافقه حتى نهاية حياته وأثر بصورة واضحة في قدراته الجسدية. ومع تراجع حضوره في الحلبة، أصبح الجانب الروحي أكثر أهمية في حياته. لم تعد الملاكمة مركز عالمه كما كانت في شبابه، وأخذ يبحث عن الدين والتأمل والعلاقات الروحية التي تمنحه معنى مختلفا لحياته. ومن هذه الزاوية يمكن فهم عودته إلى دمشق عام 1992. لم تكن دمشق بالنسبة إليه مدينة عادية. كان فيها أحمد كفتارو، أحد أبرز شيوخ النقشبندية، وكان كلاي قد أصبح على صلة بهذه الطريقة في الولايات المتحدة. اذ اعتاد مريدو الطرق الصوفية السفر إلى أماكن وجود شيوخهم وأقطاب طرقهم، في إطار رحلات دينية وروحية يبحثون فيها عن المعرفة والتأمل والقرب من الشيخ، لذلك تبدو إقامة محمد علي في المكان المرتبط بكفتارو جزءا من رحلة دينية أكثر اتساعا، وليس مجرد زيارة لشخصية دينية سورية. قضى كلاي أكثر من 25 يوما في مزرعة كفتارو قبل أن يغادر سوريا. وظهرت لاحقا روايات تربط الزيارة برغبة محمد علي في الحصول على علاج من مرض باركنسون. واشتهرت في الأوساط المرتبطة بكفتارو روايات عن ممارسات روحية وصيام طويل كان يوصى به لبعض المرضى. لكن من الصعب التعامل مع هذه الروايات بوصفها علاجا طبيا لمرض باركنسون. فلا توجد أدلة طبية موثوقة تثبت أن كفتارو كان يمتلك علاجا للمرض، كما أن محمد علي كان يتلقى الرعاية الطبية في الولايات المتحدة.
الأهم من ذلك أن اختزال الرحلة في البحث عن علاج جسدي يحجب جانبا آخر من القصة. فمحمد علي لم يصل إلى دمشق عام 1992 باعتباره الملاكم الذي عرفه العالم في الستينيات. كان قد قطع مسافة طويلة في حياته الدينية، وانتقل من أمة الإسلام إلى الإسلام التقليدي، ثم اقترب من التصوف والنقشبندية. وبالتالي، فإن زيارته إلى كفتارو يمكن قراءتها في سياق بحثه عن تجربة روحية، وعن شيخ ينتمي إلى الطريقة التي أصبح قريبا منها في الولايات المتحدة. تطورت هذه العلاقات لاحقا مع شخصيات إسلامية أمريكية. وفي أواخر التسعينيات، ظهرت صلات بين مجمع أبو النور ووريث الدين محمد، أحد أبرز الشخصيات في تاريخ الإسلام الافريقي الأمريكي بعد أمة الإسلام. وقد قدم نفسه في إحدى المناسبات بوصفه تلميذا لأحمد كفتارو. لهذا يمكن النظر إلى زيارة محمد علي كلاي إلى سوريا من ثلاث زوايا متداخلة. الأولى، رحلة رجل يبحث عن معنى روحي، والثانية تتمثل في رحلة مسلم أمريكي وجد في النقشبندية فضاء دينيا جديدا، أما الثالثة، فهي تتمثل في رحلة نظام سياسي اكتشف أن المؤسسات الدينية تستطيع أحيانا بناء جسور لا تستطيع السياسة الرسمية بناءها.
وربما لهذا بقيت صورة محمد علي في دمشق مختلفة عن صوره في الحلبات. هناك، لم يكن الملاكم الذي يرفع قبضته بعد انتصار جديد. كان رجلا أنهكته الشهرة والمرض، وجاء إلى مدينة قديمة بحثا عن شيء آخر، وهو شيء لا تستطيع الحلبة ولا السياسة أن تمنحه بسهولة.
كاتب سوري