لندن – “القدس العربي”: أطلقت “مفوضية الجمعيات الخيرية” في بريطانيا تحقيقاً قانونياً لتقصي الحقائق بشأن مخاوف مرتبطة بعدد من الجمعيات الخيرية التي تنشط في مستوطنات إسرائيلية غير قانونية في فلسطين.
وحسب البيان الذي نشرته الحكومة البريطانية، سيسعى التحقيق إلى تحديد مدى استخدام أموال خيرية داخل المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، والغرض من هذا الإنفاق، وما إذا كان، في حال ثبوته، يحقق الأغراض المعلنة للجمعيات الخيرية المعنية.
كما سيسمح التحقيق للمفوضية بتقييم ما إذا كانت أصول الجمعيات الخيرية أو المستفيدون منها معرضين للخطر، وتحديد الإجراءات التنظيمية اللازمة، إن وجدت، لمعالجة هذه المخاوف.
ويركز التحقيق على تقصي الحقائق، وسيشمل في مرحلته الأولى ثماني جمعيات خيرية، من بين الجمعيات التي وردت أسماؤها ضمن المخاوف التي أُثيرت أخيراً أمام المفوضية.
ويتيح فتح تحقيق جماعي للمفوضية فحص المخاوف التنظيمية بمزيد من التفصيل، ولا يعني ذلك ثبوت ارتكاب أي مخالفات.
وأُعطيت الأولوية للجمعيات الخيرية الثماني التي شملها التحقيق في مرحلته الأولى، بعد تقييم المخاوف الواردة استناداً إلى مجموعة من عوامل الخطر، من بينها مواقع عمل الجهات الشريكة للجمعيات، ومدى حداثة الأنشطة موضوع الادعاءات. ولن تُكشف أسماء الجمعيات في الوقت الراهن.
وتعتزم المفوضية نشر تقرير يتضمن القضايا التي خضعت للفحص، والنتائج التي توصلت إليها، والإجراءات التنظيمية المتخذة، بعد انتهاء التحقيق الجماعي أو بعض مراحله. وستقرر المفوضية لاحقاً ما إذا كانت ستكشف أسماء الجمعيات عند نشر التقرير.
وتخطط المفوضية لتوسيع نطاق التحقيق بمرور الوقت، ليشمل جمعيات أخرى يبدو أنها تنفق أموالاً خيرية لدعم أنشطة أو مشروعات داخل مستوطنات إسرائيلية غير قانونية في فلسطين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وقد شاركت المفوضية معلومات بشأن نطاق تحقيقها مع الشرطة و”هيئة الإيرادات والجمارك البريطانية”.
ورحب بيتر ليري نائب مدير “حملة التضامن مع فلسطين” في حديث مع “القدس العربي” بالقرار، لكنه قال “الواقع هو أن هناك مئات الجمعيات الخيرية البريطانية الأخرى التي تمول المستوطنات الإسرائيلية وتدعمها على أراض فلسطينية مسلوبة. ولذلك، يجب أن يذهب هذا التحرك إلى مدى أبعد بكثير”.
وأضاف: “أُثيرت، على مدى سنوات، مخاوف بشأن تبرع جمعيات خيرية بريطانية بأموال للمستوطنات الإسرائيلية، بما في ذلك تقديم أدلة دامغة جرى تجاهلها أو رفضها من دون اتخاذ أي إجراء”.
وقال: “يشمل ذلك، على سبيل المثال، الصندوق القومي اليهودي، وفرعه في بريطانيا، الذي يمول برامج عسكرية إسرائيلية، ويدير غابات تمحو القرى الفلسطينية. وقد رفضت مفوضية الجمعيات الخيرية التحرك”.
وأضاف: “من الجيد أنها تحقق الآن مع عدد محدود من الجمعيات الخيرية، لكن ثمة حاجة إلى تحرك أوسع بكثير. تقع على الحكومة البريطانية نفسها مسؤولية قانونية لإنهاء جميع أشكال العون والمساعدة المقدمة للوجود الإسرائيلي غير القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك مشروعه الاستيطاني غير القانوني”.
وختم بالقول: “يتعين عليها اتخاذ إجراءات، وفرض عقوبات، وحظر جميع أشكال التجارة التي تدعم انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي، بما في ذلك التجارة المرتبطة بمستوطناتها غير القانونية”.
وكانت “القدس العربي” نشرت في ملحق التعليم في إسرائيل، في أيلول / سبتمبر 2025، تقريرا تناول عمل جمعيات خيرية بريطانية وتمويل أنشطة داخل المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وموقف “مفوضية الجمعيات الخيرية” من تلك الأنشطة.
ووجهت “القدس العربي” أسئلتها حينها إلى “مفوضية الجمعيات الخيرية”، فأقر متحدث باسمها، في تصريح مكتوب: “نحن نعلم أن هذه قضية مثيرة للجدل للغاية، وهناك آراء متعارضة بشدة بشأنها”.
لكنه أضاف: “لا يمكن للمفوضية أن تعمل إلا ضمن إطارنا القانوني، وحقيقة أن جمعية خيرية تعمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا تشكل، في حد ذاتها، جريمة جنائية أو خرقاً لقانون الجمعيات الخيرية”.
وقال إن هذا المبدأ ينطبق “بالقدر نفسه على أي منطقة في العالم تحت سيطرة فاعل غير حكومي”، إذ “يمكن للجمعيات الخيرية أن تعمل في مثل هذه المناطق، شريطة أن يتماشى ذلك مع غرضها الخيري، وأن يكون قانونياً، وأن يكون في مصلحة الجمعية الخيرية”.
وأضاف: “إذا أصبحت المفوضية على علم بأي مسائل جنائية محتملة، فإننا، وفقاً لواجباتنا بوصفنا جهة تنظيمية مدنية، نحيلها إلى هيئة إنفاذ القانون المختصة للتحقيق فيها”.
وفي ما يتعلق بتعامل المفوضية مع جمعيتين وردتا في التحقيق، قال المتحدث لـ”القدس العربي”: “لقد أجرينا ثلاث قضايا منفصلة تتعلق بالامتثال التنظيمي، تخص جمعية UK Toremet Limited منذ عام 2016، بشأن عملها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأصدرنا لأمناء الجمعية توجيهات قانونية وخطة عمل، تضمنت إشارة محددة إلى أهمية الامتثال لقانون اتفاقيات جنيف لعام 1957. كما أبلغت المفوضية الأمناء بموقف الحكومة القائل إن بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني بموجب القانون الدولي”.
وأضاف: “تعاملنا مع The Kasner Charitable Trust في عام 2020، وكجزء من تلك القضية طلبنا مزيداً من التفاصيل من الأمناء بشأن الإبلاغ عن أنشطة منحها. وأصدرنا للأمناء توجيهات قانونية بشأن أهمية الشفافية في التقارير. ونعتزم الاتصال بالأمناء في الوقت المناسب لمتابعة هذه المسألة”.