لم أدخل في الجدل السائر في مصر، حول وزارة الثقافة وجوائز الدولة. في مثل هذه الحالات أتذكر عنوان رواية «بعيدا عن الزحام المجنون» للكاتب الإنكليزي توماس هاردي، والفيلم المأخوذ عنها في الستينيات، لجولي كريستي وتيرانس ستامب، وأخرجه جون شليزنجر. يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا حولي بالبشر، والقضايا الفكرية التي لها حلول سهلة لكن غائبة. هذه المرة زاد شوقي للرواية والفيلم، بسبب أشياء شخصية أصابتني باكتئاب، حتى أني اشتقت إلى العزلة بين الجليد، بين وجوه من أحببت وأحبوني، رغم السنين الطويلة التي فرقت بيننا، ورغم الموت الذي اختار أكثرهم جمالا.
لكن ماذا تفعل أيها المثقف؟ هل تترك أحزانك الشخصية تحدد خطاك، وأنت تعرف أنه بالكتابة تنتهي الأحزان. فلتدخل هذا المعترك الذي يملأ فضاءات الصحف والسوشيال ميديا، ولا يبدو إنه سينتهي بسلام. أكتب عما ترى أنه الحق والحقيقة، رغم أنك تدرك دائما أنه لا حقيقة مطلقة. حتى في العلوم تأتي نظريات تحتوي ما قبلها وتتسع به، فأنت لا تنسي مقولة الفيلسوف كارل بوبر، إن النظرية العلمية الحقة، هي التي تقبل الكذب، فحين اكتشف نيوتن مثلا قانون الجاذبية، جاء بعده اينشتاين بقانون النسبية، ثم أخيرا جاء أحمد زويل بقانون الفيمتو ثانية. أترك من يرون أن حديثهم هو الحقيقة المطلقة، ولا يقبلون رأيا آخر. تعرف أن الكثيرين منهم لا ينشغلون بقضايا، هي أصل مشكلاتنا كلها، مثل كيف يكون الناس أحرارا. ربما لأن الحرية باهظة الثمن، ومن أجلها يموت الكثيرون، وتنفتح أبواب السجون لهم. لا تفكر في العزلة بين الجليد، وتحدث عن وزارة الثقافة، أو جوائز الدولة التي هي صراع كل عام.
وزارة الثقافة جاءت من إنتاج ثورة يوليو/تموز. ومهما تمتعت بشيء من الحرية، لم تنجو من تدخلات الحكم في كل أجهزتها الكبيرة والصغيرة. والآن ومنذ أيام الرئيس السادات رفعت الدولة شعار المشروع الحر، لكن لم تبتعد أجهزة الدولة عن التدخل فيها. دولة المشروع الحر لا تكون فيها وزارة ثقافة ولا وزارة إعلام. بعد ثورة يناير/كانون الثاني تغير على الوزارة عدد كبير من الوزراء. لم يمضِ بعضهم وقتا طويلا فيها، غير الفنانة إيناس عبد الدايم والصحافي حلمي النمنم. مَن قبلهما مثل عماد أبو غازي أو شاكر عبد الحميد أو محمد صابر عرب أو جابر عصفور أو عبد الواحد النبوي أو من بعدهما مثل نيفين الكيلاني أو أحمد هنو أو جيهان زكي، تغيروا بسرعة، ومنهم من استقال بنفسه مثل عماد أبو غازي، احتجاجا على ما يحدث ضد شباب الثوار بعد ثورة يناير، خاصة في شارع محمد محمود. ومن ينسي أيام الأمل حين كان هتاف شباب الثوار «اشهد يا محمد محمود.. كانوا ديابة وكنا أسود»، الهتاف الشهير أثناء الأحداث الدامية في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 وما تلاها.
كانت الدولة ذلك الوقت على صفيح ساخن، وتكرر أمر الصفيح الساخن الآن تحت وزارة الثقافة، بعد خروج الوزير أحمد هنو وبعده جيهان زكي. لن أتحدث عن إنجاز كل وزير، لكن التغيرات كانت دائما سريعة، والآن حتى لو تم تعيين وزير مع ظهور هذا المقال، فالسؤال هو هل سيكون وزير الثقافة محايدا، بين التيارات السياسية المحتدمة في مصر، تحت السطح أو فوقه، أم سيكون منفذا لسياسة الحزب الحاكم؟ لا يستطيع أيْ وزير ثقافة الآن أن يكون محايدا.
وزارة الثقافة وزارة خدمية تعمل بميزانية هي من ضرائب وأموال الشعب كله، لكن السياسة السائدة للحزب الحاكم ستقفز إليها. لا توجد في المجتمعات الديمقراطية وزارة ثقافة. وإذا وجدت فتكون لدعم المجتمع المدني في نشاطه الثقافي، أي تدعم بالمال الناشطين الثقافيين ودور النشر والفرق المسرحية وغير ذلك من أنشطة، ولا تنتج هي. في مصر لن يتم إلغاء الوزارة. كثيرا ما طالبت أن تتحول مؤسساتها إلى نشاط خاص، فتتحول الهيئة العامة للكتاب مثلا، إلى دار نشر خاصة تطرح أسهمها في البورصة، ويكون أول ملاكها هم العاملين فيها.
الثقافة الجماهيرية أو الهيئة العامة لقصور الثقافة، أمرها أكثر تعقيدا، ولكن يمكن البحث لها عن مخرج لا يؤذي العاملين فيها، كأن تتحول قصور وبيوت الثقافة إلى إدارة المجتمع المدني الثقافي. يتم تأجير البيوت والقصور إلى فنانين وكتاب، أو جماعات فنية وثقافية بحق الانتفاع الطويل، بشرط ألا يتخلوا عن العاملين، ويعيدون تدريبهم، وتستمر الميزانية تدفع لها عاما أو عامين، حتى تقوي هذه المواقع الثقافية وتستطيع العمل وحدها. المهم أن تخرج من تبعية الدولة التي تدعي أنها ليست مركزية! تتحول الوزارة إلى وزارة دولة، تتبعها فقط الأوبرا ودار الكتب والوثائق القومية وجوائز الدولة والمتاحف القومية. ويتم مع بقية الأجهزة ما اقترحته كثيرا. لكن هل هناك فائدة في أي حديث؟ لقد شهدت السوشيال ميديا اقتراحات كثيرة، بأسماء يراها المقترحون الأصلح للوزارة، وبالطبع نالت بعض الاقتراحات نقدا وانتقادا، وغاب الموضوع الأساسي، وهو كيف تكون لدينا وزارة ثقافة بينما المجتمع الأهلي يقوم بأعمال كثيرة تثري واقعنا الثقافي، سواء من ناحية النشر الخاص أو الندوات والمؤتمرات، بعيدا عن الوزارة التي لم تتحرك في أمر سهل جدا، وهو الارتفاع الرهيب في أسعار الورق، ما جعل شراء الكتب غير متاح للكثيرين. لم تستطع أي وزارة أن تطلب من الدولة عدم تحصيل أي ضرائب على الورق، الذي للأسف صار مستوردا كله، بعد تدمير مصانع الورق، كذلك عدم تحصيل جمارك عليه، عند وصوله إلى الموانئ.
بعد وزارة الثقافة ننتقل إلى المعركة المحتدمة، حول جوائز الدولة هذا العام. مقالات كثيرة تهاجم القائمين على الجوائز. بالنسبة لي ضايقني وضايق الكثيرين، عدم حصول الكاتب جار النبي الحلو، على جائزة الدولة التقديرية في الآداب، بعد تاريخه وإبداعه. كان ولا يزال هناك شبه أجماع على خطأ القائمين على الجائزة في ذلك. غير ذلك يمكن أن يتأجل الحديث فيه، لأن من يستحقون الجوائز كثيرين، ولا يمكن أن يحصلوا عليها جميعا في عام واحد. كما حصل عليها كتاب وفنانون يستحقونها باقتدار، يطول الحديث عن أسمائهم. لقد كتبت أكثر من مرة هنا في العام السابق والأسبق، عن أسماء غائبة دائما عن الترشيح من الجهات التي تقوم بذلك، لكن للأسف لم يتم ترشيحهم، ورحل بعضهم قبل أن يحدث ذلك، وهكذا سيظل الأمر كل عام.
تتالت المقالات المهاجمة أو الناقدة خاصة حصول سيدة أكاديمية على جائزة التفوق في العلوم الاجتماعية، وليس لها أيْ إنتاج فكرى ولا حتى كتاب واحد. وهنا أتذكر حين كنت في لجان اختيار المرشحين، التي غادرتها منذ أكثر من عشر سنوات، أن الترشيح يتم على ثلاث مراحل. الأولى تكون من جهة ثقافية أو فنية أو علمية. الثانية اختيار عدد من بين المرشحين لا يزيد كثيرا عن عدد من سيفوز. فمثلا في جائزة مثل التقديرية أو التفوق يتم اختيار خمسة أو ستة من المرشحين، ليسهل اختيار ثلاثة في المرحلة الأخيرة. وهنا يأتي السؤال. أين كانت سيرة كل مرشح عند الترشيح أو الاختيار الأول. هل صاروا يكتفون بالأسماء فقط. من المهم جدا أن تتطلع الجهة المرشحة، أو من سيختارون عددا أقل من بين المرشحين، أو من سيقومون بالتصويت النهائي، على سيرة كل مرشح، فلا يحدث هذا الخطأ.
ما حدث لا يمكن تجاوزه بسهولة خاصة في هذه النقطة، وفتح باب الجحيم على القائمين على الجوائز، ولا أجد الآن بعد أن صارت حالتي النفسية أفضل، غير الخيال ألوذ به لأستعيد أياما جميلة عن مدينتي الإسكندرية. عطور النساء تمشي في الطرقات، والشوارع خالية، وأفيشات السينما تملأ الواجهات، والموسيقى تصدح في الحدائق، وعلى الشواطئ تتم مسابقات ملكات الجمال. لكن جاءني صوت من بين السحب يسرُّ لي أين هي الإسكندرية. الحياة الحقيقية في مصر كلها الآن، هي هذا الزحام المجنون.
كاتب مصري