دافيد زونشاين
يؤدي هوس المعارضة الإسرائيلية بشخصية نتنياهو إلى عمى سياسي خطير. مراراً وتكراراً يتوافد الجمهور الليبرالي الصهيوني على صناديق الاقتراع بإيمان شبه ديني بأن إزاحة رئيس الحكومة عن منصبه شرط ضروري ويكفي للبدء في “الإصلاح الجذري”. هذا الشعار “أولاً نستبدل، ثم نصلح”، يتجاهل جوهر المشكلة، وهو السبب في انجرار النظام نحو اليمين، إلى عوالم فاشية ومسيحانية.
الحقيقة الصعبة التي يرفض معظم المعارضة الاعتراف بها هي أن نتنياهو سيئ جداً بالفعل، لكنه ليس مصدر الشر. لن يعالج استبداله المرض، لأن المرض هو الذي أوصله إلى الحكم لفترة طويلة، هو العرض والرمز، وليس سبب المرض. يجسد نتنياهو رغبات ومخاوف والرؤية الحقيقية لمعظم الشعب اليهودي في إسرائيل. هو لم يفرض نفسه على النظام، بل وجد النظام فيه القائد الأمثل للحفاظ على أسسه: الحفاظ على السيادة اليهودية مثلما تتجسد في قوانين ومؤسسات وأولويات دولة إسرائيل، وتعميق السيطرة على الفلسطينيين، والامتناع عن أي ترتيب سياسي ديمقراطي يقوم على المساواة.
حدثت الانعطافة التاريخية التي مهدت الطريق لعهد نتنياهو – خلافاً لولايته الوحيدة في أعقاب اغتيال رئيس الحكومة إسحق رابين على الفور – في وقت مبكر في العام 2000. إيهود باراك، عند عودته من قمة كامب ديفيد كان هو الذي صاغ المقولة المميتة “لا يوجد شريك”. بهذا التصريح الحاسم، قام رئيس وزراء من معسكر السلام، إذا صح التعبير، بطي آخر ما تبقى من تمييز بين اليمين وما كان يسمى “اليسار” بين اليهود في إسرائيل. من اللحظة التي أعلنت فيها قيادة الوسط – يسار أن الرؤية السياسية التي طرحها رابين لم تعد قابلة للتطبيق، انهار البرج الأيديولوجي، الذي كان هشاً من البداية.
في تلك اللحظة، فتحت الطريق أمام تشكيل كنيست يمينية موحدة ولها نفوذ. تكاد تكون الفوارق الاقتصادية الحقيقية معدومة بين هذه الأحزاب، ويصعب إيجاد خلافات في القضايا الدينية والاجتماعية، وسط ضبابية الاتفاقات الوطنية الجامدة. منذ “كامب ديفيد” تساوق المشهد السياسي اليهودي كله مع تعريف واحد للأمن والسلطة، وأبقى في الخارج فقط الذين يرفضون قبول قواعد اللعب الصهيونية: أحزاب يصوت لها المواطنون العرب في إسرائيل على الأغلب، إلى جانب عدد محدود جداً من المواطنين اليهود. الأحزاب التي كانت القضية الفلسطينية والسياسية على رأس سلم أولوياتها، قلصت من شأن هذه القضية بالقول: “هذا ليس الوقت المناسب”، “واضح للجميع أنه لا توجد أي احتمالية لذلك”.
رؤساء قادة المعارضة، بدءاً بيئير لبيد وبني غانتس ومروراً بنفتالي بينيت وافيغدور ليبرمان وانتهاء بغادي آيزنكوت، لا يمثلون رؤية مخالفة لرؤية نتنياهو، بل هم استمرارية طبيعية للنظام السياسي والثقافي الذي قاده لأكثر من جيل
برز من يعدون اليوم بالبديل على هذه الأرضية الخصبة. رؤساء قادة المعارضة، بدءاً بيئير لبيد وبني غانتس ومروراً بنفتالي بينيت وافيغدور ليبرمان وانتهاء بغادي آيزنكوت، لا يمثلون رؤية مخالفة لرؤية نتنياهو، بل هم استمرارية طبيعية للنظام السياسي والثقافي الذي قاده لأكثر من جيل. لم تكن شراكتهم التاريخية معه فقط عثرات مؤقتة أو تنازلات قسرية. فقد سارع باراك إلى الانضمام لنتنياهو في 2009 كوزير للدفاع، وشغل لبيد منصب وزير المالية في 2013، وأعلن أنه لا يعارض المستوطنات، ودخل غانتس وآيزنكوت دائماً إلى إطار “التدخل الطارئ” من أجل ترسيخ حكمه وإدارة الاحتلال والفصل العنصري معه، وكانا شريكين كاملين في سياسة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
لقد شعروا بالراحة في حكوماته، لأنهم شاركوا نفس الرؤية الراسخة التي صاغها باراك في العام 2000، وهي إدارة الصراع بالقوة وتعميق امتيازات اليهود وتجنب أي رؤية ديمقراطية حقيقية. بهذا المعنى، مثلوا التيار الصهيوني السائد في إسرائيل، باستثناء بداية تحول في المسار، الذي تبين بعد ذلك أنه مؤقت عقب اتفاق أوسلو: استمرار اضطهاد الفلسطينيين.
عندما تتوج المعارضة اليوم هؤلاء الأشخاص كمنقذين، فإنها تمارس طمساً تاريخياً وأيديولوجياً. هي لا تعرف أنه من المستحيل مواجهة نتنياهو بنسخة مخففة منه. إن اختيار الانضمام إليه فقط من أجل تحقيق “ضبط النفس التكتيكي” أو “كسب الوقت” هو اعتراف بالهزيمة الأيديولوجية، وهو يضمن أنه حتى لو تم استبدال نتنياهو نفسه، فالنظام الذي قام عليه سيبقى على حاله، وسيستمر في التطرف إلى حين إنجاب ورثة أكثر تطرفاً وظلامية.
إن التصويت الاستراتيجي الحقيقي لا يعتبر تصويتاً بـ “أمل ضئيل” بالعودة النظام القديم المعيب. لن يبدأ التصحيح في اليوم التالي لنتنياهو. لأنه من دون تغيير جذري في المنظور، سيبدو اليوم التالي بالضبط مثل اليوم الذي سبقه. إن أي شخص غير مستعد لاستيعاب أن النظام الصهيوني الكلاسيكي وصل إلى طريق مسدود، وأنه يجب تغييره من جذوره، وأن يصبح ديمقراطية حقيقية تقوم على إنهاء الاستعمار والمشاركة الكاملة، فإنه يحكم على نفسه بالعيش في حلقة مفرغة من جولات الانتخابات والحكومات الانتقالية المؤقتة التي تصطدم بالواقع، وفي النهاية الاستسلام الكامل لنسخة اليمين الأكثر ظلامية.
هآرتس 14/9/2026