«العاصمة باب السور»… رواية تستعيد تاريخ الهامش


تفتح أمامنا رواية «العاصمة باب السور» للكاتب والشاعر العراقي علي صلاح بلداوي، الصادرة حديثاً عن دار صفصافة للنشر والتوزيع – القاهرة، أفقاً غنيّاً للاشتباك السردي مع المكان وتحولاته السيكولوجية في المشهد الروائي المُعاصر.
العنوان لوحده يدهش القارئ في البدء، لأنَّهُ يطرح عتبة نصيَّة بالغة الثراء؛ فـ»العاصمة»، تحيل إلى مركز الثقل الإنساني والتحولات الكبرى، في حين أنَّ «باب السور»، تضع القارئ أمام حدٍ فاصل، فربما ترمز إلى العزلة، أو الحصار، أو الانتقال بين عالمين متناقِضَين (داخل السورِ وخارجه)، على أنَّ باب السور حيّ سكني واقعي في مدينة «بلد» العراقيّة، التي تجري فيها أحداث الرواية.
في البدء، هناك راوٍ عليم يضع أمامنا شخصيّة جعفر، المقاتل الرابض على الحدّ الفاصل بين المدينة الصغيرة وأعدائها. يوميّاته في القتال ينقلها إلى صديقه ناجي، الفتى الذي تتحرّز أمّه زينب من تورّطه في المصير ذاته، مثل صديقه جعفر المعرّض للموت في كل لحظة. في الرواية، يدرك ناجي أن ذهابه إلى الساتر لا يعني موته وحده، بل موت أمّه في الحال أيضاً. لذلك تتبدّى حيرته في ليالي المدينة المضطربة. لكنّه، على نحوٍ مفاجئ، ينتبه إلى الهاتف الأرضي العتيق، وقد غدا قطعة تراثٍ هامدة في زمن الهواتف الذكيّة. كان هذا الهاتف سلوته في الطفولة؛ يحرّك قرص أرقامه ليستمع إلى أصواتٍ شتّى، مقبلة من بيوتٍ قريبة وأخرى بعيدة. يعيد ناجي الكرة في حاضره، كأنّما يحاول استعادة طفولته، غير أنّه يُفاجَأً هذه المرّة بأنّ هناك من يجيبه. في لحظةٍ يسمّيها «المعجزة»، إذ لم يكن يتخيّل أنَّ الهاتف الأرضي سيعمل بتلك الطريقة الغريبة، أو أنّ قطعةً صامتة من الماضي يمكن أن تستعيد فجأة قدرتها على العمل.
ألعاب روائية
من هنا تبدأ لعبة الروائي البارعة في نسج حوارٍ متخيَّل بين ناجي وشخصيّةٍ يجهل هويّتها في البدء، لكنها تأخذ على عاتقها أن تروي له سيرة مدينته في ثمانينيات القرن الماضي، وما انطوت عليه تلك السنوات البعيدة من وقائع وتحوّلات.
هذه الشخصيّة، التي يعبر من خلالها الراوي إلى أحداث الثمانينيات العراقيّة، هي عبود؛ الرجل الذي تشكّلت عائلته من جدّه سلمان داود، وأمّه نوريّة التي كانت لا يغمض لها جفن إلّا بعد أن تسرد له حكايةً من حكايات العائلة، فتجعله ينام على أصوات الماضي وذكرياته. ومن بين تلك الحكايات، تروي له قصة أبيه الذي عاد شهيداً من الجبهة، فتتحوّل القصص العائليّة إلى نافذةٍ تكشف لنا مرجعيّات الرواية، وتضيء صورة الجدّ والأب والأم بوصفهم جذوراً عميقة لذاكرة المدينة وتاريخها.
تقاطع زمنين
بالمجمل، يقوم البناء السردي في الرواية على حوارٍ افتراضي يتقاطع فيه زمنان متباعدان؛ ناجي، الذي يعيش في عام 2014، وعبّود، الذي يعيش في عام 1982. ومن خلال هذا التشابك الزمني، يفتح الروائي فضاءً غرائبيّاً تتجاور فيه لحظتان تاريخيتان لا يجمع بينهما سوى الهاتف، فيلتقي الرجلان من عالمين منفصلين، ويتبادلان الحديث من داخل تجربتين مختلفتين، يحمل كلٌّ منهما جرحه التاريخي وأسئلته الخاصة. وهكذا يتحوّل الحوار بينهما من مجرّد وسيلة سردية إلى جسرٍ يصل الماضي بالحاضر، ويعيد مساءلة الذاكرة العراقية من موقعين زمنيين متباعدين.
كان عبّود يحدّث ناجي عن أحداثٍ بدت له غريبةً وثقيلة، أحداثٍ لم تكن قد وُلدت في زمنه، مثل محاولة اغتيال صدام في الدجيل، وما أعقبها من بطشٍ مارسه الجهاز القمعي للنظام، حين أُخضعت المدينة بأكملها لانتقام السلطة. وفي المقابل، يبدأ ناجي حديثه عن معاركه مع من يصفهم بـ»الجرذان»، وهو توصيف بدا غريباً وغير معقول بالنسبة لعبود، وعن حربٍ تلتهم زمنه ومدينته؛ غير أن عبّود لا يكاد يفقه شيئاً مما يقوله، فالكلمات نفسها تنتمي إلى زمنٍ آخر، وإلى عالمٍ يبدو بعيداً عن تجربته، حتى لكأنّ الابن يتحدث من كوكبٍ غير الكوكب الذي عرفه الأب. ومع ذلك، تنشأ بينهما صلة خفيّة تتجاوز اختلاف الأزمنة، حين يكتشف عبود أنّ تلك الأحداث كلّها تدور في مدينته الصغيرة «بلد». تعيين المدينة يضفي على الرواية مزجها الديناميكي بين الخاص والعام، بين ما يحدث في العراق، والمدينة الصغيرة التي يعيش فيها الكاتب نفسه، ما يضفي على الرواية المصداقية المتفاعلة مع الخيال الافتراضي عن الحوار بين الشخصيتين، وما بينهما من مسافةٍ زمنيَّةٍ تمتد إلى اثنين وثلاثين عاماً.
حوار افتراضي
يمنح الحديث الافتراضي بين الشخصيتين الرواية مساحةً واسعةً لالتقاء الواقع بالخيال؛ فعندما يتحدث ناجي عن سقوط صدام، وما يراه من مؤامرة أمريكية بالتواطؤ مع العصابات الإرهابية، يجد عبّود نفسه أمام معلوماتٍ تتساقط عليه بغزارة، كأنها عاصفةٌ مطريّة تهطل من زمنٍ لم يعشه. ومن هذا التباعد المعرفي والزمني يتشكّل ذلك المزيج السحري بين الواقعي والمتخيّل، وتجعله يتابع الرواية وأحداثها الدراماتيكية إلى النهاية.
الخوف الذي زرعه النظام الديكتاتوري آنذاك، تجعل متلقي هذا الحديث، أي عبود، يرتعب من أن فخاً أمنياً سيطبق عليه لا محالة. وكأيِّ روائي يقدم سرديته الواقعية الخيالية، لا بد أن تترسخ بنيته السردية على أرض صلبة عمادها الذاكرة عما حدث ويحدث في عراق 2003، وإلى غاية الحدود الزمنية للسرد عام 2014. يستمر الراوي في سرد الأسانيد التي يحتاجها رجل الماضي، بأنَّه أمام إنسان قادم من المستقبل. ووفق هذا وهذاك استطاع الروائي أن يطرح سرديات العراق بين زمنين، يُعدان الآن من الماضي، ولكنَّهما مثقلان بتحولات عاصفة في تاريخ العراق المعاصر، المُثقل بالحروب، وصولًا إلى غاية احتلال الدواعش لثلث مساحة العراق في عام 2014، وهو زمن مفصلي في الرواية.
قوس درامي بين زمنين
من خلال هذا الامتداد الزمني (1982 – 2014)، يتضح أنَّ أحداث الرواية لا تتحرك بشكل أفقي رتيب، بل تتشكل عبر قوس دراميّ مشدود بين حصارين وثقافتين: زمن الثمانينيات، حصار الأيديولوجيا وسطوة المركز. في هذا المفصل التاريخي، يتحرك الحدث تحت ثقل الحرب (الحرب العراقية الإيرانية ـ والقبضة الحديدية للسلطة). هنا، تكون الأحداث مدفوعة بالتشظي الأسري والاجتماعي، نتيجة سحب الرجال إلى جبهات القتال، وتحوّل البلدة إلى فضاء تسكنه الانتظارات والمخاوف. كيف تحاول بلدة صغيرة الحفاظ على هويتها الذاكراتية والاجتماعيّة أمام محاولات تنميطها وصهرها في بوتقة الأيديولوجيا الرسمية.
محطة حصار 2014 تصل بالحدث الروائي إلى ذروته الكابوسية، إذ لم يعد الحصار مجرد ضغط سياسي أو اقتصادي، بل أصبح حصاراً فيزيائياً ووجودياً خانقاً تفرضه قوى ظلامية (داعش) مهددةً بمحو المدينة تماماً. الأحداث في هذا الجانب تمتاز بـالتكثيف والاضطرار، حيث تصبح الحركة داخل المدينة محكومة بغريزة البقاء، ومن ثم الانقطاع عن العالم والعزلة الشاملة التي تجعل المدينة تواجه مصيرها وحيدة، وكأنها سقطت في ثقب أسود خارج التاريخ.
بالمجمل الرواية فرشت سرديّة التحولات السياسيّة الكبرى في العراق (الحرب، الاضطرابات السياسية، الحصار الاقتصادي في التسعينيات، التغيير في 2003، تنظيم القاعدة وما تلاها، سيطرة الجماعات الإرهابية، ثم صدمة 2014) على البنية النفسية والمعماريّة لمدينة صغيرة، أو العراق مصغراً. كما أن الأحداث هنا لا تؤرخ للشخوص بقدر ما تؤرخ للمكان عبر الشخوص. إن اختيار الكاتب لبلدةٍ عراقيَّةٍ صغيرة، بقيت لفترات طويلة خارج الرادار الروائي التقليدي، هو بحد ذاته انحيازٌ ذكي لـتاريخ الهامش، وجعل هذه البلدة مسرحاً لأربعين عاماً من التحولات، يعني أننا لسنا أمام حكاية محلية عابرة، بل أمام مرآة مكبِّرة تكشفّ عن المأساة العراقيّة المستمرة.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *