يكاد كل تطور جديد في سوريا يعيد طرح السؤال نفسه، وإن بأشكال مختلفة: هل نملك، حتى الآن، الخطاب القادر على تفسير ما يجري؟
فالمشكلة التي تظهر مع كل حدث تقريباً لا تبدو في الحدث وحده، وإنما في اللغة التي نستقبله بها. وهكذا، يعود السوريون سريعاً إلى القواميس القديمة، وإلى الثنائيات التي حكمت المجال السوري والعربي طويلاً: إسلامي وعلماني، محافظ وحداثي، ثوري ودولتي، وطني ومنفتح على الخارج، أصالة ومعاصرة. ثم نكتشف، مرة بعد أخرى، أن الواقع الجديد لا يستقر بسهولة داخل أي منها.
وربما تكمن هنا واحدة من أكثر مفارقات اللحظة السورية إثارة: الدولة الجديدة تبدو، في بعض جوانب حركتها، أكثر تقدماً من الخطاب الذي يحاول تفسيرها.
لا يتعلق الأمر، هنا، بادعاء اكتمال التجربة، ولا بإضفاء العصمة على قرارات السلطة؛ فالدولة لا تزال في طور التأسيس، والأخطاء جزء من أي انتقال بهذا الحجم. المقصود شيء آخر يظهر حين نرتفع من مستوى القرارات المنفردة إلى المستوى الاستراتيجي لحركة الدولة: ثمة عقل سياسي يتشكل، ويبدو أن منطقه العملي سبق حتى الآن عملية تأصيله فكرياً وصياغته خطابياً.
ما طبيعة هذا العقل؟
تكفي متابعة ملفات شديدة الاختلاف لرؤية ملامحه: دولة خرج قادتها من تجربة إسلامية وثورية، لكنها تبني شرعيتها السياسية حول مفهوم الدولة الوطنية؛ تستعيد الثورة بوصفها ذاكرة تأسيسية من دون أن تجعل الثورة بديلاً دائماً عن المؤسسات؛ تعيد بناء علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا في الوقت نفسه، وتعمق شراكتها مع تركيا والخليج، من دون أن تقدم نفسها ملحقاً بمحور؛ تبحث عن الاستثمار والأسواق والتكنولوجيا، فيما تحافظ على مرجعية ثقافية واجتماعية متصلة بهوية المجتمع؛ وتتعامل مع الجغرافيا السورية بوصفها مورداً استراتيجياً ينبغي تحويله من ساحة لصراعات الآخرين إلى أداة للمصلحة الوطنية.
ليست أهمية هذه الأمثلة في تفاصيلها. إنها شواهد على طريقة تفكير. طريقة لا تبدأ بالسؤال الأيديولوجي التقليدي: إلى أي معسكر ننتمي؟ وإنما بسؤال الدولة: ما المصلحة السورية، وكيف يمكن تركيب عناصر القوة المختلفة لخدمتها؟
وهنا تبدأ المشكلة مع الخطابين الأكثر حضوراً في المجال السوري.
فجزء معتبر من الفكر الإسلامي التقليدي ما يزال يملك حساسية عالية تجاه الجديد، ويتعامل مع السياسة أحياناً بمنطق الهوية أكثر من منطقه في إدارة الدولة المركبة. يطمئن إلى الإجابات الموروثة أكثر مما يطمئن إلى مسؤولية الاجتهاد، ويستطيع الحديث بإسهاب عن صلاح المجتمع، لكنه يجد صعوبة أكبر عندما يصبح السؤال متعلقاً بالاستثمار العالمي، والفنون، والمرأة، والتعدد، والمصلحة الوطنية، والعلاقات مع قوى متناقضة، وصناعة النفوذ، والتكنولوجيا، وإدارة مجتمع خرج من حرب مدمرة.
لكن المفارقة أن الخطاب العلماني والحداثي السوري لا يبدو أكثر قدرة بالضرورة على تفسير التجربة!
فجزء منه تشكل بدوره داخل قوالب القرن العشرين، وحمل تصوراً يعتبر التحديث مساراً يكاد يستلزم إزاحة الدين إلى الهامش، أو يرى حضور المرجعية الإسلامية في المجال العام علامةً على نقص الحداثة. ولذلك قد يجد نفسه مرتبكاً أمام تجربة تحاول الجمع بين هوية إسلامية واضحة وانفتاح اقتصادي واسع، وبين محافظة اجتماعية وتحديث مؤسسي، وبين جذور ثقافية عميقة وبراغماتية عالية في العلاقات الدولية.
كلا الخطابين، من موقع مختلف، قد يقع في الأسر نفسه: أسر الثنائية.
الأول يخشى أن يكون الانفتاح تنازلاً عن الهوية، والثاني يخشى أن يكون حضور الهوية نكوصاً عن الحداثة. بينما تبدو التجربة السورية، في أفضل إمكاناتها، وكأنها تبحث عن سؤال مختلف تماماً: لماذا ينبغي أن يكون الاختيار بين الاثنين أصلاً؟
وهنا قد تكون أمام سوريا فرصة فكرية توازي فرصتها السياسية.
الدولة التي تسبق خطابها تترك فراغاً، والفراغ الفكري لا يبقى فارغاً طويلاً. وسرعان ما تملأه التفسيرات القديمة، فيقرأ كل فريق الحدث من قاموسه، وتتحول حفلة فنية إلى معركة هوية
فما يتشكل يمكن أن يقود إلى تصور يرى الإسلام مصدراً عميقاً للقيم والمعنى والاجتهاد الحضاري، من دون تحويل الدولة إلى جهاز لفرض التدين؛ ويرى الحداثة مجموعة هائلة من الأدوات والمؤسسات والمعارف والخبرات الإنسانية، من دون تحويلها إلى عقيدة ثقافية تستوجب القطيعة مع الذات.
تصور يستطيع أن يجمع بين المسجد والمختبر، وبين السوق والعدالة الاجتماعية، وبين الفن والهوية، وبين المرأة والأسرة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الانتماء الحضاري الإسلامي والدولة الوطنية السورية، وبين السيادة والانفتاح على العالم.
وهذه ليست عملية «توفيق» لفظي بين متناقضات. فالمسألة أعمق من ذلك: إنها إعادة ترتيب العلاقة بين المرجعية والواقع.
إن الفكر السياسي الحي لا يسأل الماضي عن إجابات جاهزة لكل سؤال جديد، ولا يبدأ من افتراض أن كل جديد يحمل الحقيقة في ذاته. إنه يستخرج من المرجعية مقاصدها الكبرى، ومن التجربة الإنسانية أفضل أدواتها، ومن الواقع أسئلته الحقيقية، ثم يتحمل مسؤولية الاجتهاد.
وهذا تحديداً ما يبدو أن السياسة السورية الجديدة مضطرة إلى فعله عملياً، حتى قبل أن يوجد الخطاب الذي يشرحه.
ولكن، هنا تكمن الخطورة أيضاً.
فالدولة التي تسبق خطابها تترك فراغاً، والفراغ الفكري لا يبقى فارغاً طويلاً. وسرعان ما تملأه التفسيرات القديمة، فيقرأ كل فريق الحدث من قاموسه، وتتحول حفلة فنية إلى معركة هوية، وقرار اقتصادي إلى جدل أيديولوجي، وعلاقة دولية إلى امتحان ولاء، واجتهاد اجتماعي إلى صراع بين «الدين» و«الحداثة»!
وهكذا قد يصبح الخطاب أبطأ من الدولة، والمجتمع أبطأ من الاثنين.
لذلك فإن بناء سوريا الجديدة لا يحتاج إلى مصانع وطرقات ومؤسسات وجيش ودبلوماسية فقط. وإنما يحتاج أيضاً إلى بنية فكرية جديدة تفسر المشروع لنفسه ولمجتمعه وللعالم.
وهنا ينبغي الانتباه إلى فارق جوهري. فالحاجة ليست إلى اختراع إسلام جديد، ولا إلى استيراد حداثة جديدة. الإسلام أوسع من قراءاتنا التاريخية له، والحداثة الإنسانية أوسع من نسخها الأيديولوجية العربية.
ما نحتاجه هو شجاعة إنتاج خطاب جديد يستطيع أن يرى ما يحدث قبل أن يسارع إلى تصنيفه.
وربما تكون هذه واحدة من غرائب اللحظة السورية: أن السياسة، التي اعتدنا اتهامها بالتأخر عن الفكر، تبدو هذه المرة وكأنها تتقدم أمامه وتطالبه باللحاق بها.
فإذا كانت الدولة السورية الجديدة تعيد تعريف موقع سوريا في العالم، ووظيفة الجغرافيا، وعلاقة الهوية بالمصلحة، والثورة بالدولة، والسيادة بالانفتاح، فإن السؤال الفكري الذي سيزداد إلحاحاً مع كل خطوة جديدة هو:
هل يستطيع السوريون إنتاج الخطاب الذي يليق بهذا التحول؟
ذلك أن الدولة تستطيع أن تبدأ مشروعاً سياسياً جديداً بقرارات ومؤسسات.
أما تحويل هذا المشروع إلى مرحلة تاريخية جديدة، فإنه يحتاج أيضاً إلى الفكرة التي تفهمه، واللغة التي تعبّر عنه، والخيال الذي يستطيع أن يرى إلى أين يمكن أن يصل.
٭ كاتب سوري