أزمة داخل “الجبهة” تهدّد مكانة وحظوظ القائمة المشتركة بسبب شبهات تحرش تنسب للمرشح الثاني فيها


الناصرة ـ “القدس العربي”: على مسافة أيام قليلة من موعد تقديم القوائم الانتخابية الراغبة بالمشاركة في انتخابات البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) تشهد القائمة المشتركة أزمة داخلية تهدد مكانتها وحظوظها الانتخابية في ظل توجيه جهات نسوية إصبع الشبهات بالتحرش الجنسي ببعض النساء للمرشح الثاني فيها جعفر فرح الذي ينفيها ويرفض التنحي محذرا من استمرار ما أسماه “حملات قضائية ميدانية”.

وكانت هاتان الجمعيتان قد أطلقتا حملة عقب انتخاب جعفر فرح مرشّحا من قبل حزبه الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة قبل أقل من شهرين دعت فيها “المتحرشين” للاعتزال بعنوان “متحرّش اعتزل” طالبت فيها أيضا الإعلام العربي المحلي لعدم مقابلتهم دون نشر ذكر أسمائهم. وبعد توجه الجمعيتين شكلت الجبهة طاقم فحص داخلي خلص لكتابة تقرير أوصى به بأن يستقيل فرح من قائمة المرشحين أو يخرج على الناس ببيان تفصيلي وشفاف.

وأصدرت الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة والحزب الشيوعي بيانا مشتركا قبل أيام بعنوان “المسؤولية الأخلاقية كبوصلة ثابتة” أكدا فيه على موقفها السياسي والأخلاقي والإنسلاني المناصر للمرأة دون هوادة أوصيا فيه “الاقتراح على الرفيق جعفر فرح النظر في سحب ترشيحه في ضوء الظروف الناشئة والشهادات وفي حال اختار عدم سحب ترشيحه ونظرا لعدم وجود شكاوى في الشرطة أو جهة تحقيق وتقصي للحقائق وفي ظل نفيه للادعاءات بحقه،طلب منه تقديم موقف شخصي واضح إلى مؤسسات الحزب والجبهة وإلى الجمهور،يتطرق فيها بصورة مباشرةومسؤولة إلى الادعاءات والشهادات المثارة بحقه وأن يشمل هذا المترتبة عليه تجاه ما أثير”. كما أوصى الطاقم الفاحص أمام الحزب والجبهة بـ متابعة أي تطورات جديدة في القضية وفي حال ظهور معطيات جديدة واضحة وذات دلالة، إعادة الموضوع إلى المكتبين السياسيين للجبهة والحزب المخوليذن من أجل بحثه في ضوء المستجدات”.

بيد أن جعفر فرح رفض التوصية بانسحابه مؤكدا أنها غير منصفة، ونفى الشبهات في منشورات على صفحته وفي مقابلات إعلامية واعتبرها ملاحقة ومحكمة ميدانية ظالمة مبديا استعداه للاعتذار للمساءلة ولتحمل المسؤولية والاعتذار من كل من ربما تضرّر منه بطريقة أو أخرى في الماضي.

انتقادات جمعيات نسوية

في بيان مشترك قالت جمعيتا “نساء ضدّ العنف” و”السّوار حركة نسويّة عربيّة” إنهما تتابعان بمسؤوليّة بالغة النّقاش العام الّذي أثارته الادّعاءات المتعلّقة بمدير مركز مساواة والمرشّح الثّاني في قائمة الجبهة، جعفر فرح، وما رافقها من مواقف وبيانات وسجال واسع على منتديات التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام. وتابعت الجمعيتان:”نؤكّد أهميّة تعامل الحزب والجبهة مع الادّعاءات وعدم تجاهلها ومتابعتها وفحصها،ونرى أنّ هذه المسؤوليّة يجب أن تتحوّل إلى نهج مؤسّسيّ ثابت في مختلف الأطر السّياسيّة والمجتمعيّة، من خلال آليّات واضحة ومستقلّة للتّعامل مع قضايا التّحرش والاعتداءات، بعيدًا عن مكانة الشّخص أو موقعه”.

الحملة وأهدافها

وأوضحتا أن حملة “متحرّش -اعتزل” ليست حملة ضدّ شخص بعينه، إنّما جاءت لطرح قضيّة أوسع:”التّحرّش واستغلال مواقع القوّة والسّلطة داخل مؤسّساتنا ومجتمعنا وغياب آليّات الحماية الّتي تسمح باستمرار هذه الظّاهرة والإفلات من المساءلة. وقالتا إن المعطيات الموثّقة لديهما تشير إلى أنّ حالات التحرّش والاعتداءات الجنسيّة التي يُبلّغ عنها، والتي يكون مرتكبوها من أصحاب النفوذ والمواقع السلطويّة، تتراوح بين 15% و20% من مجمل الحالات. معتبرة أن هذه النّسبة ليست هامشيّة، بل تستدعي مواجهة جادّة وحاسمة مع هذه الظّاهرة، بعيدًا عن المواربة أو الانتقائيّة. وتتابعان:”إنّنا نعلنها بوضوح: صوت النّساء اللواتي تعرّضن للتحرّش والاعتداء هو جزء أساسي من الضّمير الحيّ لمجتمعنا. ونحن نصدّق النّساء ونأخذ شهاداتهنّ على محمل الجدّ، انطلاقًا من ثقة تستند إلى واقع ملموس وإلى خبرة متراكمة في التّعامل مع هذه القضايا. لكنّ السّؤال الذي ينبغي أن نطرحه بجرأة هو: هل تتعامل مؤسّساتنا مع شهادات النساء بالجدّيّة نفسها عندما يكون الشخص موضوع الادّعاءات صاحب مكانة سياسيّة أو اجتماعيّة؟ وهل تبقى المعايير نفسها ثابتة، أم تتغيّر تبعًا لمكانة الشّخص ونفوذه؟

الشّهادات ضدّ جعفر فرح وتسلسل الأحداث

وقالت الجمعيتان إنه من الضّروريّ التّوضيح أنّ تحرّك الجمعيات النّسويّة لم يبدأ مع السّجال الإعلاميّ الأخير ولم يكن وليد الظّرف السّياسيّ أو الإعلاميّ الرّاهن: من خلال عملنا، على امتداد سنوات عدّة، لا سيّما منذ عام 2019، وصلت إلى الجمعيّات (تحديدًا جمعيّة السّوار) شهادات وإفادات تتعلق بادّعاءات بارتكاب جعفر فرح، اعتداءات وتحرّشات جنسيّة. وقد تعاملنا مع هذه الشّهادات بمسؤوليّة ومهنيّة، مع الحرص على خصوصيّة النّساء. كما قالتا إنه خلافًا لما جرى تداوله مؤخّرًا عبر وسائل الإعلام وشبكات التّواصل الاجتماعي من المهمّ التّأكيد أنّ الحديث لا يدور حول شهادة واحدة، بل عن ستّ شهادات مباشرة وموثّقة موجودة لدى جمعيّة السّوار، تتضمّن إفادات من نساء وصفن أنماطًا مختلفة من التّحرّش والاعتداء الجنسيّ، واستغلال السّلطة والنّفوذ.

 وقد نُشرت بعض هذه الشّهادات عام 2019، فيما حُفظت شهادات أخرى في السّجلات الدّاخليّة للجمعيّة، التزامًا بمبدأ السّريّة وحرصًا على حماية النّساء وخصوصيّتهنّ. وتضيفان” وبناءً على ما تراكم لدينا من شهادات وإفادات ومعلومات، توجّهنا إلى قيادة الجبهة بطلب عقد جلسة، لإطلاعها على خطورة الموضوع وتمكينها من فحصه والتّعامل معه واتّخاذ الخطوات اللّازمة. وقد استجابت القيادة لطلبنا، وعُقدت الجلسة المشتركة بتاريخ 24/6/ 2026..

وقالت إنه خلال الجلسة عرضتا أمام عدد من قيادات الحزب والجبهة نماذج من الشّهادات التي وصلتنا وطبيعتها من دون الكشف عن هويّات النّساء التزامًا بواجب السّريّة واحترامًا لحقّهنّ في الخصوصيّة وحمايتهنّ من أيّ تبعات محتملة”. وتذكران بـأنّ جمعيّة السّوار كانت قد خاطبت، عام 2019، مركز مساواة وأعضاء إدارته، وأطلعتهم على بعض الشّهادات التي وصلتها، مطالبةً باتّخاذ التّدابير اللّازمة لفحص الموضوع والتّعامل معه. إلا أنّها، رغم ذلك، لم تتلقَّ من المركز أيّ ردّ حتى يومنا هذا.

وفي السّياق ذاته، وفي الفترة نفسها، توجّهت جمعيّة نساء ضدّ العنف خطّيًا إلى إدارة مركز مساواة، مطالبةً بفحص القضيّة والتّعامل معها بمسؤوليّة واتّخاذ ما يلزم من خطوات.

مسألة التوقيت

أمّا بالنّسبة إلى توقيت الوقائع نفسها قبيل الموعد القانوني لتقديم القوائم بأيام فقالتا إنه من المهمّ التّأكيد أنّ الشّهادات المتعلّقة بالتّحرش والاعتداءات الجنسيّة قد تتناول أحداثًا وقعت في أوقات مختلفة، بعضها قد يكون قديمًا. وهذا لا ينتقص من ضرورة الاستماع إليها وفحصها لأنّ الحديث عن شهادات تصف سلوكًا نمطيًّا ولا نتحدّث عن حادثة عابرة قديمة.

كذلك أوضحتا أنه “في الوقت ذاته، نؤكّد أنّ دورنا ليس إصدار الأحكام أو القيام مقام جهات التّحقيق والقضاء. مسؤوليّتنا هي الاستماع، والحماية، والدّعم، ونقل الشّهادات إلى الجهات المسؤولة، والمطالبة بأن يتمّ التّعامل معها بجديّة ومهنيّة واستخلاص العبر”. وتابعتا:”نرفض بشدّة أن يتحوّل النقاش حول التحرّش والاعتداءات الجنسيّة إلى حملة تشهير أو تخوين تطال الجمعيّات والنّاشطات اللواتي يقمن بدورهنّ في الدفاع عن النساء وحمايتهنّ، لأنّ ذلك لا يخدم القضية، بل يهدّد بإفراغ النقاش العام من مضمونه وحرفه عن السؤال الأساسي: كيف نحمي النساء؟ وكيف نمنع تكرار الاعتداءات ونضمن التعامل الجاد والمسؤول مع كلّ شكوى أو شهادة؟”.

وأضافت الجمعيتان: “لماذا الآن؟ سؤال يطرحه كثيرون محذرين من خطورة المرحلة واحتمالات ضرب حظوظ المشتركة وتمكين إئتلاف نتنياهو الخطير من البقاء في الحكم..الجواب واضح: قضايا النّساء لا تحتاج إلى توقيت سياسيّ “مناسب” حتى تصبح جديرة بالاهتمام. نعرف أنّ فتح هذه القضايا في أوقات سياسيّة حسّاسّة قد يكون صعبًا، وأنّها قد تُستغلّ سياسيًّا. لكنّ الحلّ ليس إسكات النّساء أو تأجيل القضيّة. فإذا أصبح كل ظرف سياسيّ سببًا لتأجيل قضايا النّساء، ستبقى قضاياهنّ مؤجّلة إلى ما لا نهاية”.

وأكد التجمّع الوطني الديمقراطي أن الدفاع عن حقوق النساء وحريتهن وكرامتهن، والتصدّي لمختلف أشكال العنف والتمييز ضدهن، هو جزء أصيل من المشروع السياسي والوطني القائم على قيم الحرية والعدالة والمساواة. وأكد التجمّع أن النضال ضد الاحتلال والفاشية والعنصرية والاضطهاد القومي لا يعني تهميش القضايا المجتمعية الداخلية أو تأجيلها؛ فلا يمكن لمجتمع يناضل من أجل الحرية والمساواة أن يتسامح مع الظلم والعنف والتمييز داخل صفوفه. ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن حقوق النساء ليس شأنًا ثانويًا، بل يقع في صميم مشروعنا السياسي والوطني ويمثّل شرطًا لمصداقيته وعدالته.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *