كيف سيعيش الفلسطيني وإسرائيل تفتت الضفة الغربية وتحولها إلى جزر؟


شاؤول أريئيلي

إن نقاط التفتيش والحواجز في الضفة الغربية ليست مجرد مجموعة إجراءات محددة، تم وضعها كاستجابة مؤقتة للتهديد الأمني، بل هي نظام سيطرة متكامل يملي حياة ملايين الفلسطينيين. فعلى الشوارع الرئيسية وحدها توجد 98 نقطة تفتيش ومعبر، و135 بوابة، و70 حاجزاً، أي ما مجموعة 303 عوائق مادية. يضاف إلى ذلك القيود المفروض على دخول “منطقة التماس” وشرقي القدس، والقيود على عبور أجزاء في الشارع السريع 5 والشارع 557، وإخضاع استخدام الفلسطينيين للشارع السريع 443 للتفتيش الأمني. والنتيجة، تفتيت جغرافي للضفة الغربية، ما يؤثر بشكل خطير على روتين الحياة، وإدارة السلطة الفلسطينية، لا سيما في مجال الاقتصاد.

الصورة الكاملة أخطر؛ ففي مسح ميداني نشر في نيسان 2026، وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 925 عائقاً أمام الحركة في الضفة الغربية، بما في ذلك الخنادق والحواجز المحلية حتى في شرقي القدس. وهذا أعلى رقم سجل في العشرين سنة الأخيرة، زيادة 43 في المئة عن المتوسط لبضع سنوات. وتقيد هذه العوائق حركة 3.4 مليون فلسطيني. وفي سنة 2025 وحدها تم تركيب أكثر من 120 بوابة، ويعيق 459 عائقاً على الأقل التواصل بين التجمعات الفلسطينية والشوارع الرئيسية، ويؤثر 121 منها على الوصول إلى الشارع السريع 60، شريان الحياة الرئيسي في الضفة الغربية.

يضاف إلى هذه العوائق الجدار الأمني وجدار الفصل ونظام التصاريح المرافق له. ويبلغ طول المسار المخطط له 712 كم. وتم بناء 64 في المئة من الجدار، ويمر 85 في المئة منه في الضفة الغربية وليس في الخط الأخضر. في المنطقة بين الجدار والخط الأخضر، التي تغطي 4.5 في المئة من الضفة الغربية يمنع دخول الفلسطينيين، باستثناء الحاصلين على التصاريح بحكم الإقامة أو ملكيتهم للعقارات هناك. من بين 34 معبراً على طول الجدار لا يسمح إلا لعدد قليل من حاملي بطاقات الهوية الفلسطينية والتصاريح الإسرائيلية بالدخول إلى القدس الشرقية وإسرائيل. يضطر أكثر من 14 ألف فلسطيني يعيشون بين الجدار والخط الأخضر إلى تنسيق حركتهم من أجل الوصول إلى الخدمات والأسواق، وحتى الوصول إلى عائلاتهم.

بالنسبة للإسرائيلي، فإن طول الرحلة إلى العمل أو إلى المستشفى أو لزيارة العائلة يعتمد على المسافة والازدحامات، أما بالنسبة للفلسطيني فالأمر يعتمد أيضاً على ما إذا كان المعبر مفتوحاً والحاجز مأهولاً، وإذا ما تم نصب حاجز طيار، وإذا ما كان التصريح مطلوباً، وإذا ما كانت الطريق المختصرة مغلقة وتم استبدالها بطريق التفافي طويل. من المستحيل التخطيط ليوم عمل أو تأمين سلسلة التوريد أو الحصول على العلاج أو الذهاب إلى المدرسة بانتظام. قدر البنك الدولي أن اقتصاد الضفة الغربية قد انكمش بنسبة 17 في المئة في العام 2024، وبرزت هذه الأزمة في تفاقم القيود على الحركة وفقدان فرصة الوصول إلى سوق العمل والأزمة المالية. ووصلت نسبة البطالة إلى 29 في المئة في نهاية نفس السنة، مقارنة مع 13 في المئة قبل الحرب. ولا تنسب هذه الأزمة بالكامل إلى نفاط التفتيش، لكن لا يمكن لأي اقتصاد الازدهار في ظل عدم معرفة العمال والبضائع والزبائن والخدمات موعد وصولهم إلى وجهتهم.

لإسرائيل الحق والواجب بحماية مواطنيها ومكافحة الإرهاب. ولكن مفهوم “الاحتياجات الأمنية” لا يعفيها من واجب مراجعة كل قيد حسب حيويته وفعاليته وتناسبه. وقد أوضحت المحكمة هذا الأمر بشكل واضح في قضية الشارع 443. ففي العام 2009 ألغت الحظر الشامل المفروض على حركة الفلسطينيين في هذا الشارع، وقررت أن الأمر الأمني وحده لا يكفي، وأن سلطة القائد العسكري تهدف إلى ضمان تلبية احتياجات السكان المحليين. يختلف الترتيب الحالي قليلاً عن الإغلاق الكامل الذي ألغي في حينه، لكن المبدأ بقي على حاله: الأمن لا يعطي ترخيصاً مطلقاً بمصادرة طريق عام من شعب بأكمله.

وقررت محكمة العدل الدولية في الفتوى الاستشارية الصادرة في تموز 2024 بأن نظام القيود على الحركة يخلق علاقة مختلفة تجاه الفلسطينيين ويضر بطريقة مميزة بحرية الحركة وبالحقوق المتعلقة بها. حتى الذين يخالفون هذا الرأي لا يمكنهم تجاهل الواقع الذي أشارت إليه، وهو وجود نظامي مرور في نفس المنطقة، واحد منهما يهدف إلى توفير الاستمرارية والسرعة وسهولة وصول الإسرائيليين، والآخر يفرض عرقلة وإشرافاً وتبعية على الفلسطينيين. المشكلة ليست أخلاقية فقط، بل فشل سياسي وأمني أيضاً. فسياسة تقسيم الضفة الغربية إلى جزر تضعف الاقتصاد الفلسطيني وتقوض السلطة الفلسطينية وتعمق الشعور بالإهانة ولا تحقق الاستقرار، بل تزيد الاحتكاك وتقوي المتطرفين وتبعد إمكانية حل الدولتين. هذه هي بالفعل سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية.

ليس البديل هو التنازل عن الأمن، بل سياسة أمنية أكثر دقة: إزالة القيود غير المبررة، واستبدال الحصار الشامل بإجراءات لها أهداف محددة، وفحص ضرورة كل نقطة تفتيش، وتطبيق القانون بشكل حازم ضد الإرهاب والعنف من قبل كل الأطراف. وفي الوقت نفسه، يجب إعادة التواصل المروري للفلسطينيين واستمرار حياتهم الطبيعية. ويجب أن يكون لإسرائيل أفق سياسي. لا يمكن لمن يسعون إلى تحقيق أمن الإسرائيليين الاكتفاء بفتح طريق التفافي آخر. الأمن الحقيقي يعتمد على نظام تحالفات إقليمية، وعلى طبيعة العلاقات بين الدول ونظام الحدود بينها، وإلا لن يبقى هذا الترتيب مؤقتاً، بل سيصبح الخطة الدائمة لدولة واحدة، حيث يتمتع شعب بحرية حركة واسعة، في حين يتمتع الشعب الآخر بحرية حركة مشروطة ومحدودة.

هآرتس 2/9/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *