الجزائر ـ “القدس العربي”: رغم طابعه الجزئي، خلف التعديل الوزاري الذي أجراه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الثلاثاء، ردود فعل سياسية وإعلامية متباينة، فقد رحبت به أحزاب الأغلبية الرئاسية باعتباره خطوة لتعزيز أداء الجهاز التنفيذي، بينما توقفت قراءات أخرى عند دلالات عودة بعض الأسماء إلى الحكومة، وطبيعة الملفات التي دفعت إلى تغيير أربع حقائب وزارية.
ووفق بيان الرئاسة الجزائرية، أجرى تبون، أمس، تعديلا شمل وزارات المالية والعمل والتشغيل والضمان الاجتماعي والفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري والاتصال، وذلك بعد استشارة الوزير الأول سيفي غريب. وعين محمد لمين لبو، محافظ بنك الجزائر، وزيراً للمالية، ومحمد حطاب وزيراً للعمل، وسيد علي خالدي وزيرا للفلاحة، ومحمد بوسليماني وزيراً للاتصال.
وفي تعديل ثان أعلن عنه اليوم، عيّن الرئيس الجزائري كلا من فريد كورتل وزيرًا للصناعة وفوزية نعامة وزيرة منتدبة مكلفة بالجماعات المحلية لدى وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل.
وسبق لنعامة أن شغلت منصب والي ولاية بومرداس منذ سنة 2023، بينما شغل كورتل، وهو أستاذ في العلوم الاقتصادية، منصب مستشار لدى رئيس الجمهورية مكلفًا بالشؤون الاقتصادية منذ آذار/ مارس الماضي، كما سبق له تولي إدارة جامعة البليدة 2 ومنصب المفتش العام بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
ويأتي التعديل بعد نحو شهرين من الانتخابات التشريعية التي جرت في 2 يوليو/تموز الماضي، وأفرزت أغلبية مريحة داعمة للرئيس تبون داخل المجلس الشعبي الوطني، كما يأتي بعد أكثر من عام على تعيين سيفي غريب على رأس الحكومة.
وكانت عودة محمد بوسليماني إلى وزارة الاتصال من أبرز مفاجآت التغيير، باعتبار أنه سبق أن شغل المنصب نفسه قبل مغادرته الحكومة في 2023 في ظروف غير اعتيادية. وارتبط رحيله آنذاك بأزمة أثارها نشر قناة تلفزيونية خاصة خبرا عن طرد السفير الإماراتي من الجزائر، قبل أن يتضح أن المعلومة غير صحيحة، وهو ما خلف تداعيات سياسية وإعلامية انتهت بإبعاده عن الحكومة.
ويعود بوسليماني هذه المرة إلى قطاع الاتصال في مرحلة لا تزال تعرف إعادة ترتيب للإطار القانوني والمؤسساتي للإعلام، مع انتظار استكمال تنصيب سلطات الضبط المنصوص عليها في قانون الإعلام، إضافة إلى ملفات تتعلق بتنظيم النشاط الإعلامي ومسائل الإشهار والعلاقة بين المؤسسات الإعلامية والسلطات العمومية.
أما التغيير في وزارة الفلاحة، فقد أنهى مهام ياسين وليد، الذي انتقل إلى القطاع بعد تجربة في وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة، ليحل محله سيد علي خالدي، وزير الشباب والرياضة الأسبق.
وجاء تغيير وليد بعد فترة ظهرت خلالها مؤشرات على تراجع حضوره في بعض الملفات والأنشطة المرتبطة بالقطاع، إذ غاب عن عدد من المهمات والاجتماعات الرسمية المتعلقة بملفات الفلاحة، قبل أن ينتهي الأمر بإنهاء مهامه ضمن التعديل الأخير.
وتزامن ذلك مع حساسية عدد من الملفات التي واجهت قطاع الفلاحة، خصوصاً قضية استيراد أضاحي عيد الأضحى، التي كشفت التحقيقات القضائية المرتبطة بها عن شبهات وملفات فساد، ما جعل القطاع تحت ضغط سياسي وإعلامي وقضائي خلال الفترة الأخيرة.
وفي تدوينة له، توقف الصحفي سمير فارس عند الطريقة التي انتهت بها تجربة ياسين وليد، معتبراً أن المسألة تتجاوز مصير وزير بعينه إلى صورة نموذج الوزير الشاب الذي روجت له السلطة في إطار سياسة تشبيب المسؤولين. ويرى فارس أن وليد كان يمكن أن يشكل نموذجاً لانتقال الإدارة إلى جيل جديد من المسؤولين، خصوصاً بعد تجربته في قطاع المؤسسات الناشئة التي حظيت، بحسبه، بتقدير من السلطة والمعارضة البرلمانية وتفاعل معها الشباب.
وأضاف أن الطريقة التي انتهت بها التجربة ألحقت ضرراً بصورة هذا النموذج، بغض النظر عن الأسباب الفعلية التي تقف وراء إنهاء المهام.
وفي المقابل، أعادت عودة سيد علي خالدي إلى الحكومة اسمه إلى الواجهة، خصوصاً بسبب مواقفه وتصريحاته التي ارتبطت بالفترة السياسية التي أعقبت الحراك الشعبي في 2019.
وكان خالدي قد شغل منصب وزير الشباب والرياضة في أول حكومة شكلها الرئيس تبون، وبرز اسمه خلال النقاشات السياسية التي سبقت تعديل دستور 2020. ومن أكثر تصريحاته تداولا في تلك الفترة عبارة “الذي لا يعجبه الوضع عليه بتغيير البلاد”، التي أثارت جدلا واسعا وواصلت الظهور في النقاشات على منصات التواصل الاجتماعي بالتزامن مع عودته إلى الحكومة.
غير أن تداول التصريح مجددا رافقته أيضا إشارات إلى توضيحات سابقة لخالدي، قال فيها إن كلامه أُخرج من سياقه، وقدم اعتذارا لمن فهموا تصريحه على نحو مختلف عن المقصود منه.
وفي أول تصريح له بعد استلام مهامه، دعا خالدي مختلف الفاعلين في القطاع إلى مضاعفة الجهود لمواجهة التحديات، خصوصاً تلك المرتبطة بالتغيرات المناخية وتوفير احتياجات الأجيال الحالية والمستقبلية. كما أعلن عزمه العمل على تعزيز منظومة المعطيات والإحصائيات الفلاحية، بما يساعد على تحسين التخطيط واتخاذ القرارات المتعلقة بتطوير القطاع.
وفي وزارة المالية، حمل تعيين محمد لمين لبو، محافظ بنك الجزائر، دلالة خاصة بالنظر إلى طبيعة الملفات التي تنتظر الوزير الجديد. ويأتي على رأسها تنسيق السياسة المالية والنقدية، ومتابعة وضعية الدينار وسعر الصرف، وتمويل الاقتصاد، والتحكم في الإنفاق العمومي، والحفاظ على التوازنات المالية في اقتصاد لا تزال مداخيل المحروقات تشكل مصدراً أساسياً لتمويله.
أما وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي فعادت إلى محمد حطاب، وهو أيضاً اسم سبق أن تولى مسؤوليات حكومية. ويواجه حطاب ملفات مرتبطة بالتشغيل والإدماج المهني والضمان الاجتماعي، في وقت تواصل فيه الحكومة التعامل مع سوق العمل وبرامج التشغيل والحماية الاجتماعية.
وكان حطاب قد حكم عليه بالسجن ضمن محاكمات مسؤولي فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بعدما أدانته المحكمة في ديسمبر 2021 بعامين حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 200 ألف دينار، في قضية تعود إلى فترة توليه منصب والي سيدي بلعباس.
وقد عُيّن حطاب مؤخرا وسيطا للجمهورية، وهو منصب أعاد له حضوره الرسمي ومهّد لعودته مجددا إلى الحكومة من بوابة وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي.
وفي المواقف السياسية، جاء رد أحزاب الأغلبية الرئاسية مرحباً بالتعديل. واعتبر حزب جبهة التحرير الوطني الذي حلّ أولا في التشريعيات، أن التغيير يندرج ضمن توجه يستهدف تعزيز أداء الجهاز التنفيذي وتجديد ديناميكية العمل الحكومي، مشيراً إلى أن اختيار القطاعات المعنية يعكس، بحسبه، أهمية ملفات الاقتصاد والأمن الغذائي والتشغيل والحماية الاجتماعية والاتصال.
ودعا الحزب الوزراء الجدد إلى تسريع تنفيذ البرامج وربط المسؤولية بالنتائج ومحاربة البيروقراطية، معتبراً أن معيار نجاح التعديل سيكون ما يتحقق ميدانياً وما يلمسه المواطن من نتائج.
بدوره، ثمّن حزب جبهة المستقبل، أحد مكونات الأغلبية الرئاسية، التعديل، وربطه بالحاجة إلى رفع نجاعة الجهاز التنفيذي وتسريع تنفيذ السياسات العمومية، خصوصاً في مجالات التنمية والاستثمار والتشغيل والخدمات العمومية والقدرة الشرائية. وجدد الحزب دعمه للرئيس تبون وخياراته، داعياً الحكومة إلى التركيز على الإنجاز والنتائج.
في المقابل، طرح الصحافي المختص في الشأن السياسي محمد إيوانوغان تساؤلات حول الشكل الذي جاء به التعديل، معتبراً أن سيفي غريب كان يفترض، من وجهة نظره، أن يقدم استقالة الحكومة مباشرة بعد تنصيب أعضاء المجلس الشعبي الوطني الجديد، قبل أن يجدد الرئيس الثقة في الوزراء الذين يريد الإبقاء عليهم.
وأشار إيوانوغان إلى أن الحكومة مطالبة خلال المرحلة المقبلة بالتوجه إلى المجلس الشعبي الوطني الجديد لعرض مخطط عملها، في وقت تركز فيه اجتماعاتها الحالية، بحسبه، على إعداد مشروع تعديل قانون العقوبات ليكون جاهزاً قبل افتتاح الدورة البرلمانية المقبلة في 15 سبتمبر.
وبين الترحيب السياسي والتساؤلات التي أثارتها بعض التعيينات، يأتي هذا التعديل الوزاري من حيث توقيته في سياق داخلي حساس، بعد صيف شهدت خلاله الجزائر حوادث أليمة، كان آخرها حرائق الغابات التي خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة، وقبيل الدخول الاجتماعي الذي عادة ما تتصاعد خلاله الحركية السياسية والاجتماعية، مع عودة مختلف الفئات بمطالبها إلى النشاط.