قد لا يكون جديداً أن يتوجه دبلوماسيون سابقون، يحملون جنسيات بريطانية وفرنسية تحديداً، برسالة مفتوحة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام، تطالب بمحاسبة دولة الاحتلال الإسرائيلي على سياسات الاستيطان والتطهير العرقي في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
ذلك لأن السياسات الإسرائيلية عموماً، ثم الإبادية والعنصرية والاستيطانية التي تعتمدها حكومة بنيامين نتنياهو الأكثر يمينية وفاشية في تاريخ الكيان الصهيوني خصوصاً، لم تعد تسمح بالكثير من أنساق التعمية أو السكوت أو التبرير حتى لدى أقرب أصدقاء دولة الاحتلال في أوروبا والولايات المتحدة. هذا عدا عن اتساع مظاهر إدانة جرائم الحرب الإسرائيلية في أوساط الرأي العام إجمالاً، وفئات الطلاب والشباب تحديداً، فضلاً عن المنظمات الحقوقية والإنسانية والمحاكم المعنية بتطبيق القانون الدولي.
لافت، مع ذلك، أن الرسالة تحث على اتخاذ إجراءات عاجلة تحوّل اعتراف باريس ولندن بالدولة الفلسطينية إلى «تحرك عاجل لحماية حق الفلسطينيين في تقرير المصير، في وقت تسعى فيه الحكومة الإسرائيلية إلى تدمير أي أفق لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وتظهر ازدراء للقانون ولأحكام محكمة العدل الدولية ولعدد لا يحصى من قرارات مجلس الأمن الدولي».
ليس أقل مغزى أن عدد الموقعين على الرسالة بلغ 52 من فرنسا و50 من بريطانيا، في عدادهم سفراء سابقون وشخصيات شغلت مناصب دبلوماسية رفيعة وسفارات في الشرق الأوسط والأمم المتحدة. وليس عابراً كذلك أن النبرة جمعت بين تسجيل الواقع المرير الذي يعيشه الشعب الفلسطيني جراء السياسات الإسرائيلية، والإقرار بتقصير «الشركاء الدوليين الرئيسيين» لدولة الاحتلال إزاء نهج يجعل «فلسطين تتلاشى أمام أعيننا» حسب تعبير الرسالة.
وثمة أيضاً نبرة أعلى مما هو معتاد في اللغة الدبلوماسية، إذ تشير الرسالة إلى حشر مليوني فلسطيني في 30٪ من «أرضهم المدمرة»، حيث «يعانون «الجوع ونقص الأدوية والمساكن»، و»قُتل أكثر من 1200 فلسطيني منذ ما يسمى وقف إطلاق النار». وتمضي الرسالة إلى القدس الشرقية والضفة الغربية، حيث «تشكل عمليات هدم منازل الفلسطينيين وعنف المستوطنين المتفشي، بتواطؤ من الجيش والشرطة الإسرائيليين، تطهيراً عرقياً». كما يذهب الموقعون أبعد إلى «الاحتلال والتدمير» في لبنان، حيث «سُويت قرى كثيرة بالأرض، وإلى سوريا»، بما يشكل «وصمة على ضمير الإنسانية».
ولا تغيب الشجاعة السياسية، ولكن الأخلاقية أيضاً، عن دعوة الرسالة إلى تجريم شراء المواطنين البريطانيين والفرنسيين عقارات على أراض فلسطينية مسلوبة، وسحب الصفة الخيرية من «الجمعيات» التي تموّل المستوطنات، وحظر جميع أشكال التجارة معها، والتحذير من تقدّم جهات أوروبية لمناقصات مشروع E1 الاستيطاني، فضلاً عن الالتزام بقرارات العدل الدولية والجنائية الدولية، وتعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ودولة الاحتلال، ونقل الأسلحة منها وإليها، ووقف جميع أشكال التعاون العسكري الثنائي.
ولأنّ الرسالة تلمح إلى الدور الخاص الذي لعبته فرنسا وبريطانيا في تشكيل الشرق الأوسط، فليس من المبالغة التساؤل عن عواقب اتفاقيات سايكس ـ بيكو خلف مرارة متقاعدي الدبلوماسية في البلدين، حتى على قاعدة الوصول متأخرين خير من التزام الصمت المطبق.