الهزيمة المحتملة للحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس


تقترب الولايات المتحدة من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل في ظل مشهد سياسي يفتح الباب أمام احتمال أن يتعرض الحزب الجمهوري لهزيمة انتخابية كبيرة، وأن يفقد بالتالي سيطرته على مجلس النواب وربما مجلس الشيوخ أيضا. ولا تعني الإشارة إلى «الهزيمة المحتملة» أن النتيجة قد حُسمت، فما زالت أمام الجمهوريين أسابيع من الحملات الانتخابية، كما أن طبيعة الانتخابات الأمريكية القائمة على المنافسة في دوائر وولايات محددة تجعل من الصعب تحويل المؤشرات الوطنية إلى توقعات يقينية. إلا أن اتجاهات الرأي العام الحالية تكشف عن مشكلة أعمق يواجهها الحزب الجمهوري: تراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب، وتزايد القلق الشعبي بشأن الاقتصاد وتكاليف المعيشة، وتداعيات الحرب الأمريكية مع إيران، إلى جانب اتساع الفجوة بين قدرة الحزب على التعبئة السياسية وبين قدرته على تقديم إجابات مقنعة عن المشكلات التي تؤرق الناخب الأمريكي.
وتكتسب هذه الانتخابات أهمية استثنائية لأن الجمهوريين يدخلونها وهم يسيطرون على مجلس النواب بأغلبية شديدة الضآلة، بينما يحتفظون في مجلس الشيوخ بأغلبية أكثر راحة نسبيا. وقد فاز الجمهوريون في انتخابات 2024 بأغلبية 220 مقعدا مقابل 215 للديمقراطيين في مجلس النواب، فيما تبلغ تركيبة مجلس الشيوخ حاليا 53 جمهوريا مقابل 47 ديمقراطيا ومستقلا. وفي انتخابات 2026 يجرى التنافس على 35 مقعدا في مجلس الشيوخ، منها 23 مقعدا يشغلها جمهوريون، ويحتاج الديمقراطيون إلى تحقيق مكسب صاف قدره أربعة مقاعد لاستعادة الأغلبية.
غير أن الخريطة الانتخابية لمجلس النواب تبدو أكثر خطورة بالنسبة للجمهوريين. فقد حددت Ballotpedia عشرات الدوائر باعتبارها ساحات تنافسية، كما أن 36 نائبا جمهوريا أعلنوا عدم الترشح لإعادة انتخابهم، مقابل 23 ديمقراطيا. وفي ظل أغلبية لا تتجاوز بضعة مقاعد، فإن تحول محدود في اتجاهات التصويت يمكن أن يكون كافيا لإخراج الجمهوريين من السلطة في المجلس. والأهم أن التحليلات الانتخابية الراهنة ترى أن البيئة السياسية العامة تميل إلى الديمقراطيين، وإن كانت الخريطة الانتخابية تمنح الجمهوريين بعض عناصر الحماية.
المشكلة الأساسية للحزب الجمهوري تتمثل في أن انتخابات التجديد النصفي عادة ما تكون استفتاء على أداء الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض، ولا سيما عندما يكون الرئيس شخصية سياسية شديدة الحضور مثل ترامب. ومن ثم فإن الجمهوريين لا يخوضون انتخابات 2026 باعتبارها منافسة منفصلة عن الرئيس، حتى لو حاول مرشحو الحزب في بعض الولايات والدوائر تقديم أنفسهم بوصفهم أصحاب أجندات محلية مستقلة. فترامب نجح خلال السنوات الماضية في إعادة تشكيل الحزب الجمهوري حول شخصه وأفكاره وأسلوبه السياسي، ولذلك يصبح من الصعب الفصل بين صورته وصورة الحزب لدى الناخبين.
وهنا تظهر مشكلة شعبية الرئيس. فقد أظهر استطلاع Reuters/Ipsos في أغسطس أن نسبة تأييد ترامب هبطت إلى 33 في المائة، وهي أدنى نسبة تأييد له منذ عودته إلى البيت الأبيض. والأكثر أهمية أن التراجع لا يتعلق بقضية واحدة، بل يتقاطع مع الحرب والسياسة الخارجية والاقتصاد والهجرة. كما أظهر الاستطلاع نفسه أن الديمقراطيين أصبحوا للمرة الأولى منذ سنوات يتقدمون على الجمهوريين في ثقة الناخبين بشأن إدارة الاقتصاد، بينما تقلص التفوق الجمهوري التقليدي في قضية الهجرة بصورة كبيرة.
وقد تكون هذه النقطة الاقتصادية هي الأكثر أهمية في تحديد نتيجة انتخابات نوفمبر. فالناخب الأمريكي، مهما كان موقفه من ترامب أو من الديمقراطيين، يظل شديد الحساسية تجاه الأسعار والدخل وتكاليف السكن والطاقة والتأمين والرعاية الصحية. وعندما يشعر الناخب بأن وضعه الاقتصادي يتدهور أو أن الحكومة عاجزة عن تحسين حياته اليومية، فإن الانتخابات النصفية تتحول بسهولة إلى وسيلة لمعاقبة الحزب الحاكم. وتكشف استطلاعات حديثة أن الاقتصاد وتكاليف المعيشة يحتلان موقعا مركزيا في اهتمامات الناخبين، وأن الديمقراطيين بدأوا يستعيدون أفضلية كانت تاريخيا للجمهوريين في إدارة الاقتصاد.
وتضيف الحرب الأمريكية مع إيران عاملا آخر شديد الحساسية. فقد كان بإمكان إدارة ترامب، في بداية المواجهة، تقديم الحرب باعتبارها عملية عسكرية محدودة تحقق أهدافا استراتيجية سريعة. لكن استمرار الحرب وارتفاع أسعار النفط والبنزين، وتزايد الاعتقاد الشعبي بأنها قد تطول، يهددان بتحويل السياسة الخارجية إلى عبء انتخابي على الجمهوريين. وتشير استطلاعات حديثة إلى أن أغلبية كبيرة من الأمريكيين تعتقد أن الحرب ستستمر فترة أطول مما كان متوقعا، فيما ارتبطت تداعياتها الاقتصادية بتراجع شعبية الرئيس.
ولا ينبغي الاستهانة بهذا العامل. فالحروب التي تبدأ في الخارج لا تبقى بالضرورة شأنا خارجيا في الانتخابات الأمريكية؛ إذ تتحول إلى أسعار في محطات الوقود، وضغوط على الموازنة، ومخاوف من إرسال قوات إضافية، وأسئلة حول جدوى استخدام القوة العسكرية. وإذا استطاع الديمقراطيون إقناع الناخب بأن الإدارة الجمهورية جعلت الولايات المتحدة أقل أمنا وأكثر كلفة بسبب الإفراط في اللجوء إلى القوة، فإن الحرب يمكن أن تصبح جزءا من قصة انتخابية أوسع عنوانها سوء الإدارة.
أما المؤشر الأكثر مباشرة فهو ما يعرف في السياسة الأمريكية بـ«التصويت العام للكونغرس»، الذي يسأل الناخبين أي الحزبين يفضلون بصورة عامة لتمثيل دوائرهم. وتشير استطلاعات أغسطس إلى تقدم واضح للديمقراطيين. فقد أظهر استطلاع Emerson College الأخير تقدم الديمقراطيين بثماني نقاط، بينما أظهر استطلاع Reuters/Ipsos تقدمهم بواقع 42 في المائة مقابل 37 في المائة بين الناخبين المسجلين. كما أظهرت متوسطات أخرى تقدما ديمقراطيا يتجاوز ست نقاط.
لكن من الضروري هنا تجنب الاستنتاج المتسرع بأن تقدم الديمقراطيين على المستوى الوطني يعني تلقائيا سيطرتهم على الكونغرس. فالنظام الانتخابي الأمريكي لا يقوم على التصويت الوطني الموحد، وإنما على نتائج 435 دائرة انتخابية في مجلس النواب، وعلى سباقات منفصلة في الولايات بالنسبة إلى مجلس الشيوخ. وقد يستطيع الجمهوريون الاحتفاظ بأغلبية ضيقة في مجلس النواب رغم تقدم الديمقراطيين عدة نقاط على المستوى الوطني، كما أن خريطة مجلس الشيوخ لا تزال أكثر تعقيدا، إذ يحتاج الديمقراطيون إلى أربعة مقاعد جديدة لتحقيق الأغلبية.
ومع ذلك، فإن خسارة مجلس النواب تبدو السيناريو الأكثر قابلية للتحقق إذا استمرت الاتجاهات الراهنة. فالأغلبية الجمهورية الهشة تجعل الحزب معرضا بدرجة كبيرة لما يسمى «الموجة الانتخابية»؛ أي تحول محدود نسبيا في المزاج الوطني يترجم إلى خسائر واسعة في الدوائر المتقاربة. وقد أشارت جامعة فرجينيا إلى أن خريطة مجلس النواب في 2026 ليست أكثر ملاءمة للجمهوريين من خريطة انتخابات 2018، وهي الانتخابات التي شهدت في منتصف الولاية الأولى لترامب موجة ديمقراطية واسعة أدت إلى فقدان الجمهوريين السيطرة على مجلس النواب.
وقد يكون العامل الحاسم هو مدى قدرة الديمقراطيين على تحويل الاستياء من ترامب إلى تصويت منظم. فالحزب الديمقراطي عانى خلال السنوات الماضية من مشكلات تتعلق بالرسالة السياسية والقيادة والقدرة على التواصل مع الناخبين خارج مراكزه التقليدية. لكنه يبدو في 2026 أكثر قدرة على الاستفادة من حالة الاستياء الاقتصادي والسياسي، بينما يشهد في الوقت نفسه نقاشا داخليا حول اتجاهه الأيديولوجي ومستقبل العلاقة بين الجناح التقدمي والجناح الأكثر اعتدالا. وقد أثارت انتصارات مرشحين تقدميين في الانتخابات التمهيدية قلق الجمهوريين، الذين يحاولون استخدامها لتصوير الديمقراطيين باعتبارهم حزبا أكثر يسارية وتطرفا.
وهذه الاستراتيجية الجمهورية قد تكون فعالة في بعض الدوائر، ولا سيما بين الناخبين المحافظين الذين يظلون شديدي الحساسية تجاه قضايا الهجرة والثقافة والهوية. كما أن ترامب لا يزال قادرا على تعبئة قاعدة جمهورية واسعة، وهو ما يعني أن الحديث عن انهيار الحزب أو نهايته سيكون مبالغة سياسية. وقد تتحول الانتخابات إلى منافسة متقاربة إذا تمكن الجمهوريون من استعادة السيطرة على النقاش الاقتصادي، أو إذا نجحت الإدارة في إنهاء الحرب مع إيران وتحويل نتائجها إلى مكاسب سياسية قبل نوفمبر.
غير أن جوهر المشكلة يكمن في أن الحزب الجمهوري أصبح يعتمد بصورة متزايدة على شخص ترامب بدلا من تطوير هوية سياسية مؤسسية قادرة على الاستمرار بمعزل عن الرئيس. وهذه الشخصنة تمنح الحزب قدرة هائلة على التعبئة عندما تكون شعبية ترامب مرتفعة، لكنها تجعله أكثر هشاشة عندما تتراجع شعبية الرئيس. فالنائب الجمهوري الذي يخوض انتخابات في دائرة متأرجحة يجد نفسه مضطرا إلى الدفاع عن سياسات البيت الأبيض حتى عندما تكون غير شعبية لدى ناخبيه المحليين، وفي الوقت نفسه إلى إقناع الناخبين بأن الانتخابات تتعلق بمصالحهم المحلية وليس بأداء ترامب.

 اتجاهات الرأي العام الحالية تكشف عن مشكلة أعمق يواجهها الحزب الجمهوري: تراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب، وتزايد القلق الشعبي بشأن الاقتصاد

ولهذا قد تكون نتيجة نوفمبر أكثر من مجرد انتقال في السيطرة على مقاعد الكونغرس. فإذا فقد الجمهوريون مجلس النواب، فسوف يدخل ترامب النصف الثاني من ولايته في مواجهة مؤسسة تشريعية يمكن للديمقراطيين استخدامها لفتح تحقيقات واسعة، وممارسة رقابة أكثر صرامة على الإدارة، وعرقلة أجزاء من أجندتها التشريعية. وإذا تمكن الديمقراطيون، فوق ذلك، من انتزاع مجلس الشيوخ، فإن طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس ستتغير بصورة جذرية، وقد تتحول السنوات المتبقية من ولاية ترامب إلى صراع مؤسسي مفتوح.
أما إذا خسر الجمهوريون مجلس النواب وحده واحتفظوا بالشيوخ، فسيكون ذلك أقرب إلى رسالة تحذير منه إلى انقلاب كامل في موازين القوة. لكنه مع ذلك سيشير إلى أن نموذج ترامب السياسي لم يعد كافيا لضمان استمرار السيطرة الجمهورية على المؤسسات الفيدرالية. وسيكون على الحزب عندها أن يقرر ما إذا كان سيواصل الارتهان للرئيس أم يبدأ تدريجيا في بناء قيادة وبرنامج قادرين على مخاطبة شرائح أوسع من المجتمع الأمريكي.
ومن هذه الزاوية، تبدو انتخابات نوفمبر 2026 اختبارا ليس فقط للجمهوريين، وإنما للمشروع السياسي الذي يمثله ترامب. فإذا خسر الحزب الجمهوري الأغلبية في مجلس النواب، أو خسر المجلسين معا، فلن تكون الرسالة أن الأمريكيين رفضوا المحافظين ببساطة، بل أن قطاعات واسعة من الناخبين ربما تكون قد بدأت ترفض صيغة سياسية تقوم على الاستقطاب الدائم، والشخصنة المفرطة للسلطة، والاعتماد المتكرر على القوة في السياسة الخارجية، في الوقت الذي تظل فيه المشكلات الاقتصادية والاجتماعية اليومية دون حلول مقنعة.
وفي المقابل، فإن انتصار الديمقراطيين لا يعني تلقائيا أن الحزب قد استعاد عافيته أو أن الأمريكيين أصبحوا أكثر اقتناعا ببرنامجه. فقد يكون التصويت الديمقراطي في نوفمبر، في جانب كبير منه، تصويتا عقابيا ضد الرئيس والحزب الحاكم أكثر منه تفويضا سياسيا واضحا للحزب الديمقراطي. وهذه نقطة مهمة في فهم مستقبل السياسة الأمريكية، لأن الديمقراطيين إذا استعادوا الكونغرس بفعل رفض ترامب ثم عجزوا عن تقديم برنامج اقتصادي واجتماعي أكثر إقناعا، فقد يجدون أنفسهم أمام أزمة جديدة في الانتخابات الرئاسية لعام 2028.
لذلك فإن الاحتمال المتزايد لهزيمة الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي لا ينبغي قراءته باعتباره نهاية للظاهرة الترامبية، وإنما باعتباره اختبارا لحدودها. فترامب استطاع أن يعيد تشكيل الحزب الجمهوري وأن يحول الانتخابات الأمريكية إلى صراع على شخصه وسياساته، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يمنع الناخبين من استخدام الانتخابات النصفية لمعاقبة حزبه عندما تتراجع الثقة في الاقتصاد أو ترتفع كلفة الحروب أو يشعر الأمريكيون بأن الإدارة تجاوزت حدود ما يرونه مقبولا في ممارسة السلطة.
وبينما لا تزال النتيجة مفتوحة، فإن المؤشرات الحالية تمنح الديمقراطيين أفضلية حقيقية، خصوصا في مجلس النواب. وإذا استمرت شعبية ترامب عند مستوياتها الحالية، وبقي الاقتصاد والحرب مع إيران مصدرين للقلق الشعبي، فإن نوفمبر قد يحمل للجمهوريين هزيمة أكبر مما توحي به ضآلة الفارق الحالي في مقاعد الكونغرس. وفي هذه الحالة، ستكون انتخابات 2026 لحظة فاصلة في إعادة تعريف علاقة الحزب الجمهوري بترامب، وربما أيضا في تحديد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواصل السير في اتجاه الاستقطاب السياسي الحاد، أم تبدأ بعد انتخابات التجديد النصفي في البحث عن قدر من التوازن المؤسسي والسياسي الذي افتقدته خلال السنوات الماضية.

٭ كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *