بيروت ـ «القدس العربي»: تواصل إسرائيل عدوانها على جنوب لبنان، منفذة غارات جوية وعمليات تفجير واسعة طالت منازل وبنى تحتية، وقصفاً مدفعياً شمل استخدام قذائف فوسفورية، فيما حلقت مسيراتها فوق الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت. وطالت الهجمات الإسرائيلية مناطق في أقضية بنت جبيل وصور والنبطية ومرجعيون، وفق ما أوردته وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية.
وبقيت روما التي استضافت جولتين من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية محور الاهتمام في هذه الايام، وبعد حوالى 36 ساعة على عودة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون إلى بيروت مختتمًا محادثات مهمة في الفاتيكان وروما مع الباب لاوون الرابع عشر والرئيس الايطالي سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، وصل إلى العاصمة الايطالية قائد الجيش العماد رودولف هيكل في زيارة تعتبر استكمالاً لزيارة رئيس الجمهورية، وستتناول خصوصًا سبل دعم الجيش اللبناني، وآلية التحقق من نزع السلاح في جنوب لبنان، والدور الإيطالي في القوة الجديدة التي قد تشكل بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل».
وتأتي زيارة هيكل قبل ثلاثة اسابيع على تحديد باريس مؤتمراً لدعم الجيش اللبناني في 17 ايلول/سبتمبر لكنه سيصطدم بعدم تغطية أمريكية له بذريعة عدم التنسيق المسبق بين فرنسا والولايات المتحدة.
وادعى مدير التحالف الأمريكيّ ـ الشرق أوسطيّ للديمقراطية توم حرب بدون أي دلائل لديه، وجود «خرائط عرضت في مفاوضات روما، اكتشف منها أن «هناك تلة علي الطاهر أخرى تحت قلعة بعلبك وجوارها، والأنفاق هناك تمتد إلى جرود كسروان وجبيل». لكنّ أجواء لبنان الرسميّ تنفي أن يكون الوفد اللبنانيّ المفاوض قد تبلّغ عن أنفاق في بعلبك من الوفد الإسرائيلي المفاوض، أثناء المفاوضات في سفارة الولايات المتحدة في روما أو تلك التي حصلت في واشنطن العاصمة.
وحسب مصدر حكوميّ لبنانيّ رسميّ متابع لفحوى جولات المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية لجريدة «النهار» أنّ إسرائيل لم تعرض خلال المفاوضات مع لبنان، بما فيها في سفارة الولايات المتحدة في إيطاليا، أيّ خرائط أو صور لأنفاق تحت قلعة بعلبك أو تمتدّ من مدينة بعلبك نحو جرود كسروان وجبيل. ولم يتشاور الوفد الإسرائيلي مع الوفد اللبناني حول احتمال وجود أنفاق في بعلبك خلال المفاوضات ولم يبلّغ عن أنفاق في المدينة.
براك: لا حل بلا «حزب الله»
في هذه الأثناء، وفي انتظار جولة المفاوضات الثامنة التي لم يحدد موعدها بعد، لفت تصريح مثير للجدل للمبعوث الامريكي إلى سوريا توم براك الذي قال «إن أي تسوية جدية في لبنان لا بد أن تشمل «حزب الله» وإيران» ورأى «أن جمع الأطراف اللبنانية حول طاولة واحدة لا يكفي إذا لم يأخذ المسار التفاوضي في الاعتبار «بنية القوة الفعلية» في لبنان» سائلاً «كيف ستُحل المشكلة إذا لم يكن «حزب الله» وإيران مشاركين؟».
غارات وتفجيرات عنيفة وقصف فوسفوري… تدمير منازل وتحليق معادٍ فوق بيروت
ولعل الموقف الأكثر إثارة في ما يتعلق بلبنان هو قوله: «مَن يملك القدرة على اتخاذ القرار؟ فجَمعُ الأطراف اللبنانية حول الطاولة لا يكفي، ما دام «حزب الله» وإيران ليسا جزءاً من المفاوضات». عدا عن هذا الموقف، كشف براك أمرًا هاماً بقوله «ما تفعله إيران هو أنها تقول: لبنان لنا». وقد قوبل تصريح براك بانتقاد شديد من قبل أوساط سياسية في الفريق السيادي التي قالت «كلما سحب لبنان نفسه من المحور الايراني الشنيع أعطى براك تصريحاً لمعاودة ربطه فيه» ووصفته الاوساط بـ«الحقير» في مقابل السفير الأمريكي «الممتاز» ميشال عيسى.
مرونة قماطي
واللافت أن موقف براك أعقب موقفاً لافتاً أيضاً لنائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي المعروف بتشدده، أشار فيه إلى «أن الحزب لا يغلق الباب بصورة نهائية أمام إمكانية التواصل المباشر مع الأمريكيين، وإن القرار سيُتخذ وفق المصلحة والظروف المناسبة». وقال «المقاومة اتخذت قراراً بالصبر وإعطاء فرصة للمسار السياسي القائم، بهدف الوصول إلى التحرير الكامل وانسحاب الاحتلال من الأراضي اللبنانية».
وأكد «أن «المقاومة ما تزال قوية وقادرة، وأن عدم الرد على كل اعتداء لا يعني ضعفاً أو عجزاً» مشدداً على أن «أي محاولة إسرائيلية للتقدم واحتلال أراضٍ أو نقاط جديدة ستواجهها المقاومة بما يتناسب مع طبيعة التطور الميداني».
وفي ملف علي الطاهر، أكد «أن قرار المقاومة الحالي هو الصمود والتصدي، مع دراسة جميع الخيارات المتعلقة بالموقع» نافياً نفياً قاطعاً «وجود أي مقاتل إيراني في صفوف المقاومة في جنوب لبنان».
وأضاف «إن «العقوبات والحصار المالي لن يدفعا «حزب الله» إلى التراجع عن مشروع المقاومة أو التخلي عن أهله وبيئته» كاشفاً «أن أنصار الله في اليمن أبدوا استعدادهم لإغلاق باب المندب في حال الإطباق على المقاومة وشعبها في لبنان، ووضع مفتاحه في يد المقاومة».
في المواقف، حذّر الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من الانزلاق إلى منطق يعتبر التسليم بالأمر الواقع خياراً وحيداً، منتقداً ما وصفه بـ«التنظير للهزيمة والاستسلام تحت شعار حصرية السلاح» واعتبر «أن هذا النهج أخذ يستشري في صفوفنا من خلال حديثي النعمة».
كما أشار إلى «أن ذكر الهدنة، في إشارة إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949 بات ممنوعاً، بعدما تبنّت جهات في الدولة «ورقة الإطار» التي رأى «أنها لا ترتكز إلى أي مستند قانوني، ما يجعلها مروّجة للهزيمة والاستستلام».
ويأتي موقف جنبلاط فيما يتصدر الوضع في جنوب لبنان المشهد، مع استمرار التصعيد الإسرائيلي وتكثيف الغارات والتفجيرات والقصف، ولا سيما في مرتفعات علي الطاهر ومحيطها، وسط مخاوف من توسع المواجهة في ظل غياب أي مؤشرات واضحة إلى تسوية قريبة.
وقائع ميدانية
وفي التفاصيل الميدانية، استهدف قصف مدفعي خلال ساعات الفجر المنصوري وأطراف ميفدون تزامناً مع تمشيط بالأسلحة الرشاشة وعملية تفجير. وفي ياطر، ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلتين صوتيتين في اتجاه جرافة، من دون تسجيل إصابات.
الحزب منفتح على التواصل المباشر مع الأمريكيين… وجنبلاط ينتقد التنظير للهزيمة عبر «حصر السلاح»
وألقى جيش الإحتلال قنبلة بين بلدتي الحنية والقليلة، بالتزامن مع استهداف دبابة «ميركافا» للمنصوري، وسط تحليق كثيف للطيران المسيّر والاستطلاعي في أجواء القطاعين الغربي والأوسط من الجنوب.
ونفذ الطيران الحربي الإسرائيلي ليلاً سلسلة غارات على مرتفع علي الطاهر عند أطراف النبطية الفوقا ودوحة كفررمان، بالتزامن مع قصف مدفعي متقطع لمحيط دوحة كفررمان وتلة الدبشة.
وكان الطيران الحربي شن غارتين على مرتفع علي الطاهر، ونفذ الجيش الإسرائيلي تفجيرات قوية في بلدات كفرتبنيت وأرنون وطلوسة طالت ايضاً عدداً من المنازل في منطقة حوشين عند الأطراف الغربية لمدينة ميس الجبل. وألقت محلّقة إسرائيلية قنبلة في اتجاه أحد الرعاة في الغدير بخراج صربين جنوب لبنان من دون تسجيل إصابات.
وليلاً، قصفت المدفعية حتى الفجر أطراف دوحة كفررمان ومحيط تلة الدبشة وحرج علي الطاهر، مستخدمة قذائف فوسفورية. وشهدت بلدة المنصوري ومحيط بلدة بيوت السياد قصفاً مدفعياً عنيفاً. ودمر جيش الاحتلال في بلدة زوطر الشرقية منازل عدة بكاملها بعد تزنيرها بالمتفجرات.
وامتد التحليق إلى بيروت، حيث حلقت طائرة مسيرة إسرائيلية فوق الضاحية الجنوبية للعاصمة.
ولم تورد وكالة الأنباء اللبنانية على الفور معلومات بشأن وقوع خسائر بشرية جراء الغارات والقصف وعمليات التفجير.
وتأتي هذه العمليات رغم توقيع لبنان وإسرائيل، في 26 يونيو/ حزيران الماضي، اتفاق إطار برعاية أمريكية، ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من كامل الأراضي اللبنانية المحتلة مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها، إلى جانب نزع سلاح الجماعات المسلحة، في إشارة إلى «حزب الله».
ورغم الاتفاق، تواصل إسرائيل عدوانها على لبنان، الذي بدأ في 2 مارس/ آذار الماضي، وأسفر عن استشهاد أكثر من 4 آلاف شخص وإصابة نحو 12 ألفاً، وفق أرقام رسمية لبنانية.
وتحتل إسرائيل مناطق في جنوب لبنان، بعضها منذ عقود، وأخرى منذ العدوان الإسرائيلي السابق على البلاد بين عامي 2023 و2024، فيما توغلت خلال العدوان الراهن في مناطق يصل عمقها إلى أكثر من 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.