من «ملف إرهاب إيران» إلى لبنان: الوقت يضيق أمام الدولة


تبدو الصورة في العاصمة اللبنانية قاتمة. وما يصل إلى مسامع بيروت لا يحمل أنباءً جيدة. في المعلومات أن وتيرة الحرب في لبنان إلى مزيدٍ من الحماوة. الاقتناع السائد في دوائر عدة بأن انتخابات الكنيست الإسرائيلي تسير بالتوازي مع التصعيد العسكري، وهو ما يصب في مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي تتدنى شعبيته، فيما التصعيد لا يناسب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يريد تمرير الانتخابات النصفية الأمريكية بأقل قدر ممكن من اللايقين. وقد يكون ربط التوقيت بالاستحقاقين الإسرائيلي أو الأمريكي منطقيا لجهة تأثيره في نتائج الحدث، إنما ليس على القرار المرتبط بالاستراتيجيات الكبرى.
الأكيد أن المشهد في لبنان والمنطقة ما زال مفتوحاً على احتمالات عدة، ولا سيما أن الحرب مع إيران لم تستقر بعد على مسار واضح، سواء في اتجاه التصعيد العسكري أو المسار التفاوضي. لكن معطى جديداً برز خلال الأيام الماضية على وقْع حادثتي قاعدة فير فورد الجوية بجنوب غربي إنكلترا ورحلة «فلاي دبي» إلى إسرائيل.
يذهب خبير عسكري-أمني إلى الاعتقاد بأن مساراً يجري بناؤه تدريجياً لتشكيل «ملف إرهاب» يتصل بإيران، معتبراً أن مؤشرات عدة بدأت تتبلور تباعاً. ففي حادثة قاعدة «سلاح الجو الملكي البريطاني» في فيرفورد، التي تُستخدم من جانب القوات الأمريكية، قال رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام إن هناك «مؤشرات قوية» إلى أن إيران أدّت دوراً ما في الحادثة التي وقعت في 27 أيلول/سبتمبر، فيما أعلنت السلطات البريطانية توقيف خمسة رجال في إطار التحقيق، بينهم مشتبه به يحمل الجنسيتين البريطانية والإيرانية، للاشتباه في التحضير لأعمال إرهابية. ولا يزال التحقيق جارياً لتحديد طبيعة الدور الإيراني المفترض في الحادثة.
وبعد أيام قليلة، جاءت حادثة طائرة «فلاي دبي» المتجهة من دبي إلى تل أبيب، في 30 أيلول/سبتمبر، لتضيف مؤشراً آخر، بحسب قراءة الخبير. فقد هاجم مساعد الطيار، وهو عُماني الجنسية، قائد الطائرة خلال الرحلة، في حادثة أدت إلى هبوط اضطراري في السعودية بعد أن تمكن الركاب وأفراد من الطاقم من السيطرة على المهاجم. واعتبر نتنياهو الحادث بأنه «عمل إرهابي»، وأن مساعد الطيار الذي طعن قائد الطائرة «جاء بهدف إسقاط الطائرة بمن فيها»، واعداً بأن إسرائيل ستصل إلى «جذور» المهاجم، وسيُحدد التحقيق ما إذا كان لديه شركاء وما إذا كانت إيران تقف وراء الحادثة، متحدثاً عن أن ذلك سيتضح خلال أيام. وقد جاء كلام ترامب أكثر وضوحاً حين قال رداً على سؤال: سنضرب إيران إذا ثبت تورطها في حادثة طائرة «فلاي دبي».
اشتعال المواجهة مع إيران سينسحب حكماً على لبنان. والتقديرات في إسرائيل أن «الحرس الثوري» سيبادر إلى فتح المواجهة إذا ما تيقّن من أن الحرب عليه أصبحت مؤكدة، وهذا يعني أيضاً أن لبنان سيكون أحد المسارح.
لا تكمن معضلة السلطة في بيروت في أنها غير قادرة على تحييد لبنان، فهذا أمر يتجاوز قدرتها وإمكاناتها وظروفها السياسية والعسكرية، بل في أنها لا تظهر قدراً مقبولاً من الرغبة الفعلية بالقيام بما يَلزم. يكشف مصدر مطلع أن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام سُئل بوضوح: ما الذي يمنع الجيش اللبناني من إقامة حواجز في العاصمة وخارجها لتفتيش السيارات منعاً لنقل الأسلحة؟ في واقع الأمر، هناك انطباع أمريكي- غربي- عربي بأن أركان الحكم في لبنان، على رغم التحول الجزئي في التوازنات السياسية، لا يزال غير راغب في الذهاب بخطوات إنقاذية، لا بل هو قاصر عن القيام بذلك. ويقود ذلك إلى استنتاج بأن حكام بيروت أضاعوا فرصة ذهبية ثمينة، وأن نتائج الإخفاق سيكون مكلفاً على البلاد والعباد.
ما تبلغه المعنيون من رسائل وبشكل مباشر بأن الوقت يضيق. فإسرائيل ستمضي في التقدم شمال الليطاني باتجاه مواقع ومخازن وأنفاق وتحصينات «حزب الله» في إقليم التفاح. وبالتالي، على الجيش اللبناني أن يبادر إلى استلام هذه المواقع من الحزب، وإلاَّ سيكون مصيرها كما مصير مرتفعات علي الطاهر. ويقول ضابط رفيع سابق إن الاجتماع العسكري الذي سيعقد في القاعدة الأمريكية في تامبا- فلوريدا هو اجتماع لبحث تفاصيل ما هو مطلوب والخطة التي لا بد من اتباعها. ويشير إلى أن أبرز السيناريوهات المطروحة يتعلق بتسلّم الجيش اللبناني مناطق واسعة وتنظيفها أمنياً، ولا سيما المنطقة الممتدة من الريحان باتجاه البقاع الغربي، كما الخط الممتد إلى جزين. ويرى أن المنطقة باتجاه جزين والشوف ذات أهمية جغرافية لأنه يصبح الوصول إلى نهر الدامور وقطع الطريق الساحلية باتجاه الجنوب مؤمناً بالكامل.
ويضيف هذا الضابط العسكري الرفيع: من غير المتوقع أن يوافق «حزب الله» على الانسحاب من مواقعه وتسليمها للجيش اللبناني، من دون موافقة وغطاء إيراني، فإن الجيش الإسرائيلي سيمضي في خطته، من القضم والتدمير الممنهج إلى عمليات القصف المجنون والعمليات الخاطفة، وصولاً إلى دك معاقل الحزب في الضاحية الجنوبية. غير أن السيناريو الذي يبدو أكثر خطورة يتعلق بالمعلومات المتوفرة لدى الأمريكيين والإسرائيليين عن انتقال «حزب الله» إلى العمل والتخزين في العاصمة، ما سيجعلها عرضة لضربات مؤلمة. ومن هنا، يفهم السؤال الذي يوجه إلى المسؤولين اللبنانيين عن الأسباب التي تحول دون الإمساك بامن العاصمة التي اتخذ مجلس الوزراء قراراً بأن تكون منزوعة السلاح. ليس يقوم النقاش راهناً على قاعدتي «التبادلية والمرحلية» اللتين يقوم عليهما «اتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، الأمر الذي يربط عملياً بين انسحاب إسرائيل وحصر السلاح بيد الدولة- أي نزع سلاح «حزب الله»، إنما يرتبط بما ينتظر لبنان بمجمل مناطقه التي نجح «حزب الله» في اختراقها وتحويلها إلى ترسانات عسكرية. وسيفوق ما سيحصل ما شهده الجنوب، إذ لن تكون هناك مناطق آمنة، ما سيجعل مسألة استسلام لبنان برمته دولة وشعبا لا «حزب الله» وحده أمراً واقعاً.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *