اليمن – «القدس العربي»: يمر اليمن بمنعطف ميداني وإنساني خطير، بالتزامن مع اشتداد وتيرة المعارك العنيفة في جبهات تعز والساحل الغربي ولحج ومأرب والبيضاء والجوف، والتي أسفرت عن سقوط قتلى بالمئات، وسط تداعيات إقليمية متسارعة وانعكاسات كارثية تمثلت في موجات نزوح واسعة، واستهداف مباشر للمدنيين والبُنى التحتية، وبالتزامن مع تحذيرات أممية ودولية عاجلة من انهيار إنساني وشيك.
وعلى صعيد الأعمال القتالية المستعرة، أسفرت المعارك بين قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وقوات حكومة جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) عن مقتل 154 شخصًا خلال يومين من المواجهات العنيفة، غالبيتهم في جبهات جنوب وغرب محافظة تعز، وفقًا لمصادر عسكرية من الجانبين.
ففي جبهات محافظة تعز، ما تزال المعارك مستعرة بين الطرفين في جنوب وغرب المحافظة وشمال محافظة لحج؛ وهي المعارك التي تصاعدت عقب تقدم الحوثيين في الساحل الغربي، وصولًا إلى سيطرتهم على المواقع المحيطة بمضيق باب المندب.
وتتواصل الاشتباكات والهجمات المتبادلة حول جبال كهبوب المطلة على المضيق، مع استمرار تقدم الحوثيين بهدف السيطرة على تلك الجبال، إذ ستمنحهم السيطرة عليها الفوز بعمق عسكري يحمي مكاسبهم الميدانية الأخيرة، التي تحققت في العاشر من سبتمبر، بسيطرتهم على مدينة المخا بعد حيس والخوخة، واستمرار تقدمهم حتى جزيرة ميون.
ولم تحقق هذه المعارك، منذ السبت، أي تقدم، فبينما لم تستطع القوات الحكومية استعادة مواقع من التي خسرتها، لم تحقق قوات الحوثيين اختراقًا حقيقيًا. إذ ما زالت معارك الساحل الغربي بين كر وفر، وتبقى خريطة النفوذ دون أي تغيير منذ الهجوم الخاطف للحوثيين وتقدمهم حتى باب المندب.
وتمتد المواجهات من كهبوب إلى الوازعية وجرداد وصولًا إلى جبل حبشي وجبهات الأحكوم والصلو وغيرها، في سياق معركة تتمحور في معظمها حول المرتفعات الجبلية.
وأعلنت القوات الحكومية عن تنفيذ غارات جوية على مواقع قالت إنها للحوثيين في جبهة الأحيوق في مديرية الوازعية جنوب غربي تعز، وذلك عقب غارات قالت إنها استهدفت مواقع وتجمعات للحوثيين في الوازعية والعلقمة ومحيط جبل نمان غربي المحافظة.
وعلى امتداد جميع الجبهات، تدور اشتباكات عنيفة، وتشمل قصفاً مدفعياً بين الطرفين في مدن تعز ومأرب والجوف والبيضاء.
وفي محافظة البيضاء، قالت «ألوية العمالقة الجنوبية» إنها أسقطت طائرة مسيّرة انتحارية منسوبة للحوثيين قبل وصولها إلى هدفها.
أما في محافظة صعدة الحدودية، قالت قناة «المسيرة» الفضائية التابعة لـ»أنصار الله» إن مناطق في مديرية مران ومنطقة طلان في مديرية حيدان ومناطق بمديرية الظاهر تعرّضت لقصف صاروخي سعودي، فيما تعرضت مديريتا رازح وغمر الحدوديتان لقصف مدفعي سعودي.
مقتل 154 شخصًا خلال يومين من المواجهات العنيفة
ونشر الإعلام الحربي للحوثيين مشاهد توثق لاقتحام قواتهم مواقع خلال عملية «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا» التي تقدمت خلالها قواتهم، وسيطرت على الساحل الغربي.
وتشهد عدة جبهات في اليمن منذ مطلع يوليو/ تموز الماضي، مواجهات وهجمات متقطعة، أسفرت عن سقوط مئات القتلى والجرحى من الطرفين.
الانتهاكات والغارات
وإلى جانب المعارك الضارية على الأرض، ألقت الغارات الجوية بظلالها الثقيلة على المدنيين ومراكز الاحتجاز، حيث أعلنت جماعة «أنصار الله» (الحوثيون)، صباح الثلاثاء وليل الإثنين، عن مقتل 17 شخصًا، بينهم نساء وأطفال بغارات سعودية على الجوف والمخا. واتهم رئيس اللجنة الوطنية للأسرى التابعة للجماعة عبد القادر المرتضى، الطيران الحربي السعودي باستهداف سجن يضم أعدادًا من الأسرى في مدينة الحزم بالجوف ليل الإثنين، مما أدى إلى مقتل 9 ممن تم أسرهم في الأحداث الأخيرة. فيما قالت وزارة الصحة والبيئة في حكومة صنعاء إن أمًّا وطفلها قُتلا وجُرح زوجها وطفلان آخران جراء غارات سعودية على منطقة الباطن في الحزم بالجوف. كما أعلنت الجماعة عن مقتل 6 مواطنين، بينهم طفلان وامرأة، وإصابة ثمانية آخرين، بينهم طفل وامرأة، بمدينة المخا إثر غارات سعودية.
وعلى حدود مسرح العمليات المباشر، انعكست حالة التوتر الإقليمي على تدابير السلامة المحلية، إذ أعلن الدفاع المدني السعودي، الثلاثاء، تنبيهًا بخطر في مدينة نجران، قبل أن يعلن لاحقًا عن زوال الخطر.
تداعيات صحية خطيرة
وعلى الصعيد الصحي، عكست التقارير الرسمية للأمم المتحدة تفاقمًا تصاعديًا في أعداد الضحايا وتداعيات المعارك، إذ أعلنت منظمة الصحة العالمية ارتفاع عدد القتلى خلال 13-18 سبتمبر إلى 164، ما يرفع الرقم الإجمالي منذ 6 أغسطس/آب حتى 18 سبتمبر/ أيلول إلى 674.
وقال بيان المنظمة الأممية إن الإجمالي التراكمي بلغ 3672 قتيلًا وجريحًا خلال نفس الفترة، مشيرة إلى تصدر محافظة لحج ممثلة في مديرية المضاربة ورأس العارة الجبهات الأكثر نشاطًا بتسجيل 284 حالة (226 إصابة و58 حالة وفاة) خلال ستة أيام فقط، وتضاعفت حصيلتها التراكمية إلى 433 حالة، وتليها محافظة مأرب التي تتحمل العبء التراكمي الأكبر بإجمالي 1,690 حالة (46% من الإجمالي العام)، إلى جانب تسجيل حالات في تعز والجوف وشبوة والضالع.
كارثة النزوح تتفاقم
هذا التصعيد الميداني والصحي واكبه تفاقم كارثي في موجات النزوح والوضع الإنساني العام، وسط تحذيرات متواصلة من المنظمات الإغاثية، حيث حذرت منظمة العمل من أجل الإنسانية من أن اليمن لا يزال على حافة كارثة إنسانية، مع استمرار القتال في جبهات متعددة (غرب تعز، وممر باب المندب، ومأرب) وارتفاع مخاطر التصعيد.
وأشارت إلى أن تجدد القتال مؤخراً أدى إلى نزوح أكثر من 85 ألف عائلة في تعز والحديدة، وسط معاناة واسعة من نقص الغذاء والمياه النظيفة والخدمات الأساسية، موضحة أن الاستجابة الإنسانية تعاني من نقص مزمن في التمويل والاهتمام الدولي، مما يضع وكالات الإغاثة أمام تحديات كبيرة لتلبية الاحتياجات المتزايدة.
وتوقعت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، من خلال أحد مسؤوليها، ارتفاع عدد النازحين إلى 230 ألف يمني، في حال استمرار الصراع خلال الثلاثة الأشهر المقبلة.
فيما أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أن أكثر من 60 ألف طفل تم تهجيرهم في اليمن في غضون أسبوعين فقط، حيث تجبر العدائيات المتجددة العائلات على مغادرة منازلهم.
وقالت إن العنف يعطل أيضًا الرعاية الصحية والتعليم، مما يزيد من تفاقم الوضع المأساوي المعقد على الأطفال.