من طهران إلى بكين… تحرك قطري لتوسيع مسارات خفض التصعيد وتأمين الملاحة في هرمز


الدوحة- “القدس العربي”: تكثف دولة قطر تحركاتها الدبلوماسية من أجل الوصول إلى تهدئة في المنطقة، في ظل تعثر المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي يهدد بتجدد التصعيد في المنطقة، ويعيد السيناريوهات القاتمة للحرب التي شهدتها دول الخليج.

شملت التحركات القطرية خلال اليومين الماضيين زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني إلى الصين، وشملت الزيارة مناقشة أبرز التطورات الإقليمية والجهود الدبلوماسية المبذولة لخفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، والتأكيد على ضرورة ضمان أمن وحرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز.

وأكد آل ثاني خلال اجتماعه مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي، الثلاثاء، دعم دولة قطر لكافة الجهود الدبلوماسية والمساعي الرامية إلى حل يضمن حرية الملاحة البحرية، ويمهد الطريق للتوصل إلى اتفاق شامل يحقق السلام المستدام في المنطقة.

وتأتي زيارة رئيس الوزراء القطري إلى الصين، في الوقت الذي أجرى فيه وفد قطري مباحثات في طهران مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أول أمس، في إطار الجهود الإقليمية الرامية إلى خفض التوتر، بالتزامن مع اتصالات بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز.

وفود قطرية وعمانية وباكستانية في طهران

ونقلت وكالة “فارس” الإيرانية عن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي أن الوفد القطري عقد “اجتماعات مثمرة” مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مؤكدًا أن طهران استقبلت خلال الأسابيع الماضية وفودا من سلطنة عمان وباكستان.

وأشار بقائي إلى استمرار الاتصالات مع عدد من دول المنطقة، التي تعمل منذ فترة على المساعدة في خفض التوترات.

كما أعلن بقائي أن إيران وسلطنة عمان أجرتا مفاوضات وصفها بالجادة والمثمرة بهدف تحديد مسارات آمنة للسفن في مضيق هرمز، وأن المفاوضات شهدت بعض التقلبات نتيجة ما وصفه بتدخل أطراف ثالثة ومحاولتها عرقلة المسار التفاوضي، لكنه أكد أن المشاورات بين طهران ومسقط وصلت إلى مراحلها النهائية.

وأضاف أن التوصل إلى اتفاق نهائي سيتيح تسجيل مذكرة التفاهم المشتركة بشأن إنشاء مسار مؤقت وآمن للملاحة في المضيق لدى المنظمة البحرية الدولية خلال الأيام المقبلة.

تكلفة اقتصادية كبيرة

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا اقتصادية متزايدة نتيجة الحرب والحصار على صادراتها النفطية، ما يعزز دوافع البحث عن مسارات للتهدئة والتفاوض، حيث قدرت الحكومة الإيرانية، في وقت سابق، الأضرار الناجمة عن الحرب بنحو 270 مليار دولار، مؤكدة أن الرقم أولي وغير نهائي.

وانخفضت كميات النفط الخام الإيراني المخزنة على متن السفن خارج نطاق الحصار من نحو 90 مليون برميل إلى 29 مليونًا، وفق بيانات نقلتها تقارير حديثة، ما يمثل تراجع بنحو 70% من المخزونات، فيما يتوقع صندوق النقد انكماش الاقتصاد الإيراني 5.4% في 2026، وفق ما أوردته وول ستريت جورنال.

أما التكلفة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية، فقد قدرها وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث في يوليو بنحو 37.5 مليار دولار، فيما تجاوزت التكلفة الاقتصادية على المواطنين الأمريكيين التكلفة العسكرية بكثير، فقدرت دراسة من جامعة براون أن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الحرب كبد المستهلكين الأمريكيين 100 مليار دولار إضافية حتى 7 سبتمبر، أي أكثر من 760 دولارًا في المتوسط للأسرة الأمريكية.

كانت إيران أعلنت في وقت سابق عزمها إنشاء منطقة محظورة جديدة في الخليج، بالتزامن مع طرح ترتيبات لمسارات ملاحية في مضيق هرمز، في وقت أسهمت فيه الهجمات المتبادلة على السفن خلال مطلع الأسبوع في ارتفاع أسعار النفط.

تحرك عبر أكثر من قناة

وحول زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري إلى الصين بالتزامن مع وجود وفد قطري في طهران، قال الدكتور خالد الجابر، المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية: “يمكن قراءة التحركات ضمن سياق دبلوماسي قطري أوسع يهدف إلى خفض التصعيد ومنع استمرار الحرب، حتى وإن لم يكن هناك ما يؤكد وجود ارتباط مباشر أو تنسيق عملياتي بين زيارة بكين والتحرك في طهران”.

وأضاف الجابر في تصريحات خاصة لـ “القدس العربي”: “قطر تتحرك عبر أكثر من قناة لأنها تدرك أن الأزمة لم تعد ثنائية بين الولايات المتحدة وإيران، بل أصبحت مرتبطة بأمن الخليج وحرية الملاحة في مضيق هرمز واستقرار أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي”.

وأكد الجابر أن “التواصل مع طهران من جهة، ومع بكين بوصفها قوة دولية مؤثرة وعلاقتها وثيقة بإيران من جهة أخرى، يعكس محاولة لتوسيع دائرة الأطراف القادرة على دعم مسار سياسي يمنع المزيد من التصعيد”.

وأشار إلى أن الصين قادرة على دعم الوساطة القطرية، ليس باعتبارها بديلًا عن الدوحة، وإنما بوصفها طرفًا يملك نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا مهمًا لدى إيران ومصلحة مباشرة في استقرار الخليج وأمن الطاقة وحرية الملاحة.

وأوضح أن ما يمكن أن تسعى إليه قطر هو تشجيع بكين على استخدام علاقاتها مع طهران للمساعدة في ضبط التصعيد ودعم العودة إلى التفاوض، خصوصًا فيما يتعلق بأمن مضيق هرمز، وفي المقابل تستطيع الدوحة بما تملكه من قنوات مفتوحة مع واشنطن وطهران أن توفر مساحة أكثر مرونة لتقريب المواقف.

وأضاف “نحن هنا أمام إمكانية لتكامل الأدوار، قطر تتحرك كوسيط، والصين تستخدم ثقلها السياسي والاقتصادي لدعم البيئة اللازمة لإنجاح الوساطة”.

دبلوماسية متعددة الأطراف

ولفت الجابر إلى أن استمرار الحرب أثبت أن نقل الرسائل بين واشنطن وطهران وحده لم يعد كافيًا، وأن أي تسوية مستدامة تحتاج إلى إشراك القوى القادرة على التأثير في حسابات الطرفين، وفي مقدمتها الصين، إلى جانب دول الخليج وعُمان وباكستان وغيرها.

وقال الجابر: “قد نكون أمام انتقال تدريجي من وساطة ثنائية تقليدية إلى دبلوماسية متعددة الأطراف، هدفها أولًا وقف التصعيد وتأمين الملاحة في هرمز، ثم تهيئة الظروف للعودة إلى مفاوضات سياسية أوسع وأكثر استدامة”.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *