أحببت الرسام والناقد المصري عز الدين نجيب (1940 ــ 2023) صديقا وإنسانا محبا ومضحيا ومبدئيا غير أنني لم أكن أميل إلى أفكاره الاشتراكية ولا إلى طريقته في إضفاء طابع طبقي على التجارب الفنية. قلت له ذات مرة وكنا في تونس «أنا أقيم في منطقة أخرى». لم يؤثر ذلك الاختلاف في الرؤية الفنية على علاقتنا. حين ذهبنا معا إلى فندق صدر بعل في الحمامات ورأى رسوم نجيب بن خوجة وعلي بن سالم ورضا بالطيب وعبد الرزاق الساحلي هناك قال لي «أنت محق يا صديقي. أنا أقيم في منطقة أخرى». كان أحيانا لا يأخذ جملي على محمل الجد. قلت له ذات مرة بعد أن أبدى إعجابه بما كتبته عنه شخصيا وعن تجربته في الرسم والكتابة «لستُ ناقدا فنيا» فقال لي «إذن مَن هو الناقد؟» كان يراني بطريقته.
هل يحتاج الناقد الفني إلى تعريف؟
منذ بدء الألفية الثالثة صارت سلطة المال تسخر من النقد. هناك فنان عربي، رغبة منه في السخرية من النقد اخترع نقادا انحصرت مهمتهم في إجراء حوارات مطولة معه، من أجل أن يثبت نظريته بخلو العالم العربي من النقد الفني. عرفت بالصدفة أن ذلك الفنان كان يدير الحوارات تلك بنفسه من خلال تجهيز الإسئلة لنقاده.
سيُقال دائما إن النقد الفني في العالم تعرض لانهيارات كثيرة سببت له تراجعا ملحوظا على مستوى التأثير على الجمهور والقدرة على توجيهه. وقد حدث ذلك بسبب رغبة أصحاب رؤوس الأموال في ألا يفسد النقد عليهم المنهج الذي اتبعوه في تجميع مقتنياتهم الفنية، وهو منهج وإن استند إلى خبرة أشخاص مؤتمنين من قبلهم غير أنه كان يفتقر إلى المعرفة الحقيقية بتاريخ الفن التشكيلي في العالم العربي، كما أنه لم يكن نزيها وشفافا، لأنني أعرف جيدا أن الكثير من الأعمال المزورة كان قد جرى تمريرها لتكون جزءا من تلك المقتنيات.
لا يزال الناقد واقفا بشجاعة
ما سبق وذكرته من أقوال عن حالة النقد الفني في زماننا ليس صحيحا إلا جزئيا. الأهم أن الناقد في العالم الحر، بشكل عام، لم يجر عزله وتغييبه، أو إفساده عن طريق إغرائه بالمال، أو تحويله إلى مجرد مروج لأعمال فنية لا تمت بصلة إلى قناعاته الفنية. صحيح أن المؤسسات الفنية التي يقف وراءها عدد من المستثمرين كانت قد نجحت في تأليف جيش من الكتاب، اقتصرت مهمتهم على تلميع أسماء فنانين بعينهم غير أن الصحيح أيضا أن هناك نقادا لا يزالون يملكون الجرأة على التصدي لتجارب أكثر الفنانين المعاصرين شهرة وثراء. من ذلك ما أطلعت عليه مؤخرا من مقالات كتبها نقاد في صحف بريطانية عن معرض ضخم أقامه الفنان الصيني أي ويوي في مدينة مانشستر. وهي المدينة التي انطلقت منها الثورة الصناعية.

وإذا ما عرفنا أن فنانا كانت قد فتحت له المتاحف والصالات الفنية والأكاديميات الكبرى في العالم الغربي أبوابها، يحظى بدعم كارتلات متعددة الجنسية، يمكننا أن نقدر للناقد شجاعته في أن يقول إن ويوي كان ساذجا في معالجاته الفنية للظواهر السياسية التاريخية. حقيقة أن ما يضخمه الفنان الصيني لا يملك قيمة استثنائية، إلا لأنه جرى إبرازه بطريقة استعراضية. ذلك الفنان هو عبارة عن معمل. يبهرنا أي ويوي بحجم أعماله، ولكنها ليست صنيعا شخصيا، إضافة إلى أنها لا تضيف شيئا إلى ما يقوله الأرشيف. لم يمت النقد الفني في العالم، ولم يتخل عن نزاهته ولم ينجح المستثمرون في الأعمال الفنية، في جره كليا إلى منطقة الترويج الدعائي الكاذب. لا يزال للنقد الفني سلطته ونفوذه، ما يؤشر بطريقة إيجابية إلى استمرار الحيوية الديمقراطية في النظر إلى المشهد الفني ووضع الفنانين في أماكنهم الحقيقية. فعلى الرغم من تواطؤ المؤسسات الفنية مع أصحاب المجموعات الفنية وهم الداعمون الرئيسيون لها، فإنها تحرص على أن يتمتع النقاد بحريتهم من أجل الحفاظ على الفن في أعلى مستويات أدائه الجمالي.
كثر نقاد الفن في عزلتهم
عربيا هل انتهى زمن الناقد الفني، بعد أن خفتت حماسة المؤسسات الفنية لإقامة ندوات فنية تستضيف نقادا لهم تاريخهم ومكانتهم الثقافية؟
تنظر المؤسسة الفنية العربية بعين الشك إلى الناقد الفني العربي، ذلك خلل يمكن إعادته إلى الاختراق الكبير الذي تعرضت له تلك المؤسسة من قبل (خبيرات) الفن المجلوبات من الغرب، بضمنهن البعض ممَن هن من أصول عربية. لو عدنا إلى أصول ذلك الالتباس لاكتشفنا أن المسألة أصلا لا تتعلق بالنقد، بل بالصلة التي تم قطعها. على سبيل المثال يمكن القول إن بينالي الشارقة ومنذ ربع قرن لم يعد يُدار بطريقة تحفظ لنقاد الفن العرب مكانتهم ذلك لأنه أفلت من بيئته العربية من أجل أن يكون عالميا. ذلك يصح على كل الفعاليات الفنية الدورية التي يشهدها العالم العربي. هناك قرار مُتخذ سلفا باستبعاد الناقد العربي ليحل معه الصحافي الذي يحمل إلى صحيفته بيانات المؤسسة الفنية.
لقد تم استبعاد ناقد الفن العربي من التظاهرات الفنية بطريقة مقصودة كما لو أنه كائن فائض عن الحاجة. حين أتذكر خلافي مع عز الدين نجيب، أشعر بأنا كنا نعيش زمنا آخر. زمنا كنا نتداول فيه الأفكار بحرية. نختلف ونتفق، نتنافس وننسق خطواتنا، غير أن أهدافنا لم تكن تتقاطع.
من اللافت أن عدد مَن يكتبون عن الفن في العالم العربي قد ازداد في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. على الرغم من عزوف المؤسسة الفنية عن الاهتمام بهم. هنا لا بد من أن أشيد بجائزة الشارقة للنقد الفني، التي لعبت دورا كبيرا في تشجيع البحث الجمالي، وظهر من خلالها نقاد فن شباب لم يكن الترويج لكتبهم الفائزة يتم بطريقة جيدة. وكما أرى فإن ظهور نقاد فن جدد إنما يشير إلى تجذر النقد الفني جنسا أدبيا مستقلا في الحياة الثقافية العربية. تلك ظاهرة أصيلة يمكننا من خلالها الرد على محاولة الفنان الذي سبق ذكره في اختراع نقاد يأتمرون بأوامره. ناقد الفن لا يُصنع. إنه ابن الشغف العميق بالفن، المفتش في كهوف جمالياته عن ممرات مضيئة تقود إلى المستقبل.

ليس الناقد بضاعة في السوق
لم يمت النقد الفني في العالم العربي ولم يحل نقاد الفن أنفسهم على التقاعد ويكفوا عن الكتابة. ما يجب أن اعترف به، أن إمبراطوريات المال التي وجهت اهتمامها إلى الفن لم تسع إلى استقطابهم أو احتوائهم أو الاستفادة من خبراتهم. لا لشيء إلا لأن الموقف المناوئ للنقد كان ثابتا. هناك ذعر من النقد، وشك في النيات المبيتة لممارسيه. لا أعرف ما سببه ومَا هي الجهة التي تقف وراءه. ذات مرة قرأت في فيسبوك سؤالا كتبه أحد مقتني الأعمال الفنية يقول فيه «هل تعرفون ناقد فن عربيا يقيم في لندن؟»، على سذاجته فإن ذلك السؤال ليس بريئا فهو ينطوي على رغبة في التعرف على مكانة نقاد الفن لدى القراء. وهي رغبة عدوانية. حين قرأت اسمي غير مرة في تعليقات المتابعين، أردت أن أشكر مَن اختارني وأخبره بالحقيقة، غير أن أدراكي لعبث المحاولة هو ما منعني من القيام بذلك. هناك بيئة معادية للنقد الفني. بيئة لا ترى في الناقد الفني إلا عدوا. وهي تسعى إلى الحفاظ على إرثها من الأعمال الفنية من خلال تكميم أفواه النقاد. خطر الناقد الفني إنما يكمن في اكتشاف المواقع التي تعرض فيها النتاج الفني العربي للاستباحة والتزوير واللصوصية والمبالغة والتضليل والخداع. طلبت امرأة نمساوية لا أعرفها ذات مرة أن التقيها في أحد مقاهي لندن لأبدي رأيي في المجموعة الفنية العراقية التي اشترتها في أبو ظبي. حين رأيت صور اللوحات على هاتفها عرفت مالكها الأصلي وقلت لها «إنها اشترت شيئا لا قيمة له». لم يعجبها كلامي ذلك لأنها دفعت مبلغا كبيرا وهي تحلم بالاستثمار. يومها أدركت السبب الذي يقف وراء حملة تغييب ناقد الفن العربي من الساحة.
كاتب عراقي