من «السلام العربي الإسرائيلي» إلى خرافة «السلام الإسرائيلي»


أن تروق لك لحظةٌ موشكة، فتستعجل أنتَ نفسك تسميتها مخاضاً؛ وأن يذهب بك الظنّ إلى تأبيدها، فترفعها من عارضٍ في موازين القوى إلى مقام قانونٍ مستدام، وإملاءٍ لا مفرّ منه ولا حتى مهلة لتقسيط الانصياع؛ وأن تتعامل مع مغلوبيتك كأنها انقضت إلى غير رجعة، ومع تغلّبيتك، وهي معدومة، كأنها باتت حقيقة، مستعيراً وهمها من تغلّب الذين تستقوي بهم على مجتمعات هذه المنطقة؛ أن تروق لك اللحظة، فتؤبّدها، ثم تتخيّل أن عصراً إسرائيلياً مديداً قد بزغ هنا، لا مناص أمامه إلا الخضوع – فهل لوهمٍ كهذا أن يتشاوف حقاً على أوهام البعثية والأصولية والممانعة؟
تشكّلت «المسألة الشرقيّة» من تصدّعات السلام الإمبراطوريّ العثمانيّ في ذلك الفضاء المترامي من الأدرياتيكي والبحر الأسود إلى خليج البصرة وباب المندب. كان السلام العثمانيّ نسبياً ومتأرجحاً؛ فالسلطنة نفسها أدارت احترابات داخلية متكرّرة، وواجهت الجلاليين وسواهم من العصاة، وخاضت صراعاً مديداً مع الصفويين ثم القاجار. غير أنّ سلامها المتلبّد هذا لم يكن وهماً. لقد تشكّل، على مدى قرون، نسقاً فعلياً لتنظيم المجال وضبط التنازع، حتى غدا يطبع المعاش بقدر ما يطبع المخيال: الناس يتحرّكون ويتخاصمون ويتاجرون ويتديّنون داخل أفق إمبراطوريّ كان يبدو، رغم اضطرابه، أرسخ من الحروب التي تعصف في داخله أو تشتعل على تخومه.
ظهرت «المسألة الشرقيّة» حين تحوّل ضعف السلطنة العثمانيّة من عارضٍ داخلي إلى نظام إقليمي مُدوَّل، مقرون بقلق الحواضر الأوروبية من أن تنفرد روسيا بابتلاع المجال العثماني أو بالهيمنة عليه، وبقبولٍ متزايد، في المقابل، بتقاسم مناطق النفوذ داخل السلطنة وبين أطرافها. ومن هنا ظلّ الموقف الأوروبي متأرجحاً حيال حركات الانفصال عن الآستانة: بين الخشية من تفكّك الإمبراطورية سريعاً، والرغبة في استخدام قومياتها وأقلياتها وأقاليمها أدواتٍ في لعبة التوازن. ولمّا تحوّل قمع الثورة اليونانية إلى حرب استنزاف مفتوحة، تدخّلت بريطانيا وفرنسا وروسيا عسكرياً، وانتهى الأمر بتدمير الأسطول العثماني- المصري في نافارين سنة 1827، ثم بخروج «اليونان الصغرى» من المجال العثماني. لكن العروش الأوروبيّة المعادية للثورات سارعت مع ذلك إلى تطويق السابقة التي صنعتها: نصّبت أميراً ألمانيّا، بافاريا، ملكاً على اليونان، ومن ثم أستبدل بأمير دانماركي. طالما ظلّ الديمقراطيّ والقوميّ يترادفان لم يكن وارداً احتضان مبدأ «حق الشعوب في تقرير مصيرها».
أما «السلام العثماني» فلم يلفظ أنفاسه بعد ضربة نافارين، ولا بعد الحربين الضاريتين بين محمود الثاني ومحمد علي باشا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، فمع خط كلخانة سنة 1839 دخلت السلطنة عصر التنظيمات، فيما دفعت حرب القرم ومؤتمر باريس إلى إدخالها، ولو على نحو ملتبس، في «الحفل الأوروبي». ولم تكن التنظيمات دستورية منذ بدايتها بالمعنى الدقيق، لكنها فتحت أفقاً انتهى إلى يوتوبيا «الأمة العثمانية» المتعددة دينياً وقومياً وإلى دستور 1876 ومحاولة إعادة تعريف الرعية بوصفها مواطنةً مشتركة فوق الفوارق الملّية. ولعلّ تلك كانت آخر محاولة جدية وان كانت مستحيلة لإنتاج نسق استقراري تفاهمي شامل في ذلك المدى الممتد من البلقان إلى الأناضول والشرق العربي.
لم يمت مشروع تحويل الإمبراطورية إلى «أمّة سياسية» مع تعليق السلطان عبد الحميد الثاني العمل بالدستور بعد اعتماده بعامين؛ بل استمر، على نحو متحوّل، عبر مزيد من التمركز الإداري، وتوسيع التعليم، ومدّ شبكات المواصلات، وربط الأطراف بالمركز، وإن امتزج ذلك كلّه بطابع أبوي سلطاني أكثر انكفاءً، وبنزعة إسلامية أوضح في العهد الحميدي. ظلّ «السلام العثماني» يعاند الرحيل، يتقلّص ويتحوّر من دون أن ينعدم، إلى أن أصابته حروب البلقان عامي 1912–1913 في مقتله الجغرافي والديموغرافي والسياسي. عندها لم تفقد السلطنة معظم ما بقي لها من أوروبا فحسب، بل انكمش أيضاً المجال المتعدد الذي كان يمكن أن تستند إليه فكرة العثمانية نفسها.
ومن مفارقات القرن التالي أن البلقان، بعد حروب وقوميات واقتلاعات وحربين عالميتين ثم حرب يوغوسلافيا، انتهى، ولو بعد عقود طويلة ومكلفة، إلى ضرب من السلام الإقليمي المستقر نسبياً. أما المشرق فقد سلك المسار المعاكس تقريباً: كلما انقضى نظام للغلبة لم يخلفه نسق إقليمي قادر على الدوام، بل توازن هشّ تمزقه الحروب والانقلابات والتدخلات الخارجية وصراعات الحدود والشرعيات. وهكذا أخذت المنطقة، منذ سقوط الإطار العثماني، تبتعد أكثر فأكثر عن إمكان تأسيس سلام إقليمي مزمن، لا بمعنى غياب الحرب، بل بمعنى وجود نظام مستقر يجعل الحرب استثناءً لا قاعدة متجددة.
فـ«السلام الاستعماري» في المنطقة لم يكن استعماراً مديداً، ولا كان سلاماً بالمعنى الفعلي للكلمة؛ بل كان، في المحصلة، تطويراً لمشكلات تكوينية في كيانات لا هي استطاعت أن تنجز وحدتها، ولا أن تستقر على تعددها، وتسبّباً في كامل المسار الذي انتهى الى اقتلاع الفلسطينيين من بلدهم وقيام دولة إسرائيل: دولة لا تُختزل في أسسها الاستعمارية، كما لا يمكن فهمها بتجاهل تلك الأسس.

أخذت المنطقة، منذ سقوط الإطار العثماني، تبتعد أكثر فأكثر عن إمكان تأسيس سلام إقليمي مزمن، لا بمعنى غياب الحرب، بل بمعنى وجود نظام مستقر

أما «السلام ما بعد الاستعماري»، فقد بدت هشاشته كأنها توارت طويلاً عن الأنظار، أو كأنها نوّمت المجال مغناطيسياً، في العقد السابق على حرب 1967. ومنذ ذلك الحين أخذنا نبتعد أكثر فأكثر عن فكرة السلام المديد، بل لعل هذا الابتعاد ازداد، على نحو مفارق، مع الدخول في عصر التسوية العربية-الإسرائيلية بعد مدريد. والطريف الموجع أن المنطقة تبدو اليوم كأنها تنتقل من وهم «السلام العربي–الإسرائيلي» إلى وهم آخر أشد اختلالاً: سلام إسرائيليّ يسري على العرب، سواء قبلوا به، أم تحرّجوا منه، أم اكتفوا بالتكيّف مع مفاعيله..
لكن إذا كان اتساع النفوذ الإيراني في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق قد أنشأ أوهاماً حول إمكان قيام «سلام إقليميّ إيرانيّ المركز»، فيما كان الواقع يحتشد بالحروب الأهلية، وحروب التدخّل على اختلاف أصنافها، والمآسي المتراكمة، فما الذي يمكن قوله اليوم في اختلال ميزان القوى لمصلحة إسرائيل، حين لا يحصل هذا الاختلال إلا من خلال حرب إبادة في غزة وحرب تطهير إثنيّ- دينيّ في لبنان؟
والأنكى أن ثمة، على الجهتين، من يحسب أن في الإمكان تأبيد اللحظة وتحويل المشهد العابر إلى نظام دائم، ثم يطالبك بأن تنحاز إلى هذا الوهم أو ذاك، إلى هذا الشرّ أو ذاك. فمن جهة، من يريد ردم الهوّة التكنولوجية بالإرادوية – الغيبية حيناً وبالفيتيشية حيناً آخر؛ ومن جهة ثانية، من يعتقد أن الإبادة نفسها يمكن أن تكون طريقاً إلى فرض معادلة استقرار مديدة، بعد طول انتظار وقحط مزمن في المنطقة.
يوماً بعد يوم، تستفحل وقائع الاختلال الإقليمي لمصلحة إسرائيل، وتتعزّز معها الفكرة التي يسوّق لها مروّجو «السلام الإسرائيلي»، لا السلام مع إسرائيل: أن هذا السلام يضمن لكل جماعة أن تعيش فرادتها الإثنية، فيما يتيح لهواة الطفرات التقنية مواصلة شغفهم بها، ما دام ذلك لا يقترن بنهوض واسع لمجتمعات الثقل الديموغرافي في اتجاه التحكم بالموارد والمصائر وصياغة نماذج تعاقدية مستقرة بين مكوناتها، وموازنة بين ما للأفراد وما للأنسجة الأهلية. إلا الفلسطينيين طبعاً، يراد مع هذا النوع من «السلام الإسرائيلي»، المستند الى حرب الإبادة، والنافي لـ»السلام العربي – الإسرائيلي» أن يقال بأنهم منحوا فيما مضى فرصا عديدة لإقامة كيان وطني واقعي وقابل للعيش لهم لكنهم رفضوا كل المقترحات، وأنهم غير قادرين أساساً الى إيفاء «تقرير المصير» حقّهم، إذا وجب سحبه منهم. لكن كل هذا، هو تأبيد للحظة ولو تمادت وبغت، فإنّها تبقى، كما قبلها وبعدها، لحظة، في تاريخ منطقة مضى على نهاية آخر طيف للسلام الإقليمي الاستقراري فيها حقبة طويلة. الخيار بين «سلام إيراني» وبين «سلام إسرائيلي» ليس بخيار. في الوقت نفسه يبدأ الاختيار ليس فقط بالفكاك عن تأبيد هذا الوهم الشرير أو ذاك، بل بالاعتراف بمحدودية ما في المستطاع فعله.

٭ كاتب لبناني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *