لقد حان وقت تدمير الذات: إدغار ألان بو


ما الذي تعرفه عن الخوف؟ غالبًا ما يرتبط ذكر ذاك الشعور بالأطفال حينما يُداهمهم عند رؤية أو شعور ما يثير حفيظتهم، وغالبًا ما يقعون فريسة للنقد أو دوام النصحية من أجل كبت ذاك الشعور والتوكيد أنَّ من لا يشعر بالخوف شجاع يحترمه الآخرون، وأنَّ العالم الخارجي يكره كلّ من تسوِّل له نفسه أن يُظهر خوفه؛ لأن الخوف شيمة الأطفال، وعلى كل من رغب في أن يعتبره المجتمع فرداً بالغاً عاقلاً ألَّا يُظهر خوفه، حتى ولو كان من داخله يرتعد رعبًا.
وتبعًا لعلم النفس، ينبلج من إخفاء الشعور بالخوف طريقان: أحدهما إبداعي يُفْرغ فيه الفرد مخاوفه بطريقة مستترة من خلال نسج قصص أو أشعار يكون الخوف سمتها السائدة؛ وبتفريغ المخاوف على الورق، يستطيع المرء أن يستعيد مرَّة أخرى الثقة بالنفس ويعيد ترتيب حياته وأولوياته، بل ويساعد أيضًا آخرين في مجابهة كل ما يزعجهم من مخاوف بمشاهدة أو قراءة الحبكات المفعمة بالخوف؛ ولهذا السبب انتشر أدب وأفلام الرعب.
لكن هناك صنفاً آخر من البشر يكبحون الشعور بالخوف بكل طريقة ممكنة، لكي يظهروا للآخرين أنهم لا يعانون من أي مشكلة، بل وأنهم الكمال بعينه؛ فيتحدَّثون أو يكتبون عن كل ما هو راق ورائع، ويعنون بتنميق تصوير حياة مثالية. ولو كان هذا الصنف من صنَّاع الدراما المرئية أو المكتوبة، فستكون المثالية ومكارم الأخلاق والحياة الهادئة هي الفكرة الرئيسية التي تدور حولها كل أعمالهم.
لكن في غمار كل هذه المثالية المبالغ فيها تتسرَّب رغمًا عنهم المخاوف المكبوته في شكل نوبات غضب مبالغ فيها، ما يفاقم من عزلتهم ورغبتهم العارمة في الابتعاد أكثر عن المجتمع والتفاعل معه؛ لأن شعوراً في ذاك الوقت يتفاقم بعدم الأمان الكامن في نفوسهم، ويتجلَّى الخوف المكبوت في شكل جنون ارتياب (بارانويا) وعدم الثِّقة بالنفس، مما يجعل الفرد يشعر بانعدام القيمة، بل ويسقط أيضًا هذا الشعور على الآخرين مؤكِّدًا لنفسه أنه أسمى وأفضل منهم، مع الشعور بأنهم يضمرون له نوايا سيئة، أو يصدرون ضده أحكامًا سلبية من شأنها تحقير شأنه.
ولا يقف الأمر عند هذا الحدَّ، فهناك البعض ممن ينبلج غضبهم في شكل عدائية وعدوانية إزاء الآخر، وقد يظهر الشعور بالرعب المكبوت على هيئة صورة نوبات مفاجئة من سرعة الانفعال، أو النزعة الدفاعية، أو النقد المفرط للآخرين، وذلك كوسيلة للمبادرة بالهجوم والحفاظ على شعور زائف بالأمان. ولبلوغ أقصى حدّ من الأمان، يجنح الفرد للمبالغة في السيطرة على الآخرين أو التحكُّم في المواقف أو النتائج المترتبة عليها. وقد يظهر أيضًا الإسقاط العاطفي للغضب في شكل لوم مستمر للآخرين وتحميلهم مسؤولية الشعور بالنقص لديه، مع اتِّهامهم بأنهم يعانون من نفس العيوب أو المخاوف. وبهذا، يحيل الآخر إلى كبش فداء له.
وبالنظر للكاتب الأمريكي العبقري إدغار ألان بو (1809-1849)، الذي أسس اتجاهات الأدب الحديث بالرغم من موته المبكِّر في سن الأربعين فقط، يلاحظ أنه حالة نفسية قبل أن يكون كاتبًا عظيمًا. لكنَّ الدَّافع وراء عظمته هي المخاوف والكوابيس التي لازمته إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة، فعملت على تشكيل شخصية تعاني من اضطرابات نفسية عويصة، كان يحاول التنفيث عنها في أغلب الأوقات عن طريق الكتابة. ومن ثمَّ، عندما كان يكتب عن الحزن الشديد أو الرعب أو الجريمة الكاملة أو حتى القصص البوليسية، فإنه كان يسطر ما يدور بخلده ويعبِّر بمفردات أعماله عن حالته النفسية وحياته المأساوية.
لقد كانت حياته عبارة عن سلسلة متواصلة من مآس شهدها وتجرَّع مرارتها منذ صغره وجعلته دائم الشعور بالوحدة الشديدة، ويداهمه الخوف والرعب في كل وقت. فقد شهد في صغره موت أمّه، وتفسُّخ ما تبقَّى من عائلته حينما تم توزيع إخوته على عائلات متفرِّقة، إلى أن ماتت أخته مشرَّدة في الشوارع وفاقدة لرشدها، ولم تمرّ سوى سنوات ومات أيضًا أخوه. وأمَّا هو، فقد كان حظُّه الأفضل والأسوأ في آن واحد؛ فقد ربَّته عائلة شديدة الثراء حينما تمسَّكت به الزوجة، لكن الزوج كرهه وعزف عن تبنِّيه. والأسوأ من هذا، في مرحلة التعليم الابتدائي كان يرتاد مدرسة فقيرة سيئة، لدرجة أنّ المعلِّم كان يلقِّنهم مبادئ الحساب في القبور، وكانت تسلية الأطفال العلمية تتلخَّص في إحصاء القبور وتطبيق العمليات الحسابية عليها. ومن ثمَّ، أصبح الموت والمأساة الاذان أحيط بهما منذ طفولته كيانًا حاضرًا يداهمه طوال أيَّام حياته، لدرجة أنه كان لا ينام إلَّا بعد أن يوقدوا شمعة بجواره. فبالرغم من شجاعته، كان يخاف من أشباحه التي تداهمه ليلًا. وأجج الشعور بالفقد لديه موت أمه البديلة، وكذلك المرأة التي تزوَّجها بعد أن جاهد لعلاجها من مرض السلّ. أضف إلى ذلك، الفقر الذي كان يخنقه طوال حياته حتى حينما كان يعيش في قصر مهيب؛ فقد كان زوج أمه البديلة يضن عليه بالمال، لدرجة أنه لم يكن يملك سوى أقلّ القليل من الملابس.
كل هذه الظروف المأساوية المتشابكة جعلته شديد الغضب والحنق، وكان يحاول جاهدًا أن يخرج من حالات الهوس الاكتئابي من خلال تفريغ جميع مشاعره في الكتابة التي أتت في شكل كتابات نفسية من الدرجة الأولى بالرغم من تنوعها بين الرعب والسرد الرومانسي والقصص البوليسية والشعر، وكذلك الكتابات العلمية. وأهم ما يميِّز أعماله هو الخوض في تفسير الرغبة في الانتقام وطبيعة الجنون، مع تصوير أن جميع الشخصيات المبتلاة بذلك هي على ثقة تامة أنها شخصيات طبيعية وتمارس حياتها بشكل طبيعي.
ففي قصة «صندوق نبيذ الأمونتلادو» The Cask of Amontillado يستبطن بشاعة النفس البشرية، وكيف تفضي الغيرة المرضية من أحد الأفراد إلى القتل بلا رحمة. ففي القصة، يعمد رجل إلى قتل جاره بدم بارد بعد استدراجه إلى قبو النبيذ الخاص به وحبسه حيًّا فيه حتى يلقى حتفه، وبعدها يمارس حياته بصورة طبيعية؛ وهذا بسبب الشعور بالغيرة والحقد، لأن جاره يحصل سنويًا على جائزة أفضل مُنتج للنبيذ.
وكذلك هي الحال في قصته «الضفدع النطَّاط» (هوب فروج) Hop-Frog، التي تحكي قصة عبد معوَّق يعمل مهرِّجًا في بلاط الملك، لكنه يقاسي من قسوته ومن المعاملة السيئة الفظة من قبل كل حاشيته. ولكي ينتقم منهم جميعًا بصورة ذكية، ينفِّذ أيضًا جريمة كاملة بشعة؛ حيث يقنعهم بالتخفِّي في زي في إنسان الغاب خلال الحفل التنكُّري. ثمَّ يجمعهم ويربطهم بوثاق محكم، وبعد ذلك يحرقهم مجتمعين، وأخيرًا يغادر القصر لينعم بحرِّيته في الخارج.
وأمَّا قصص الانغماس في الجنون فكانت أكثر بشاعة. ففي قصة «القلب الواشي» The Tell-Tale Heart يسرد «بو» قصة رجل يعترف بقتله مسناً لأن عينيه زرقاوان تشبهان عيون النسر. وبعد قتله، يدفنه أسفل أرضية منزله، لكن ما يزعجه أن قلب هذا الرجل ما زال ينبض. وفي قصة «القطة السوداء» Black Cat، يصوِّر السيكوباتية في أبشع صورها؛ حيث يسرد قصة رجل يقرر فجأة شنق قطته السوداء التي يحبها دونما سبب؛ علمًا بأن «بو» نفسه كان أيضًا لديه قطة سوداء يعشقها. وبعد موت القطة، تأتيه وفي يدها مشنقة لرغبتها في الانتقام منه، ما يجعله يدخل في نوبة غضب عارمة يقتل بعدها زوجته.
ويُلاحظ في جميع قصصه أن بشاعة الأحداث عارمة وكفيلة بأن تحيل كل قصة منها إلى فيلم رعب نفسي خانق، وأن الدَّافع وراء اقتراف كل جريمة هي الرغبة في الحصول على الحرِّية ومحاولة العيش بطريقة طبيعية كما يرغب الفرد وفق ما يناسبه، وليس وفق الصورة التي يحددها له الآخرون. وهنا بالفعل، تكمن المشكلة الكبرى التي يعاني منها إدغار ألان بو، التي تجعله يميل إلى تدمير ذاته بدلًا من صب جام غضبه على الآخرين وعلى الظروف الصعبة التي حكمت عليه بالتعاسة والفقد، وجعلت الموت رفيق دربه. ولذلك، أصبح الفقر لديه شيئاً معتاداً. وكلَّما كانت الحياة تبتسم له ويحقق نجاحًا باهرًا، كان يردف ذلك بفترات طويلة من إدمان الكحول إلى أن يدمِّر كل ما حققه من نجاح وصورة اجتماعية رائعة؛ لأنه يعلم أن كل النجاح والشهرة وأي مكاسب مادية أو معنوية أخرى سوف تتلاشى سريعًا، ويؤوب هو مرَّة أخرى لتجرُّع مرارة الألم والفقد والفقر رغمًا عنه. ومن ثمَّ، كان يعمد دون وعي إلى أن يكون هو نفسه الجلَّاد، بدلًا من مرارة انتظار القدر حينما يتلذذ بتدميره. وباعتياده التنفيث عمَّا يشعر به من غضب على الورق، اجتذبت كلماته الصادقة جمهور القرَّاء لملامسته ما يدور في خلدهم من مشاعر متناقضة.
وأصدق تعبير عن حالته النفسية كانت أشعاره الرقيقة؛ لقد وصف حياته وشعوره بدقَّة متناهية في قصيدة «وحيد» Alone، التي لم تحظَ بنفس شهرة قصائده الأخرى، والتي يختتمها بالتوكيد على أنه يقاسي من أنَّ السماء التي تظلله كلها ظلمات وغيوم بالرغم من أن الأفق بأكمله صافٍ ورائع الجمال.
المرض النفسي قد يكون دافعًا لعبقرية الإبداع، أو حافزًا لتدمير الذات. لقد اختبر إدغار ألان بو الحالتين، ومن ثمَّ أصبح عبقري الإبداع، ومأساوي المآب، ولا يزال لغز موته حافزًا أكبر لتأجيج شهرته.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *