«ترشيد» الفلسفة: حتى لا يكرهها التلامذة!


بعد أسابيع قليلة من الفوز بجائزة نوبل للآداب عام 1957، كتب ألبير كامو رسالة ود ووفاء وعرفان إلى لوي جرمان الذي كان معلمه لما كان كامو تلميذا صغيرا في مدرسة شارع أوميرا الابتدائية في الجزائر العاصمة. وقد كان العرفان والشكران مما يحق لكامو وينبغي له في الآن ذاته. إذ ما كان له أن يصير ذلك المصير الإبداعي المضيء ولا أن يحقق كل ذلك المجد الأدبي المستديم حتى اليوم لولا أن معلمه لوي جرمان لاحظ نباهته الباكرة وشغفه بالتعلّم فتعهده بالرعاية الأبوية الحانية وعمل على إقناع جدته البسيطة الصارمة بالسماح له بمواصلة الدراسة، هي التي كانت تريد الطفل أن يغادر المدرسة ويبدأ البحث عن عمل للمساعدة في إعالة الأسرة الفقيرة.
بل إن المعلم جرمان لم يدخر جهدا في إعداد كامو لخوض امتحانات الحصول على منحة دراسية لدخول معهد (ليسي) الجزائر الكبير. وهكذا أتيح للولد الفقير أن يكمل الدراسة الثانوية، ثم يدخل الجامعة، حيث درس الفلسفة وحصل على الأستاذية (ما يعادل الماجستير) بعد إنجاز رسالة عن العلائق بين الثقافتين الهلّنستية والنصرانية من خلال أعمال أفلُوطين والقديس، الجزائري المولد والنشأة، أوغسطين. ويجدر التذكير أنه لم يكن في بلدان المغرب العربي المستعمَرة في ذلك العهد أي مؤسسة للتعليم العالي العصري إلا جامعة الجزائر التي أسست عام 1909. من ذلك أن الكاتب التونسي اليهودي ألبير ممّي، صاحب رواية «تمثال الملح» التي كتب مقدمتها ألبير كامو والكتاب الشهير عالميا «رسم للمستعمَر مسبوقا برسم للمستعمِر» الذي قدم له سارتر، قد سجل لدراسة الفلسفة في جامعة الجزائر بعد إكمال دراسته الثانوية في ليسي كارنو (الذي كان بورقيبة من تلامذته) في تونس العاصمة.

 بينت التجربة في بعض البلدان الأوروبية أن التلاميذ، في شعبة الآداب وما شابهها، يكونون أقدر على فهم الفلسفة والإقبال عليها، بل والشغف بها، إذا ما أتيح لهم أن يدرسوها على مدى عامين أو ثلاثة (من سن 16 إلى 18)

وهكذا فقد حظي كامو، مثل جميع تلامذة المرحلة الثانوية في التعليم الفرنسي، بدراسة مادة الفلسفة التي أحبها إلى حد اتخاذها مجالا للتخصص الجامعي قبل أن تفتح له في حياته الأدبية المستقبلية آفاقا ربما ما كان لينطلق ويجنح فيها لو أنه حُرم امتيازَ هذا التكوين الفكري المتين. ولهذا فقد شفع كامو رائعته الروائية الأولى «الغريب» بمحاولة نظرية عميقة، هي «أسطورة سيزيف» التي كانت بمثابة تأصيل فلسفي لطرحه الروائي عما كان يعتقده من عبث الوجود واستحالة المعنى. وليست قصة نشأة كامو هذه إلا شاهدا من شواهد كثيرة على أن تعليم الفلسفة في الجزائر، وفي عموم المغرب العربي، تعليم راسخ أصيل منذ أكثر من قرن لأسباب لا شك أن الاحتكاك التاريخي بالثقافة الفرنسية هو أولها. ولكن الأمر ليس كذلك في جميع البلدان، حيث إن مادة الفلسفة إجبارية في التعليم الثانوي في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال والنمسا واليونان مثلا، واختيارية في ألمانيا والسويد والدنمارك ودول البلطيق، ولكنها لا تدرّس البتة في بريطانيا وإيرلندا وبولندا وبلجيكا. أي أن ما يصلح لبلد قد لا يصلح لآخر. ولهذا فإن فتح حوار وطني عقلاني في هذا الشأن، مثلما نادت بذلك السياسية المحترمة السيدة لويزة حنون عقب الجدل الذي أثارته الإصلاحات التي أعلنتها وزارة التربية في الجزائر، أمر مشروع، بل ومطلوب في جميع بلدان المغرب العربي.
وإني شخصيا من مؤيدي الرأي القائل بوجوب تعميق تعليم الفلسفة في التعليم الثانوي، بالتوازي مع تقليص نطاقه: التعميق بالنسبة لشعبة الآداب وما شابهها؛ والتقليص، أو التخصيص، بالنسبة لشعبة العلوم والتكنولوجيا وما شابهها. إذ استقر الأمر في تونس مثلا على أن باب دراسة الفلسفة لا يفتح أمام التلامذة إلا في آخر سنة من الدراسة الثانوية (سنة الباكالوريا)، مع ما يحتّمه ذلك من تكديس معظم المباحث، التي يقتضي فهمها سنوات عديدة، في سنة واحدة مضغوطة محمومة، مما يخلف عند معظم التلامذة خوفا من الفلسفة وكرها لها ينبعان من العجز (المتوقع طبعا) عن هضم مسائلها العويصة في وقت وجيز جدا. هذا بينما بينت التجربة في بعض البلدان الأوروبية أن التلاميذ، في شعبة الآداب وما شابهها، يكونون أقدر على فهم الفلسفة والإقبال عليها، بل والشغف بها، إذا ما أتيح لهم أن يدرسوها على مدى عامين أو ثلاثة (من سن 16 إلى 18).
أما بالنسبة لشعبة العلوم والتكنولوجيا، فالأجدر أن يتركز التدريس فيها أساسا على مباحث نظرية المعرفة وفلسفة العلوم، مع مباحث عَمَلية مثل السياسة والأخلاق وأخلاقيات التكنولوجيا الحيوية، لاتصالها بتخصصات التلامذة وفائدتها في ترشيد ممارستهم العلمية مستقبلا بأنوار الأفكار والمُثُل.
٭ كاتب تونسي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *