الرباط ـ «القدس العربي»: عاد ملف دعم استيراد الأغنام إلى واجهة النقاش السياسي في المغرب، بعد إعلان رئيس المجموعة النيابية لحزب «العدالة والتنمية»، عبد الله بووانو، توجه مكونات من المعارضة نحو تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الدعم العمومي الموجه لاستيراد الأغنام خلال السنوات الأخيرة، في الملف الذي بات يُتداول إعلاميًا وسياسيًا تحت مسمى «الفراقشية».
ويأتي هذا الجدل في سياق نقاش مستمر منذ سنوات حول الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المغربية لمواجهة تداعيات الجفاف وتراجع القطيع وارتفاع أسعار اللحوم الحمراء والأضاحي، من خلال فتح باب الاستيراد وإقرار إعفاءات جمركية وضريبية ودعم مباشر لفائدة المستوردين، وهي إجراءات تقول الحكومة إنها استهدفت ضمان تموين السوق الوطنية والحفاظ على استقرار الأسعار، بينما تعتبر أطراف معارضة أن آثارها لم تنعكس بالشكل المأمول على القدرة الشرائية للمواطنين.
«الفراقشية»… من هم؟
ومع تصاعد النقاش حول الملف، عاد إلى التداول مصطلح «الفراقشية»، الذي أصبح أحد أكثر المفاهيم حضورًا في الخطاب السياسي والإعلامي المرتبط بقضية دعم الأغنام.
وفي الأصل الشعبي المغربي، كان مصطلح «الفراقشي» يطلق على لصوص المواشي المحترفين الذين ينشطون في سرقة الأبقار والأغنام من الإسطبلات والزرائب وبيعها بطرق غير مشروعة.
غير أن المفهوم عرف مع مرور الزمن تحولًا دلالًيا ليتجاوز معناه الأصلي، ويصبح تعبيرًا مجازيًا يستخدم لوصف الانتهازية واستغلال النفوذ والبحث عن الربح السريع على حساب المصلحة العامة. وخلال السنوات الأخيرة، أصبح المصطلح متداولًا في النقاشات السياسية والإعلامية المرتبطة بقضايا الفساد واستغلال الامتيازات والصفقات العمومية، كما استعمل في الجدل الدائر حول الدعم الموجه لاستيراد الأغنام، حيث يوظفه منتقدو هذه السياسة للتشكيك في كيفية توزيع الاستفادة من الإعفاءات والدعم العمومي.
انتقادات
وخلال الجلسة العمومية المخصصة للأسئلة الشفهية الشهرية الموجهة إلى رئيس الحكومة المنعقد بالبرلمان، أكد بووانو أن عددًا من المواطنين حُرموا خلال السنة الماضية من أداء شعيرة الأضحية بسبب ارتفاع الأسعار، فيما اضطر آخرون خلال السنة الجارية إلى التخلي عنها نتيجة صعوبة اقتناء الأضاحي أو ارتفاع أثمنتها، داعيًا الحكومة إلى التحلي بمزيد من الشفافية وتكافؤ الفرص وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة واحترام قواعد الحكامة الجيدة.
ودعا بووانو رئيسَ الحكومة إلى توضيح أسباب استمرار غلاء الأضاحي رغم إجراءات الدعم والاستيراد، متسائلًا عن مدى دقة المعطيات والإحصائيات المعتمدة في تدبير هذا الملف، كما طالب بالكشف عن الجهات المستفيدة من الدعم الموجه لاستيراد الأغنام.
دعم الاستيراد !
ويعود أصل هذا الملف إلى الإجراءات التي اتخذتها السلطات العمومية ابتداء من سنة 2023 لمواجهة تداعيات الجفاف المتتالي وتراجع أعداد القطيع وارتفاع أسعار اللحوم الحمراء.
ففي شباط/ فبراير 2023، صدر قرار مشترك بين وزارة الفلاحة ووزارة الاقتصاد والمالية يقضي بوقف استيفاء رسوم الاستيراد المفروضة على الأغنام الأليفة، في خطوة استهدفت تسهيل ولوج الأغنام المستوردة إلى السوق الوطنية.
كما جرى خلال سنة 2024 اعتماد دعم مباشر لاستيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى، حدد في 500 درهم للرأس (حوالي 50 دولاراً)، قبل أن تتواصل إجراءات الإعفاء الجمركي والضريبي عبر مراسيم وقرارات لاحقة تروم تشجيع الاستيراد وضمان وفرة العرض بالسوق.
غير أن هذه الإجراءات ظلت محل نقاش سياسي وبرلماني متواصل، حيث اعتبرت الحكومة أنها ساهمت في تعزيز تموين الأسواق المغربية، في حين ترى أطراف معارضة أن انعكاساتها على الأسعار النهائية ظلت محدودة مقارنة بحجم الدعم والإعفاءات الممنوحة.
كتاب يعيد الجدل
وساهم صدور كتاب جديد لعبد الله بووانو بعنوان «أزمة القطيع الوطني: من دعم الإنتاج الداخلي إلى ريع الاستيراد» في إعادة إحياء النقاش حول الملف داخل المؤسسة التشريعية وخارجها.
ويتناول الكتاب تحليلاً نقدياً لسياسات الدعم الموجهة لاستيراد الماشية خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، حيث يعتبر مؤلفه أن هذه الإجراءات لم تحقق الأهداف المعلنة المرتبطة بحماية القدرة الشرائية وخفض أسعار اللحوم، بل أدت، بحسب قراءته، إلى استفادة فئات محددة من المستوردين.
وقد أثار الكتاب جدلاً داخل البرلمان خلال مناقشة حصيلة الحكومة، عندما طالب رئيس مجلس النواب، رشيد الطالبي العلمي، بسحبه من الجلسة، في حين تمسك بووانو بعرضه، معتبراً أنه يدخل ضمن صميم العمل البرلماني والرقابي، خاصة بعد تعثر مبادرات سابقة لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن دعم استيراد المواشي.