مذكرات شرطي في بيروت: حين يغيب عالم المخفر


من الجميل أن تكون لدينا مذكرات يكتبها شرطي عن تجربته، لأن الشرطي يقف في موقع فريد داخل المجتمع. فهو يرى الناس في لحظات النزاع والخوف والضعف، ويدخل إلى تفاصيل حياتهم اليومية من خلال الشكاوى والمشاجرات والسرقات والمشكلات العائلية، كما يراقب المدينة من موقع مختلف عن موقع السياسي والمثقف. ولهذا يمكن لمذكرات شرطي أن تكون، في الوقت نفسه، سيرة ذاتية ووثيقة اجتماعية وثقافية عن المدينة.
من هنا تأتي أهمية كتاب الروائي اللبناني فوزي ذبيان «مذكرات شرطي لبناني». فالكتاب يروي سيرة المؤلف الذي بدأ حياته شرطيا يعمل في مخفر البسطة في بيروت، في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية في لبنان. وهو مشروع يتيح للقارئ فرصة للاقتراب من حياة الشرطة ومخافرهم، وهي أماكن عادة لا يفضلون الاقتراب منها، وبالأخص في مدن المشرق العربي، في ظل الفساد الذي تعيشه. لكن ما أن نسير مع ذبيان في هذه اليوميات حتى نصاب بشيء من خيبة الأمل، فالمكان الذي يفترض أن يكون مسرح المذكرات، أي مخفر البسطة وحيها والناس الذين يصلون إليه، يتراجع سريعا إلى الخلف، فيما تتقدم الى الواجهة السياسة والجنرالات والميليشيات. ما نعرفه في البداية هو أن الكاتب عمل شرطيا في المخفر بعد تنقله بين عدة مواقع. نتعرف قليلا على بعض صور زملائه، ونسمع عن مواقف سياسية وطائفية وجنسية، مع ذلك، لا نتمكن من أن نعيش معه حياة المخفر.. فنحن لا نعرف بما يكفي كيف يعمل هذا المكان، وما الذي يميزه عن غيره من مخافر بيروت، وكيف يتوزع العمل بين عناصره، ومن هم الناس الذين كانوا يقصدونه، وما أكثر القضايا التي كانت تصل إليه.

وهذه تفاصيل ليست بالثانوية. فربما كانت هذه القصص الصغيرة تقول عن بيروت والمجتمع اللبناني بعد الحرب الأهلية، أكثر مما تقوله الحكايات الكبرى عن الجنرالات والجيش. كان يمكن لاستحضار بعض التفاصيل عن المحاضر الشرطية، أو طريقة تقديم وتسجيل الشكاوى، أن تقدم مادة شديدة الأهمية عن المجتمع. فالمخفر في النهاية هو المكان الذي تصل إليه المشكلات الصغيرة قبل أن تتحول إلى قضايا كبرى، مثل خلافات الجيران، والمشكلات العائلية، السرقات، المشاجرات، العنف، والمشكلات المرتبطة بالفقر والعمل والسكر. وهذه الوقائع اليومية هي التي تمنح المدينة وجهها الاجتماعي. لكن هذه القصص في مذكرات ذبيان تكاد تختفي. وحتى عندما يتذكر الكاتب بعض التفاصيل، يبدو أحيانا بخيلا في استدعائها. ومن هنا تأتي واحدة من المفارقات في المذكرات، فنحن أمام شرطي، ولدينا مخفر، ولدينا مدينة، ومرحلة شديدة التعقيد (الحرب الأهلية اللبنانية)، لكن عالم المخفر نفسه في الخلفية.
في المقابل، ينجح ذبيان في التقاط صورة مهمة من تداخل السياسة مع جهاز الشرطة. يظهر الانقسام الطائفي والسياسي بوضوح، وتبدو الشرطة جزءا من البيئة السياسية التي خرجت منها الحرب الأهلية. يتحدث عن الجنوب وعن علاقة الشرطة بحزب الله اللبناني، وعن الحدود التي لم يكن مسموحا للعناصر تجاوزها، كما يرسم صورة لجهاز منقسم سياسيا وطائفيا، إذ لا يكاد يخلو مكتب ضابط من صورة لأحد القادة السياسيين، من نبيه بري إلى رفيق الحريري. صحيح أن جهاز الشرطة في لبنان لا يمتلك وحده القرارات، وأن هناك مؤسسات وأجهزة وقوى سياسية وأمنية أخرى تتداخل في إدارة الشأن العام وتؤثر في عمله. لكن هذا تحديدا يجعل تجربة الشرطي أكثر أهمية، لا أقل. فاذا كانت صلاحياته محدودة، فكيف كان يعمل داخل هذه الحدود. ولعل المذكرات كانت بمثابة فرصة ثمينة للإجابة عن هذا السؤال وغيرها من الأسئلة، حتى لو كان الشرطي لا يمتلك القرار النهائي. فهو وإن لا يستطيع اتخاذ القرار النهائي في بلد مثل لبنان، يظل شاهدا على كيفية صناعة القرار، وعن القوى التي تتدخل فيه، وعلى المشكلات التي تصل الى مؤسسات الدولة ثم تصطدم بحدودها.

البحث عن الجنرال أم عن الناس؟

ينشغل ذبيان بحياة جنرالات السياسة وميليشياتهم في المدينة، وهذا الانشغال مفهوم، ومغر سرديا. وهو يعيد إلى الذاكرة بعض أجواء أعماله الأخرى عن الضاحية الجنوبية والبحث عن «أورويل». لكن البحث وراء الجنرال، مهما كان جذابا يظل بحثا عن السلطة. أما السيرة الذاتية فكان يمكن أن تمنحنا شيئا آخر وهو حياة الناس. كان يمكن أن نرى في مذكرات الشرطي بيروت من داخل المخفر، وليس من مكاتب السياسيين ومواقع الميليشيات بالضرورة. نرى المدينة في مشكلاتها الصغيرة، في لغتها، في نزاعاتها، وفي الطريقة التي تعامل بها سكانها مع الشرطة. رغم أنه لا تخلو بعض الصفحات من لفتات ذكية. اذ نجد الناس في بعض الصفحات يظهرون بعيون الشرطة بوصفهم «حميرا”. وهذه اللغة ليست مجرد تفصيل عابر، بل يمكن أن تكشف طبيعة العلاقة بين رجل الشرطة والمواطن، وكيف تنظر المؤسسة إلى الأشخاص الذين يفترض أن تكون مهمتها حمايتهم وخدمتهم. وتتكرر الشتائم في لغة العناصر ، بما يوحي بأن اللغة نفسها جزء من ثقافة المخفر. فقاموس الشرطة هنا يستحق أن يقرأ بوصفه جزءا من الحياة المهنية، وليس مجرد ألفاظ بذيئة. مع ذلك تبقى هذه التفاصيل في المذكرات شذرات أكثر منها سرداً واسعا عن هذا العالم.

الذاكرة التي ابتلعت المخفر

ربما تكمن الملاحظة الأساسية في أن ذبيان لا يكتفي بأن يكون شرطيا في مذكراته، بل يريد في الوقت نفسه أن يكون مثقفا وروائيا ومراقبا للسلطة ومفسرا للمجتمع، وهذا حق مشروع له. لكن تعدد هذه الأدوار جعل التجربة الأصلية تتراجع. كان يمكن له أن يقول لنا ببساطة، هذا ما رأيته في المخفر، وهؤلاء هم الناس الذين التقيتهم، وهذه المشكلات التي واجهناها، وهذا ما كان يستطيع الشرطي فعله. كان يمكن أن يترك هذه التفاصيل تتراكم، ومنها يولد المعنى السياسي والاجتماعي. فالشرطي كما ذكرنا يمتلك مادة لا يمتلكها الآخرون، وهي محاضر الناس وحكاياتهم الخفية. من مشاجرات، وشكاوى، وعلاقات سرية، وخوف، وفقر، وكل ما يصل إلى المخفر، ونادرا ما يصل إلى كتب التاريخ.
ولهذا تبدو «مذكرات شرطي لبناني» فرصة مهمة، لكنها فرصة لم تستثمر بالكامل. إذ كان يمكن لها أن تكون كتابا عن بيروت من داخل مخفر البسطة، أن نعرف المدينة كما تظهر من خلال دراجة نارية أو سيارة شرطة، وأن نفهم الدولة من خلال علاقتها بالمشكلات الصغيرة. وربما لهذا يبقى السؤال الذي بدأت به قائما حتى الصفحة الأخيرة، أين عالم المخفر في هذه المذكرات؟

كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *