تأملات من وحي الهامش في «مقهى موكا»


انسجاما مع طبيعة النص الرحلي التي ترتكز على التقاط ما هو مختلف وغير مألوف، وعبْر المئة وأربعة عشر مقطعا التي صاغ فيها يوميات رحلته، عمل الشاعر وعالم اللاهوت الألماني راينهار دكيفر في كتابه «مقهى موكا تأملات في أكادير» (ترجمة محمد خلوق 2013) على التقاط مشاهد مثيرة بالنسبة له كسائح ألماني أثارته أغلبها في مقهى موكا، الذي اتخذه مكانا لرصد الظواهر المغربية المثيرة والتأمل فيها، ظواهر تتعلق بالأماكن والأشخاص المهمشين والأفعال المثيرة والنباتات والأشياء المهملة، وذلك بنفس شاعري، قائم على اقتصاد لغوي ملحوظ.

في ما يخص الأشخاص ركز الكاتب على بعض النماذج الاجتماعية المغربية اللافتة لعين الأجنبي، ممن احتك بهم مثل المتسولين والباحثين في القمامة والمتسكعين والمرشدين السياحيين وماسحي الأحذية وذوي العاهات والباعة المتجولين والخادمات، ممن يعيشون في الهامش وويعاني أغلبهم لكسب قوتهم اليومي، وممن يزعج سلوكهم ووضعهم السائح والمقيم. كما سلّط الضوء على ظاهرة استقرار بعض الأوربيين في مدينة أكادير وكشف عن أنشطتهم وما أدخلوه إلى البلد من ممارسات، وقام بعرض سير لبعضهم.
حظيت الأشجار كذلك باهتمام لافت من قبَل الكاتب بوصفها عنصرا مهما في البيئة ذا فائدة كبيرة على الإنسان، ولا سيما في المدن، وأهم ما أثاره فيها أشجار الموز والنخيل، ولا سيما الأخيرة التي غزت شوارع الكثير من المدن المغربية بشكل لافت فاق كل الأشجار الأخرى، نظرا لقدرتها الفائقة على تحمل تقلبات الطقس، وكذلك بما تمثله من قيمة رمزية بالنسبة للثقافة المغربية.
لم يخف الكاتب التعبير عن وعيه بحقوق الحيوان، إذ لفتت انتباهه وضع بعض الحيوانات في تنقلاته عبر المدينة، ولاسيما القطط المتسكعة التي لا تخلو منها أزقة المدن وشوارعها، فصارت عنصرا مهما في تأثيثها، وأيضا الديكة التي تتعرض للذبح في الأسواق. وهي مشاهد بدت غريبة بالنسبة له، واعتبرها حماقات وأفعالا بشعة استنكرها بشدة وحمّل المسؤولية للإنسان الذي كان وراءها.

وبوعي بيئي حاد التقط الرحالة جملة من الأشياء التي لا يمكن أن تفوتها أعين متأمل قادم من ثقافة تحترم البيئة، أشياء تعاني الإهمال في المغرب، على الرغم من حضورها اللافت في المدن، وتأثيرها على نظافتها وتلطيخ صورتها، لكنها تفرض حضورها بقوة وتزعج السائح وابن البلد مثل الحُفر المنتشرة في الشوارع، والقطع البلاستيكية المتطايرة، والمناديل المرمية، بغية وضع اليد على غياب الحس البيئي لدى فئة عريضة من المغاربة ولا مبالتهم تُجاه البيئة ونظافة المدن.
وبما أن الرحلة تفرض، بحكم طبيعتها، التنقل بين جملة من الأماكن، فإن الكاتب سمح بحضور عدة أماكن ارتادها، أو مرّ عابرا بالقرب منها، سواء في مدينة أكادير كالفنادق والمقاهي والقصور والمقابر، وما يجري فيها من أفعال ومشاهد غذت فضوله، أو في ضواحيها، حيث فضل الإقامة، بأولاد تايمة وتارودانت. أماكن كانت بالنسبة له فضاء للالتقاط اللافت والطريف من الواقع المغربي، كما احتضنت تأملاته في المكان والناس والأشياء والوجود.
انسجاما مع كون الرحلة مجالا لرصد المختلف، أثارت الكاتب مجموعة من الأفعال المثيرة، عمل على التقاطها باقتصاد كبير كالاحتفالات، وطرق تسول ذوي العاهات وتسول النساء بالأطفال وغيرها من الظواهر الاجتماعية المثيرة التي يؤكد بعضها على الخصوصية الثقافية المغربية، ويخدش بعضها الآخر صور المدن المغربية. وهو ما دفع الكاتب إلى تضمين الصور الملتقطة جملة من التساؤلات والتأملات في بعض أفعال الإنسان، لأن الكاتب اتخذ من يومياته الرحلية الشذرية هذه فسحة للتأمل في ما يُشاهد ويلتقط وما يسمع حوله من أماكن وأحداث وأفعال تبدو له غير عادية وباعثة أحيانا على الدهشة.

وإخلاصا لكون الرحالة عادة ما يستنفر كل حواسه لالتقاط المختلف في الأماكن الجديدة التي يتنقل فيها، والتي تكون طبعا في البلدان البعيدة جغرافيا والمختلفة عن بلده ثقافيا، لا سيما حينما يصعب التواصل معها بواسطة اللغة، لجأ الرحالة راينهارد كيفر إلى حواسه التي يعتقد أنها لا تخطئ، خاصة السمع والشم والبصر وجعل منها نوافذ مكّنته من الاتصال الحسي بالواقع المغربي، بما يطفح به من ظواهر، فالتقط الكثير من الأصوات والروائح والمشاهد المثيرة واللافتة.
تفاعلا مع مشاهداته التي تعوّد حضورها في تنقلاته، عمل على تحويل بعضها إلى حكايات، بل هي حكايات وخرافات تأتيه وتعبُر خياله في جلساته وجولاته ومشاهداته وتأملاته. ودفعته إلى تقديم تصورات على شكل أحلام يقظة، لما يمكن أن يكون عليه العالم انطلاقا مما توحي به الأساطير والحكايات بحثا عن إمكانات أخرى للوجود، كل ذلك في إطار مسعى وهو العمل على جمع الصور المتفرقة استحضارا لعالم الممكن عالم الحلم.

تبدو يوميات الألماني راينهارد كيفر أيضا رحلة في الثقافة المغربية بشكل خاص والثقافة العربية الإسلامية بشكل عام؛ إذ حاول أن يقدم عبْرها قراءة في هذه الثقافة انطلاقا من تجلياتها وتحقّقاتها التي تواجه الرحالة خلال جولاته وتنقلاته في مدينة أكادير وضواحيها، على مستوى لباس ساكنتها وعاداتهم في الكلام والتصرف والعمل والاحتفال والحزن وصباغة أبواب منازلهم وتعاملهم مع بعضهم بعضا ومع البيئة وغيرها من الظواهر التي بدت له مفاتيح للخصوصية الثقافة المغربية.
اعتمد الرحالة في تلفيظ مشاهداته وتأملاته هذه لغة تعبيرية قريبة من التأمل الفلسفي في إشكالات الحياة والموت والألم والسعادة والفرح وغيرها من القضايا الميتافيزيقية المستعصية، التي تحير الإنسان وتؤرقه، وهو ينظر في ذاته من خلال مرآة الآخر المغربي المختلف معه ثقافيا وحضاريا، والشبيه له في الآن ذاته في تقاسم جملة من المشتركات الإنسانية تهم الأحاسيس والانفعالات تُجاه الذات والآخر والأشياء والعالم. كما استدعى الكثير من الكتاب والمفكرين مثل كانيتي وريلكه وإرنست بلوخ، وفيخته.

كاتب مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *