التخييل وما في نسيج الرواية


حيوية النصّ.. سيرورة النقد

منذ نهايات التسعينيات ومرورا بسنوات الألفية الجديدة، لا يمكن للمتتبع أن يخطئ أن ثمّة حيويّة تطبع الإنتاج الروائي المغربي كمّيا وكيفيّا. فمن جهة أولى، صدرت مئات العناوين الروائية بلغاتٍ مختلفة، وإن كان أكثرها نسبة وأدعاها للنظر ما كُتِب باللغة العربية تحديدا، لأسبابٍ تاريخية وسوسيوثقافية صرف. ومن جهة أخرى، قياسا إلى تعدُّد المساهمين في الإنتاج الروائي ومشاربهم ومهنهم الوظيفية، رجال فكر، مؤرخين، حقوقيين، أطباء، إلخ، أخذت نصوص الرواية المغربية المعاصرة تغتني بأفكار متنوعة وتراثات محلية وثقافية ومُتخيّلات وافدة، ومن جغرافيّاتٍ كانت إلى وقت قريب هامشا، وهو ما صار يُمثّل خريطة طريق جديدة، وميلاد جيلٍ سرديٍّ مغاير ينحدر من رؤى وحساسيات ومراجع كتابية متعددة، تواصل ـ ذكورا وإناثا- ما كتبه المؤسسون وتعمل على تطويره والرقي به من نواحٍ فكرية وجمالية مائزة تُسائل مدارات الذات والهوية والتاريخ والشعور بالانتماء.
ومثل هذه الحيوية، أو هذا التراكم كمّا ونَوْعا، الذي يشبه معتركا أو محفلا لصراع القيم والأساليب والأوفاق الجمالية، قد فرض نفسه على مجتمع الأدب وسوق الكتب، وإغوائه على المعالجة السينمائية والدراماتورجية، وعلى دور النشر المغربية والمشرقية على السواء، وعلى الشعراء أنفسهم. مثلما فرض سطوته على النقد الأدبي، على نحو ساهم في تأسيس خطاب نقدي روائي قطع مع مدونة الانطباعات والظروف الخارجية، فيما يتوجه إلى نقد النصوص المحلية والوطنية، ويصغي لهسيس الهوامش والأطراف البعيدة التي تستلهم تواريخ ومنحدرات وعي منسي ولا مفكر فيه، بالقدر الذي يحلل ما فيها من إضافات نوعية على صعيد لغة السرد والشكل الروائي، وطريقة بناء الشخصيات، أو على صعيد التخييل السردي الذي انتقل من التركيز على الموضوعات والأحداث، أي على المحكي في حد ذاته، إلى منظور أرحب يهتمّ بالاشتغال على اللغة ويروم إنتاج المعرفة بالذّات والمجتمع والآخر.
ضمن سيرورة النقد الجديد، يواصل الباحث الأكاديمي مصطفى النحال رصد جماليات الرواية المغربية المعاصرة وتتبّع ملامحها الفنية التي ترتبط بفهم آليات الكتابة وبناء المتخيل السردي، وفي هذا السياق صدر له «لعبة المحكي في السرد المغربي- نحو خطاب نقدي منفتح» (منشورات سليكي أخوين، طنجة 2024). يتوسل بمنهجٍ في المقاربة يجمع بين التحليل المحايث للنصوص الروائية من أجل إبراز مُكوّناتها وبنياتها السردية والوصفية، وبين الدلالة التأويلية التي تربِط هذه البنيات والمكونات بالأبعاد الثقافية والاجتماعية والأيديولوجية، التي تسمح بها القراءة، على نحو ما يمنح الأهمية للوضع الاعتباري لآليات التخييل السردي المنتجة للدلالة وللمعرفة.

التشخيص/ التخييل

يركز الناقد على مسألة التشخيص الروائي للغة أو للغات، ليس لأنه يعدّ أحد العناصر التكوينيّة للخطابِ الروائي، بل لأنّه هو «أساس أيّ تنويع كلامي وأسلوبي داخل الرواية»، وهو ما يسمح لها باحتضان أيّ لغة جديدة أو محتملة تتساوق مع تحوّلات الراهن المتغيرة والمتجددة باستمرار، ويكشف مرونتها اللامحدودة في استيعاب مختلف الأجناس التعبيرية الأدبية وغير الأدبية، ومعها لغاتها الخاصة وطرائقها التعبيرية المتخلّلة. فالتشخيص في جوهره يعكس فكرا روائيّا للغة يتمظهر في حواريّة هذا الجنس، وفي وعي الكاتب بتاريخ اللغة التي يستعملها والمتخيل الذي يُحمّلها إياه. وهذه الحواريّة كما نحتها ميخائيل باختين، تتحقّق بفضل آليات التهجين والأسلبة والمحاكاة الساخرة. بيد أن هذا التشخيص الروائي ـ في نظره- لا يتمّ خارج عملية التخييل la fiction.
بعد نقد التخييل (الخيال/ المتخيل) داخل دائرته الاصطلاحية القديمة (أرسطو) والحديثة (جان ماري شايفر، كيت هامبورغر، أمبرتو إيكو)، ورفعا لكل التباس نظري أو سوء فهم واستعمال يكتنفه، ينزع إلى أنّ الرواية هي قبل كلّ شيء عمل تخييلي، وأنّ هذا التخييل يظل منفتحا على احتمالات لا نهائيّة تتجاوز علاقته بأثر الواقع، ومثل هذا الافتراض هو ما يجعل الجنس الروائي في تطور دائم ويشقّ علينا التكهن بجميع إمكانيات تشكُّل عالمه الفني- الكتابي.
يقف الناقد مصطفى النحال عند بعدين رئيسين من أبعاد التخييل، أثناء دراسته لمتن النصوص الروائية المنتقاة؛ يتعلّق الأمر بتخييل التاريخ والتخييل الذاتي المتشظّي ضمن التاريخ نفسِه. وهو لا يقصد بهذا التاريخِ التاريخَ العام بما هو مادة خامّ لكتابة الرواية، أو ما يُعرف بالرواية التاريخية التي يلتبِس فيها النوع الروائي بوصفه عملا تخييليّا مع التاريخ لكونه حقائق ووقائع مستقرّة عن الماضي البعيد أو القريب، بل المقصود عنده هو ما يمكن أن يُطلق عليه «تخييل التاريخ» القريب؛ وهو في غالبِ الأحيان «تاريخٌ بخلفية سياسية وأيديولوجية تتصل بسنوات الرصاص وفترة الاعتقال السياسي والتعذيب التي تستمرّ آثارها المادية والمعنوية إلى اليوم، ليس فقط على شخوص الرواية، وإنما كذلك على الكُتّاب الروائيين أنفسهم». وهكذا نكون بصدد التخيل التاريخي في مقابل التخييل الذاتي، ولكلّ منهما وضعه واعتباراته في ميزان النقد.
فمن جهة، عَمِل التخيُّل التاريخي على رفع الالتباسِ الذي خلقه مصطلح «الرواية التاريخية»، وحفز الخطاب النقدي الذي يدرس النصوص السردية المُسْتلهِمة للتاريخ إلى تخطي مشكلة الأنواع الأدبية وحدودها ووظائفها، بحيث بات يفكك ثنائية الرواية والتاريخ التي تفترض نوعا من التّطابق، وبالتالي يعيد دمجهما في هوية سردية جديدة فلا يرْهَن نفسه لأي منهما؛ وهذا ما أخذ تنقل الكتابة السردية من موقع جرى تقييد حدوده النوعية، إلى تخوم رحبة للكتابة المفتوحة على الماضي والحاضر.
ومن جهة ثانية، أمسى التخييل الذاتي بدوره يزحزح كثيرا من اليقينيات التي علقت بالكتابة عن الذات خلال العقود الأربعة الأخيرة. فمنذ اقتراحه من طرف سيرج دوبروفسكي، لقي نجاحا في الأوساط النقدية لكوْنه ساهم بشكل كبير في إيجاد حلّ لمشكلة إضفاء التخييل على التجارب الشخصية، ولا سيّما تلك الكتابات السردية ذات الخلفية السيريّة، بينما هي ليست سِيَرا ذاتيّة بالمعنى التقني للمصطلح. فالتخييل الذاتي نوع من التركيب بين السيرة الذاتية والتخييل، فيصير «تحويلا تخييليا للسيرة التي لا ترغب في تعيينها الأجناسي باعتبارها سيرة، أو لا يدري صاحبها أنّ نواياه في إخفاء ملامح من حياته تخونها اللغة». وبالتالي، لا يمكن التعامل مع هذا التخييل باعتباره جنسا أدبيّا له قواعد صارمة تعمل على تحديد مقروئيته وخلق أفق انتظار وتوْجيه القراء. إنه شكل مفتوح على الذات الكاتبة والذات المتخيَّلة في آن، يغتني بدوره من المتخيَّل الذي يتخلق بوصفه آلية سيميائيّة ونصيّة داخل الخطابِ الروائي في تفاعله مع الموسوعة والواقع والمرجع، أو النص والعالم المحيط به، علاوة على السياق السوسيوثقافي للرواية بشكل عام.

جماليات الرومانيسك

بناء على هذا المنظور النقّدي المنفتح للتخييل الروائي، يقارب الناقد نماذج روائية مغربية مختلفة الأجيال والتجارب، باعتبارِها مجتمعا سرديّا، أو هي ـ في مصطلح آخر- بمثابة رومانيسك Romanesque، تنتقل فيه مختلف البنيات والشخوص والأنساق الغيريّة من أطرها المرجعية لتصير مكونات جماليّة؛ فرواياتٌ مثل: «وجوه» لمحمد شكري، و»أوراق» لعبد الله العروي، و»علبة الأسماء» و»العين القديمة» لمحمد الأشعري و»موت مختلف» لمحمد برادة، و»أرانب السّباقات الطويلة» للميلودي شغموم، و»جيرترود» لحسن نجمي، و»الهديّة الأخيرة» لمحمود عبد الغني، و»قط أبيض جميل يسير معي» و»طائر أزرق نادر يحلّق معي» و»فرح» ليوسف فاضل، أو في نظيراتها باللغة الفرنسية مثل: «السعادة الزوجية» للطاهر بن جلون، و»قضية سروال داسوكين الغريبة» لفؤاد العروي، يحضر فيها الرومانيسك باعتباره عالَما روائيّا غنيّا ومفتوحا على المعرفة. فالرّومانيسك كما يُقاربه الناقد في هذه النصوص السردية يشكل معطى إنسانيّا كونيّا وطبيعيّا، وبالتالي فهو يجسّد «الرّؤية للعالَم» التي تصدر عن كلّ مجتمع على حدة، خلال مرحلة معيّنة من تاريخه..
ومن هذا المنظور، يدخل في باب الرومانيسك كلّ تخييل تتجلّى فيه معظم الملامح والسمات الآتية: ميل نحو الأهواء العاطفية و/أو المغامرات؛ ميل نحو الغلوّ وأسلوب المبالغة في توصيف الشخوص؛ حضور مانويّ قويّ (جيرترود، السعادة الزوجية)، أو على الأقلّ أكسيولوجيا تميل إلى طرفي النقيض (كما هو الشأن في رواية السعادة الزوجية)، الإفراط؛ مراكمة المشاهد والتقلبات (علبة الأسماء، قضية سروال داسوكين الغريبة)؛ وأخيرا التفاوت الموجود ما بين الطابع الاحتمالي للشخوص والأفعال، والطابع المتحقق والواقعيّ للعالم المشخَّص (علبة الأسماء). ففي هذه الرّوايات وغيرها ـ كما يذهب إلى ذلك- يحضر الرومانيسك باعتباره تماهيا للعواطف والانفعالات والأهواء والأقوال التي تصدر عن الشخوص. ولا يمكن أن نعتبر السرد روائيّا إلا حين يلتقي فعل التشخيص السردي لهذه العواطف والأهواء بالأهواء والعواطف المشخصَّة. فلا يكفي، إذن، أن يكون التشخيص مركزا على الحياة الداخلية الفردية للشخوص، ولا أن تكون المحفزات الذهنية الملائمة لحكاية ذات طبيعة عاطفية وليست فكرية (أي أن تكون الشّخوص مأخوذة بالهوى والعواطف). ينبغي كذلك أنْ تكون وضعية السارد «متناغمة» مع وجهة نظر الشخوص.
إنّ الرواية ليست تخييلا وحسب، أو هي تكتفي بمحاكاة الواقع، بقدر ما أنّها تُحاكي تمثّلنا للواقع، وقد تساهم في تغيير هذا التمثل، وتساهم حتى في تغيير معرفتنا به، وفق آلية طبيعية تتجلّى في علاقة التماثل البشرية. وبناء على هذا المنظورِ، فإنّ هذه العلاقة تُقام بين النموذج التخييلي نماذجنا «الجدّيّة»، ولا تتمّ مباشرة بين عالم التخييل والعالم الواقعي. فمن خلال قوّة إسقاطه التماثلي، يعمل التخييل ويُؤثّر، خارج علاقة إعادة الإنتاج، وبالتالي فإنّ النموذج التخييلي قادرٌ ليس على أن يكون نموذجا للواقع وحسب، بل أن يكون كذلك نموذجا مُضادّا للواقع.

كاتب مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *