الرباط – «القدس العربي»: دخلت الأزمة الممتدة بين قطاع المحاماة في المغرب ووزارة العدل مرحلة جديدة أكثر تعقيداً عقب قرار جمعية هيئات المحامين الاستمرار في مقاطعة المهام القضائية والتوقف عن تقديم الخدمات المهنية، وذلك بالرغم من صدور القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة في الجريدة الرسمية ودخوله رسمياً حيز التنفيذ.
وجاء هذا القرار عقب اجتماع استثنائي ماراثوني لمجلس الجمعية امتد حتى ساعات متأخرة من الليل، ليعقبه اجتماع للمكتب المهني الذي قرر مواصلة التوقف عن تقديم الخدمات المهنية. واستندت التوصية الموجهة إلى المكتب إلى غلبة التدخلات الرافضة للعودة إلى المحاكم في الوقت الراهن؛ إذ اعتبرت أن الاستمرار في الإضراب المفتوح هو ورقة الضغط الأخيرة المتاحة للمطالبة بمراجعة المقتضيات الخلافية، وذلك رغم وجود أصوات دعت إلى التهدئة وتغليب خيار الترافع المؤسسي بعد أسابيع طويلة من التصعيد.
ويأتي موقف مجلس الجمعية منسجماً مع أصوات قطاع واسع من المحامين، لا سيما فدرالية جمعيات المحامين الشباب التي أعلنت بدورها تمسكها بمواصلة التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية وتعليق العمل بالمساعدة القضائية، مجددة رفضها للقانون الجديد. ولم تكتفِ الفدرالية بذلك، بل دعت إلى مقاطعة الانتخابات المهنية المقبلة، وطالبت بعقد جموع عامة استثنائية في مختلف الهيئات، معتبرة أن المرحلة تستدعي الانتقال إلى أشكال جديدة من التصعيد وتنويع أدوات الاحتجاج.
في المقابل، وجّه النقيب السابق عبد الرحيم الجامعي رسالة إلى جمعية هيئات المحامين والنقباء والمحامين والمحاميات، دعا فيها إلى إنهاء التوقف والعودة إلى العمل، معتبراً أن هذا الخيار يمثل «قراراً ناضجاً وليس هزيمة». واعتبر الجامعي أن استمرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية «أصبح دون أفق»، ولم يعد الأداة الحاسمة القادرة على تغيير القانون، محذراً في الوقت نفسه من أن استمرار هذا الوضع قد يهدد وحدة الجسم المهني ويفتح الباب أمام الانقسام والمزايدات.
وكان المرسوم التنفيذي للقانون رقم 66.23 قد صدر في العدد رقم 7536 من الجريدة الرسمية بتاريخ 20 آب/أغسطس الجاري، بناءً على الظهير الشريف رقم 1.26.75، وذلك بعد مرحلة مفصلية شهدت تعثر بث المحكمة الدستورية في الإحالة الموجهة إليها لبحث مطابقة القانون للدستور بسبب اختلالات مسطرية طالت عملية الإحالة نفسها، وهو ما حرم الجسم المهني من حسم دستوري لمضمون النص التشريعي.
وتعود جذور الأزمة إلى رفض أبدته الهيئات المهنية تجاه الصيغة النهائية للقانون، والتي اعتبروا أنها تمس بالاستقلالية التاريخية لمهنة المحاماة، وتمنح السلطة الحكومية المكلفة بالعدل صلاحيات واسعة في مجالات التكوين والتأديب والولوج إلى المهنة، إلى جانب اتهام وزير العدل عبد اللطيف وهبي بالتراجع عن التوافقات السابقة. وفي المقابل، تمسكت الوزارة بالمشروع باعتباره جزءاً محورية من ورش إصلاح منظومة العدالة وتحديث أداء المهن القانونية. ومع تصاعد حدة الخلاف بين الطرفين، انتقل الملف إلى مرحلة المواجهة المفتوحة؛ إذ نظم المحامون وقفات احتجاجية وتوقفات جزئية عن العمل مع وضع شارات احتجاجية، قبل الانتقال إلى إضرابات شملت مختلف محاكم المغرب. ومع استمرار المسار التشريعي للقانون داخل البرلمان، تصاعدت وتيرة الاحتجاجات لتشمل مقاطعة عدد من الخدمات المهنية، واعتصامات، ووقفات مركزية وإقليمية، وصولاً إلى إضراب مفتوح يُعدّ من أطول الأشكال الاحتجاجية التي عرفها قطاع المحاماة خلال السنوات الأخيرة.
وفي غضون ذلك، بدأت انعكاسات الشلل القضائي تثير قلقاً حقوقياً واسعاً، بعدما دخلت منظمات حقوقية على الخط محذرة من تضرر مصالح المتقاضين وتأخر البت في القضايا، لا سيما الملفات الاجتماعية وقضايا الأسرة والمستفيدين من المساعدة القضائية. وأكدت هذه الفعاليات أن الأزمة تجاوزت حدود الخلاف المهني الصرف لتلقي بظلالها على السير العادي لمرفق العدالة وحقوق المواطنين.