مبالغة ترامب في التنمر على إيران وكندا تُفقر الأمريكيين أيضا


لندن- “القدس العربي”: قالت صحيفة “الغارديان” في تعليق لها على الحرب التجارية التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب والعقوبات الإقتصادية الشاملة ضد إيران والتدخل في سوق السندات بأن “البلطجية يفرطون في استخدام قوتهم. وكلها تظهر رئيسا يستخدم القوة الأمريكية كسلاح في وقت يُفقر فيه الأمريكيين في بلادهم”.

وقالت الصحيفة إن هذه الخطوات الثلاث في الأسبوع الماضي كشفت عن حدود التنمر الاقتصادي الذي يمارسه ترامب.

فقد فرضت الولايات المتحدة تعرفات جمركية بنسبة 50% على سلع كندية أخرى بقيمة 20 مليار دولار، ثم هددت بفرض النسبة نفسها على السيارات والشاحنات وقطع الغيار والصلب التي تعتمد عليها الشركات الأمريكية.

وفي يوم الاثنين، هدد وزير الخزانة، سكوت بيسنت، شركاء إيران التجاريين بالاستبعاد من الشبكة المالية الأمريكية، على أمل أن يحقق التعاون ما عجزت عنه شهور من الحرب. ومع ارتفاع عوائد السندات الأمريكية نتيجة تكاليف الحرب والتعرفات الجمركية والتخفيضات الضريبية التي تفيد أصحاب المليارات، تدخلت وزارة الخزانة لكبح جماح أسعار الفائدة طويلة الأجل.

وتعتقد الصحيفة أن هذه ليست سياسات متناقضة، بل هي مقامرة، واستخدام القوة الاقتصادية الأمريكية كسلاح بشكل متكرر دون تقليل رغبة الآخرين في الاعتماد عليها.

وأشارت إلى أن عقوبات إدارة ترامب، التي وصفت بـ”يوم النصر”، الأكثر خطورة على الأرجح، لأنها تكشف زيف النفوذ المالي الأمريكي، فبينما تجاهلت الأسواق التهديد المباشر، قد يتغير هذا الوضع إذا استهدفت الولايات المتحدة مصفاة نفط أو بنكا صينيا رئيسيا. فمثل هذا التصعيد قد يشعل حربا تجارية مع بكين.

وتمتلك الولايات المتحدة نفوذا، لكن الصين لديها نقاط ضغط، لا سيما لدى المزارعين في الولايات الأمريكية وأغلبيتهم من الجمهوريين، بشكل سيجعل استخدام هذا النفوذ مكلفا.

وقالت الصحيفة إن هناك ثمنا يجب دفعه على المدى البعيد، حيث تحتفظ الدول بعملات بعضها البعض جزئيا لثقتها في العلاقات السياسية، وعليه يختبر ترامب ما سيحدث عندما تنعدم هذه الثقة.

وتعد التحركات الرامية للسيطرة على سوق السندات الأكثر دلالة، وليس هناك جديد في إدارة واشنطن للعوائد: فقد كان بإمكان الاحتياطي الفدرالي شراء سندات الخزانة منذ زمن طويل، ولكن الجديد هو قيام بيسنت بذلك علنا للتعامل مع تداعيات السياسات الفاشلة. ولكن ترامب هو من يتحمل مسؤولية ذلك: فتعريفاته الجمركية ترفع تكاليف المدخلات فيما رفعت حربه على إيران تكاليف الطاقة وأدت لا مبالاته إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية في أمريكا بشكل لم يعد يطمئن احدا. وقالت الصحيفة إن هذا المزيج عامل في ارتفاع توقعات التضخم وارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل، ومن هنا تدخل فريق ترامب لمنع ارتفاع أسعار الفائدة.

وقالت الصحيفة إن الرئيس مستعد لاستخدام سلطة الدولة لخفض تكاليف الاقتراض مع رفع تكاليف أخرى عبر الرسوم الجمركية والحرب وتقليص برامج الرعاية الاجتماعية. ويريد بيسنت وقف ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل التي تغذي الاستثمار وفاتورة فوائد ديون واشنطن.

والسؤال الأهم لبيسنت هو: لماذا حماية الأسواق من عواقب تصرفات ترامب، دون حماية الأسر؟

وتعتقد الصحيفة أن الحرب التجارية مع كندا هي حماقة اقتصادية وشرعية مشكوك فيها. ففي عام 2025،  أدت رسوم ترامب الجمركية إلى زيادة ضريبية متوسطة بـ1000 دولار لكل أسرة أمريكية. وتخضع أكثر من ربع الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة الآن لرسوم جمركية كبيرة أو مهددة برسوم أشد، حيث لم يبدأ رد أوتاوا بعد، بل سيأخذ مجراه في أيلول/سبتمبر، ولأنه تم تنظيم الإنتاج في أمريكا الشمالية حول هذه التدفقات التجارية، فستجعل الرسوم الجمركية التصنيع الأمريكي أكثر تكلفة، لا أقل.

لماذا كندا؟ وتجيب “الغارديان” أنه مع تخلي واشنطن إلى حد كبير عن محاولة تغيير النموذج الاقتصادي الصيني، فإن كندا تعتبر هدفا سهلا. ولا شك أن روبرت رايش، كاتب العمود في صحيفة “الغارديان” محق: فترامب يستهدف جارا صديقا لأن هذا ما يفعله المتنمرون.

وعلقت “الغارديان” أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، فالقوة الاقتصادية الأمريكية تعتمد على رغبة الدول الأخرى في البقاء ضمن نظام تهيمن عليه الولايات المتحدة. ويعتقد ترامب أن اعتمادهم عليه هو سلاحه، لكن كلما استخدمه ضدهم، كلما ازدادت حاجتهم إلى البحث عن مخرج.

وعلقت صحيفة “فايننشال تايمز” في افتتاحية مشابهة، قائلة إن حرب ترامب ضد إيران لديها “مشكلة صينية”، فالولايات المتحدة لا يمكنها عزل طهران بشكل كامل طالما لم يتعاون الشركاء التجاريون معها. وأشارت إلى أن “يوم النصر” الذي أعلنه بيسنت بدا وكأنه سلسلة من طلقات تحذيرية أُطلقت من بعيد. علاوة على ذلك، فإن حملة تحويل إيران إلى “دولة منبوذة اقتصاديا” ليست حملة تستطيع الولايات المتحدة إنجازها بالكامل بمفردها، بل تتطلب تعاونا من شركاء طهران التجاريين الرئيسيين. وقد أبدت الصين، أكبر هؤلاء الشركاء، بالفعل عدم رغبتها في التعاون. وكما أقر بيسنت، فإن التسرع في فرض عقوبات أمريكية ثانوية على الدول التي لا تمتثل قد “يدمر النظام المالي العالمي”.

وقالت الصحيفة إن مشكلة واشنطن تكمن في أن إيران تخضع لعقوبات متعددة منذ سنوات، ومنذ أيلول/سبتمبر الماضي بموجب إجراءات الأمم المتحدة التي أعيد فرضها بسبب انتهاكات طهران للاتفاق النووي لعام 2015 الذي انسحب منه ترامب في ولايته الأولى. لم يتبقَ الكثير داخل الجمهورية لاستهدافه بشكل مباشر. ونتيجة لذلك، يهدف الجهد الأمريكي الجديد إلى قطع العلاقات التجارية بين إيران وشركائها التجاريين الرئيسيين، بمن فيهم الصين والإمارات العربية المتحدة وتركيا، في مجالات الطيران والشحن والأصول الرقمية والذهب والتكنولوجيا، فضلا عن النفط.

وكانت الإمارات العربية المتحدة، حليفة الولايات المتحدة وأكبر مصدر للبضائع إلى إيران، قد أعلنت الأسبوع الماضي تعليق العلاقات التجارية والاقتصادية بعد اتهامها طهران بإطلاق صاروخين باليستيين باتجاه أراضيها. لكن بكين، التي تشتري ما يصل إلى 90% من نفط إيران، حذرت الولايات المتحدة يوم الثلاثاء من أنها سترد بالمثل إذا ما أُدرجت الشركات الصينية ضمن العقوبات الثانوية المتعلقة بإيران.

وأي زيادة كبيرة في العقوبات الأمريكية على الصين قد تقوض مفاوضات تجارية حساسة قبل شهر واحد فقط من موعد لقاء ترامب وشي جين بينغ في واشنطن.

وتقول الصحيفة إنه حتى لو نجحت الولايات المتحدة في إلحاق ضرر اقتصادي كبير بإيران، فلا يوجد ما يضمن استسلام طهران.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *