ماذا يعني انسحاب الإمارات من أوبك بالنسبة للمنتجين الأفارقة؟


باريس- القدس العربي”

قالت مجلة “جون أفريك” الفرنسية إنه في وقت يتعرض فيه سوق النفط العالمي لاضطرابات متزايدة بسبب التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، تبدو وحدة منظمة البلدان المصدّرة للنفط (أوبك)، التي تضم اليوم أحد عشر بلداً من بينها ست دول أفريقية، أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

فقد أعلنت الإمارات أحد أبرز الأعضاء المؤثرين في أوبك، انسحابها الرسمي من المنظمة ومن تحالف “أوبك+”، في خطوة تتجاوز مجرد خلاف تقني، وتعكس تحولات أعمق في سوق النفط العالمي.

وتم الإعلان عن هذا القرار المفاجئ يوم 28 أبريل/ نيسان المنصرم، ودخل حيّز التنفيذ في الأول من مايو/ أيار الجاري، ما يحرم المنظمة من ثالث أكبر منتج للنفط فيها، بإنتاج بلغ 3.4 ملايين برميل يومياً قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، ويثير تساؤلات حول قدرة أوبك على مواصلة دورها التقليدي في تنظيم السوق النفطية.

تأسست أوبك خلال مؤتمر بغداد عام 1960 على يد العراق والسعودية وإيران والكويت وفنزويلا، قبل أن تنضم إليها لاحقاً دول أخرى مصدّرة للنفط، من بينها قطر (قبل انسحابها عام 2018)، والإمارات، والجزائر، والكونغو، والغابون، وغينيا الاستوائية، وليبيا، ونيجيريا. وتعمل المنظمة، بالتنسيق مع “أوبك+”، على تحديد حصص الإنتاج للدول الأعضاء بهدف التحكم في أسعار النفط في الأسواق العالمية.

يتمحور الخلاف الرئيسي بين الإمارات والسعودية حول نظام حصص الإنتاج. فالسعودية تهيمن على أوبك وعلى تحالف أوبك+ الذي يضم 22 دولة، بينما ترى أبوظبي أن الحصة المخصصة لها أقل بكثير من قدرتها الإنتاجية الحقيقية. كما تنتقد الإمارات ما تعتبره غياباً للتضامن الإقليمي عقب الهجمات الإيرانية التي استهدفت أراضيها، توضح “جون أفريك”.

بالتزامن مع إعلان الانسحاب، كشفت شركة النفط الوطنية الإماراتية “أدنوك” عن خطة استثمارية ضخمة بقيمة 55 مليار دولار في مشاريع استخراج جديدة خلال الفترة 2026-2028. كما تسعى الإمارات إلى رفع إنتاجها النفطي إلى خمسة ملايين برميل يومياً، مقارنة بحصة ثابتة منذ 2022 تبلغ 3.447 ملايين برميل يومياً.

ومن خلال زيادة الاستثمارات والإنتاج في الوقت نفسه، تبعث أبوظبي برسالة واضحة مفادها أنها تفضّل توسيع حصتها في السوق العالمية بدلاً من الالتزام بسياسة ضبط الأسعار، تتابع “جون أفريك”.

يرى خبراء أن الخطوة الإماراتية قد تؤدي، على المدى الطويل، إلى استقرار أسعار النفط أو حتى تراجعها، خاصة إذا غابت الرقابة الصارمة على مستويات الإنتاج. ويؤكد فؤاد الدويري، وزير الطاقة والمعادن المغربي السابق، أن زيادة المعروض النفطي خارج أوبك قد تقلّص قدرة المنظمة على لعب دور “صمام الأمان” للسوق العالمية، كما تنقل عنه “جون أفريك”.

في حال ارتفع العرض بوتيرة أسرع من الطلب، فإن الأسواق قد تشهد فائضاً في الإمدادات، ما سيدفع الأسعار نحو الانخفاض.

وسيكون لهذا السيناريو تأثير مباشر على كبار المنتجين الأفارقة، مثل الجزائر ونيجيريا وأنغولا وليبيا، الذين تعتمد اقتصاداتهم بشكل كبير على عائدات النفط والعملات الأجنبية، في وقت تعاني فيه موازناتهم من هشاشة متزايدة. فعلى عكس دول الخليج، لا تمتلك هذه الدول هامشاً واسعاً لزيادة الإنتاج بسرعة لتعويض انخفاض الأسعار، توضح “جون أفريك”.

في المقابل، قد تستفيد الدول الأفريقية المستوردة للنفط، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية والكاميرون وجنوب أفريقيا، من تراجع أسعار الخام عبر انخفاض فاتورة الطاقة.

قبل الإمارات، تُشير “جون أفريك”، كانت قطر قد غادرت أوبك عام 2018، تلتها الإكوادور عام 2020، ثم أنغولا في عام 2024. ومع ذلك، لا يبدو أن خروج الإمارات سيمنح الدول الأفريقية ثقلاً أكبر داخل المنظمة، بل يكشف بالعكس عن تراجع نفوذ المنتجين الأفارقة تدريجياً، تقول المجلة.

ففي اجتماعات أوبك المنعقدة في فيينا بالنمسا، تُحدد حصص الإنتاج وفق قدرات كل دولة وسجلها الإنتاجي واحتياطاتها المؤكدة. غير أن العديد من الدول الأفريقية، مثل الكونغو والغابون وغينيا الاستوائية، تواجه صعوبات تقنية واستثمارية وأمنية تحدّ من قدرتها على التأثير في القرارات الاستراتيجية للمنظمة.

رغم أن حصة أوبك من الإنتاج العالمي تراجعت إلى نحو 30% حالياً، مقارنة بـ55% في سبعينيات القرن الماضي، فإن المنظمة ما تزال تحتفظ بقيمة سياسية ودبلوماسية كبيرة، وهو ما يفسر اهتمام دول أفريقية ناشئة منتجة للنفط، مثل السنغال وكوت ديفوار، بالانضمام إليها. لكن قبل التفكير في عضوية أوبك، يحتاج البلدان إلى رفع إنتاجهما بشكل كبير، تضيف “جون أفريك”.

فالسنغال تنتج حالياً نحو 100 ألف برميل يومياً من مشروع “سانغومار” الذي تطوره شركة وودسايد، بينما تأمل كوت ديفوار في بلوغ 150 ألف برميل يومياً بفضل المرحلة الثالثة من مشروع “باليين”، وهي أرقام تبقى بعيدة جداً عن قدرات كبار المنتجين الخليجيين.

وفي النهاية، تبقى أوبك، رغم التحديات والأزمات، فضاءً مهماً للتأثير السياسي والحضور الدولي بالنسبة للدول الأفريقية المنتجة للنفط، تقول “جون أفريك”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *