أول أمس، صدر بيان ثلاثي أمريكي إسرائيلي مغربي، يخبر بنقل العلاقات الدبلوماسية المغربية الإسرائيلية إلى مستويات عليا، سيتم ضمنها تبادل السفراء، وتقوية الرحلات الجوية بين الرباط وتل أبيب فضلا عن إبرام اتفاقات اقتصادية متنوعة.
في واقع الأمر، لا أحد توقع أن تحصل هذه الخطوة في هذا التوقيت، مع أن عددا من التطورات المرتبطة به وقعت، ولم يترك حجم الغموض الملتف حولها فرصة للمراقبين بالتقاط الإشارة وتوقع ما يمكن أن يحصل.
ثمة اعتبارات كثيرة لم تكن تساعد على هذا التوقع، فعلاقات الرباط بتل أبيب منذ توقيع الاتفاق الثلاثي في 2020، بقيت شبه جامدة، ومنع العدوان الإسرائيلي على غزة من إحداث تطور فيها. ثم إن الرباط كانت دائما ما تربط التقدم بأي خطوة في مسار العلاقات المغربية الإسرائيلية بحصول تقدم نوعي على مستوى طي ملف الصحراء من خلال المقترح المغربي للحكم الذاتي. ويمكن أن تكون الورطة الأمريكية في مضيق هرمز واحدة من الأسباب الذي أثرت على وتيرة تحرك الآلية السياسية الأمريكية لإدارة التفاوض لتنزيل الحكم الذاتي، فمن الواضح أن اشتغال مبعوث الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والعربية والشرق الأوسط بولس مسعد خف سواء من حيث الوتيرة أو الفعالية أو التريف الإعلامي.
التطورات المرتبطة بهذا التحول حصلت كلها بشكل متقارب في الزمن. بدأ الأمر بقرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، وتصويت البرلمان الإسباني على تجنيس الصحراويين ونقل مدريد معركتها مع الرباط إلى الاتحاد الأوروبي، وتصريح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأن الحدود الأوروبية تمتد إلى مدنية سبتة، والزيارة الأخيرة لبولس مسعد للمنطقة، والتي تم الإعلان فيها فقط عن استقباله من قبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بقصر المرادية.
في حقيقة الأمر لا توجد معطيات كافية تمكننا من فهم الأسباب التي جعلت الجزائر تقدم على قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع أبو ظبي، فالسردية الجزائرية التقليدية تتحدث عن أدوار مشبوهة للإمارات، وتنسيق مع الرباط لزعزعة الاستقرار بالجزائر، كما لا توجد لدينا أيضا أي معطيات تخص زيارة بولس مسعد للرباط، فبعض وسائل الإعلام تتحدث عن نزول طائرته العسكرية بها، لكن لم ينقل أي شيء رسمي عن هذه الزيارة ومضمونها، بخلاف زيارته إلى الجزائر، فمن الواضح أن العنوان الأبرز لها كما وضحت ذلك تصريحاته في الجزائر هو الأمن الإقليمي في منطقة الساحل وملف الطاقة والتعاون التجاري بين البلدين.
وسائل الإعلام العمومية الجزائرية، تخفف كثيرا من عنوان الأمن الإقليمي، وتركز على قضية الطاقة والشراكة التجارية بين البلدين، وكأن المطلب هو تكريس صورة دولة عليها الطلب أمريكيا، وليس دولة تخضع للضغط الأمريكي، والقصد هو خلق مزاج عام يعتبر أن واشنطن تحتاج دورا جزائريا أكبر لتلبية الحاجيات الطاقية التي تضررت كثيرا بسبب إغلاق مضيق هرمز، ولذلك، يغيب ملف الصحراء مطلقا في مقابل بروز عنوان الشراكة.
الرباط تعرضت في الآونة الأخيرة لتحديات عدة، فمدريد تستشعر بأنها تقوت عسكريا وحسنت تموقعها الاستراتيجي في المنطقة، وتعتبر أحداث سبتة ضربة موجعة لأمن إسبانيا القومي، ولذلك، تحاول من خلال ورقة تجنيس الصحراويين أن تستعيد بعض أوراقها في التفاوض مع الرباط، ومع حرصها على عدم إفساد العلاقة بين البلدين، فهي تدير التوتر بشكل ذكي وهادئ، وتحاول نقل معركتها مع الرباط إلى الاتحاد الأوروبي، وذلك حتى تقوي قدرتها على الصمود أمام حلفاء الرباط واشنطن وتل أبيب.
الرباط كانت دائما ما تربط التقدم بأي خطوة في مسار العلاقات المغربية الإسرائيلية بحصول تقدم نوعي على مستوى طي ملف الصحراء
زيارات بولس مسعد المتكررة للمنطقة، لم يظهر منها إلى اليوم شيء يمكن أن يساعد على فهم ما يجري، فالمعلن إلى اليوم ثلاث زيارات، منها الأخيرة التي قادته إلى الجزائر، وتصريحاته السابقة، لا تزال تؤكد على مرجعية المقترح المغربي للحكم الذاتي، لكن دون أن يعني ذلك أن واشنطن تضع كل بيضها في سلة الرباط.
التوقيت الذي يمكن أن يكشف عن مضمون هذه الزيارات وطبيعة التقدم الذي حصل في التفاوض السياسي بين الأطراف هو شهر أكتوبر القادم، الذي يرتقب أن يعقد فيه مجلس الأمن جلسة للتصويت على قرار جديد حول الصحراء.
من الواضح جدا أن المغرب يدير مستوى التطبيع مع إسرائيل وفق معادلة ما تحقق في ملف الصحراء، فقد أبقى على مستوى متدن من العلاقات مع تل أبيب ما بين إبرام الاتفاق سنة 2020، وإصدار قرار مجلس الأمن 2797، ومن المرجح جدا، أن يكون التفاوض مع واشنطن على إيقاع التطورات والتحديات التي برزت في ملف الصحراء أحد أهم العوامل التي دفعت الرباط إلى «التنازل» ورفع مستوى العلاقات مع تل أبيب بغية حسم ملف الصحراء، فقد جرت تقاليد التفاوض الدبلوماسي المغربي على عدم التوقيع على أي «تنازل» إلا بعد الحصول على مكتسبات تخص ملف الصحراء والتي يتوقع أن تظهر طبيعتها في جلسة مجلس الأمن في أكتوبر المقبل.
من المهم أن نلاحظ أيضا أنه في اللحظة التي قطعت فيه الجزائر العلاقات مع أبو ظبي، جاءت زيارة بولس مسعد لقصر المرادية، وفي اللحظة التي استقبلت فيها غانا مسؤولا في جبهة البوليساريو وتم تصوير الموقف على أنه اقتراب غاني من الجزائر وبعد عن الرباط، جاء التأكيد بعد ذلك من الخارجية الغانية بأنها لا تزال مستمرة على موقفها الموقع بتاريخ 5 يناير 2025 بسحب الاعتراف بجمهورية البوليساريو، وأنها لم تستقبل سفير الجبهة، بل مجرد مبعوث سياسي عنها، وأن ذلك لا يعني بأي حال تغير موقفها الرسمي من جبهة البوليساريو.
البعض في سياقه فهمه للحدث، يحاول أن يدرج ضمن توقيته ما يعرفه المغرب من استحقاقات تشريعية وجماعية، وأن قرار الرباط برفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينها وبين تل أبيب، يوجه رسالة إلى الداخل السياسي بأن المغرب لا يتحمل أن يقود الحكومة حزب يرفض التطبيع ويندد به، والحقيقة أن القرار لا علاقة له بتطورات الداخل، وإن كان تأثيره عليه سيكون حاسما بدون شك، فوزارة الخارجية، وهي تدبر القرار السيادي الذي يقرره الملك، تنفعل أساسا بتطورات الموقف الدولي والإقليمي وما يعتبر خادما في تقدير الموقف الاستراتيجي من قضية الصحراء، وهي تعتبر أن أي قرار سيادي، ستنخرط كل الأحزاب- بما في ذلك حزب العدالة والتنمية- في تنفيذه، أو على الأقل في تفهمه وعدم إرباكه والتشويش عليه.
ولذلك، يصح أن نقول إن الخارجية المغربية، وهي تدبر القرار السيادي بخصوص رفع التمثيلية الدبلوماسية مع تل أبيب، لا تنشغل بمواقف الأحزاب وإنما بما يعتبره صانع القرار السيادي خادما للموقف المغربي من قضية الصحراء، كما سيصير واضحا لدى الرأي العام أن هذا الموقف الذي صدر في هذا التوقيت، يحمل رسالة إلى المجتمع السياسي مضمونها أن المغرب في سياق التحديات التي يواجهها، وبشكل خاص، تحدي حل قضية الصحراء، لا يتحمل تصدر العدالة والتنمية للانتخابات.
٭ كاتب مغربي