نواكشوط – “القدس العربي”: في قلب الصحراء الكبرى، حيث تبدو الحدود السياسية خطوطاً هشة أمام امتداد الرمال، تتشكل واحدة من أعقد القضايا في غرب إفريقيا، قضية الطوارق في مالي، التي تتجاوز بعدها المحلي لتلامس توازنات إقليمية ودولية حساسة، وتضع منطقة الساحل في قلب حسابات الأمن العالمي.
فقد تحوّلت قضية “أزواد” من تمرد محلي إلى مركز تداخل بين “الإرهاب” والصراعات الإقليمية، ما يجعلها مفتاح أي حل لأزمة الساحل ككل. وبين غياب حل سياسي شامل واستمرار التنافس الدولي، يبقى الإقليم مفتوحاً على سيناريوهات عدم الاستقرار، مع تداعيات تتجاوز حدوده إلى أوروبا والمحيط الدولي.
يمثل الطوارق أحد أبرز المكونات في الفضاء الصحراوي الممتد عبر مالي والنيجر والجزائر وليبيا وموريتانيا، وهم شعب أمازيغي حافظ على خصوصيته الثقافية واللغوية عبر قرون، مستنداً إلى نمط حياة بدوي قائم على الترحال والتجارة الصحراوية، ولغتهم هي “تماشق” وتُكتب بأبجدية “تيفيناغ”، وتُعد من أبرز رموز هويتهم التي صمدت رغم التحولات السياسية الكبرى.
يمثل الطوارق أحد أبرز المكونات في الفضاء الصحراوي الممتد عبر مالي والنيجر والجزائر وليبيا وموريتانيا
وفي الجانب الاجتماعي، يقوم المجتمع الطارقي على بنية قبلية مركبة، تتداخل فيها أنماط تقليدية مع تأثيرات حديثة فرضتها الدولة الوطنية وحدودها، لكن هذه الحدود، التي رُسمت خلال الحقبة الاستعمارية، لم تنجح في دمج الطوارق ضمن كيان سياسي مستقر، بل عمّقت شعورهم بالانفصال عن المركز، خاصة في شمال مالي، حيث تُعرف المنطقة باسم “أزواد”، وهي فضاء جغرافي وثقافي يحمل دلالات سياسية تتجاوز التوصيف الجغرافي المجرد.
لاعب رئيسي في الساحل
خلال العقود الأخيرة، انتقل الطوارق من موقع الهامش إلى موقع الفاعل المؤثر في المعادلة الأمنية والسياسية في الساحل، فقد ظهرت حركات سياسية وعسكرية تمثلهم، أبرزها “الحركة الوطنية لتحرير أزواد” و”المجلس الأعلى لوحدة أزواد”، وهي حركات توحدت ولعبت أدوراً محورية في النزاعات المتكررة في شمال مالي قبل أن تتوحد في كيان مركزي هو “جبهة تحرير أزواد” التي يقودها اليوم خريج الجامعات الليبية بلال آغ شريف المنحدر من أسرة إمارة طارقية عريقة.
ولم يكن هذا التحول وليد لحظة، بل نتاج تراكمات طويلة من التهميش التنموي والسياسي، وضعف حضور الدولة المركزية في المناطق الأزوادية، إضافة إلى الطبيعة الجغرافية الصعبة التي تجعل السيطرة العسكرية معقدة فيها.
ومع تصاعد الأزمات الأمنية في الساحل، باتت مناطق الطوارق مسرحاً لتداخل الفاعلين، من حركات محلية إلى جماعات مسلحة عابرة للحدود. وتكتسب هذه المعادلة أهمية مضاعفة بالنظر إلى موقع الساحل كمنطقة استراتيجية بالنسبة لأوروبا، خاصة فيما يتعلق بملفات الهجرة غير النظامية و”مكافحة الإرهاب”، ما يجعل أي تطور في شمال مالي، لا بد أن تكون له انعكاسات مباشرة على أمن المنطقة المغاربية ثم على القارة الأوروبية ومصالح القوى الغربية.
جذور الأزمة
تعود جذور القضية الطوارقية إلى مرحلة الاستعمار الفرنسي، حين كانت مناطقهم جزءاً من كيان إداري عُرف باسم السودان الفرنسي. ومع اقتراب الاستقلال، عبّر زعماء الطوارق عن رفضهم الاندماج في الدولة الجديدة التي سمتها فرنسا “جمهورية مالي”، مطالبين بوضع خاص أو كيان مستقل يأخذ بعين الاعتبار خصوصيتهم الثقافية والجغرافية.
غير أن فرنسا، عند رسم حدود الدولة الحديثة، ضمّت هذه المناطق إلى مالي دون معالجة هذه المطالب، لتبدأ بذلك أولى حلقات التوتر بين المركز والأطراف. وبعد استقلال مالي سنة 1960، سرعان ما اندلع أول تمرد للطوارق مطلع الستينيات، في مواجهة دولة ناشئة لم تنجح في بناء عقد اجتماعي جامع.
رغم توقيع اتفاق الجزائر عام 2015، ظل السلام هشًا، حيث لم تُحل جذور الأزمة، وبقيت المنطقة عرضة لعودة التوترات بشكل دوري
ودخلت القضية الطوارقية منذ ذلك الحين في دورة متكررة من التمردات والاتفاقيات غير المكتملة. فقد شهدت ستينيات القرن الماضي أول مواجهة مسلحة انتهت بقمع شديد، أعقبته موجات نزوح عمّقت الشعور بالغبن؛ ثم عاد التمرد في التسعينيات، في سياق تحولات سياسية أوسع، حيث أُبرمت اتفاقيات سلام لكنها لم تُنفذ بشكل كامل.
وفي عام 2006، تجددت المواجهات مع بروز قيادات جديدة، لكن اللحظة المفصلية جاءت سنة 2012، حين تمكنت الحركات الطوارقية من السيطرة على شمال مالي، وأعلنت قيام “دولة أزواد”. غير أن هذا المشروع سرعان ما انهار تحت ضغط توازنات داخلية وتدخلات خارجية، خاصة مع صعود جماعات مسلحة ذات طابع جهادي، ما أدى إلى تعقيد المشهد بشكل غير مسبوق.
ورغم توقيع اتفاق الجزائر عام 2015، ظل السلام هشًا، حيث لم تُحل جذور الأزمة، وبقيت المنطقة عرضة لعودة التوترات بشكل دوري، وهو ما تؤكده التطورات الأخيرة في مدن مثل كيدال، التي تعكس استمرار حالة عدم الاستقرار.
أزمة تتجاوز حدود مالي
ولم تعد قضية الطوارق مجرد نزاع داخلي بين مركز وهامش، بل تحولت إلى عقدة إقليمية ودولية معقدة، فقد أدى تداخل الحركات الطوارقية مع جماعات مثل تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” إلى تغيير طبيعة الصراع، كما دخلت قوى دولية على الخط، من فرنسا إلى روسيا، في إطار تنافس جيوسياسي على النفوذ في الساحل.
وقد جعل هذا التداخل شمال مالي مساحة مفتوحة لصراعات متعددة المستويات، حيث تتقاطع مطالب الهوية مع رهانات الأمن، وتتشابك الحسابات المحلية مع استراتيجيات دولية أوسع. وبعد عقود من التمردات الأزوادية منذ الاستقلال سنة 1960، ظل التعاطي الخارجي محدوداً في الوساطات، خصوصاً الجزائرية التي أفضت إلى اتفاقات سلام متقطعة، قبل أن يشهد مطلع الألفية تحولاً نوعياً مع تسلل الجماعات الجهادية المرتبطة بتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، مستفيدة من هشاشة الدولة واتساع الصحراء.
انهيار التوازن
اللحظة الفاصلة جاءت سنة 2012، حين انهار التوازن الأمني بالكامل بعد عودة المقاتلين من ليبيا عقب سقوط نظام القذافي، وسيطرة الجماعات المتطرفة على شمال مالي، وتهديدهم بالتقدم نحو العاصمة باماكو، ما دفع المجتمع الدولي إلى اعتبار الأزمة تهديداً إقليمياً ودولياً.
وفي هذا السياق، تدخلت فرنسا عسكرياً مطلع 2013 عبر عملية “سيرفال”، بطلب من السلطات المالية ودعم دولي، وتمكنت سريعاً من استعادة المدن الكبرى في الشمال (تمبكتو، غاو، كيدال) وطرد الجماعات المسلحة منها، وهو ما شكّل أول تدخل عسكري مباشر وحاسم.
لكن هذا النجاح التكتيكي لم يتحول إلى استقرار دائم، إذ أعادت الجماعات المسلحة تنظيم صفوفها وانتقلت إلى حرب العصابات. لذلك، أطلقت فرنسا سنة 2014 عملية “برخان” كإطار إقليمي أوسع لمكافحة الإرهاب في الساحل، شمل إلى جانب مالي كلاً من موريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، بالتوازي مع نشر بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في مالي (منوسما)، ثم تأسيس قوة “مجموعة دول الساحل الخمس” سنة 2018 بدعم فرنسي ودولي.
تدخل الأزمة مرحلة جديدة تتسم بتراجع الحضور الغربي، وصعود فاعلين دوليين بديلين، مقابل استمرار تهديد الجماعات المسلحة التي عادت لفرض الحصار على مدن رمزية مثل تمبكتو
ورغم هذا الحضور العسكري الدولي المكثف، ظل الوضع الأمني في تدهور مستمر، حيث توسعت رقعة العنف نحو وسط مالي ومنطقة الحدود الثلاثية، في ظل فشل مقاربات التنمية وضعف الدولة. ومع تصاعد السخط الشعبي، بدأت صورة فرنسا تتآكل في الوعي المحلي، لتُحمَّل مسؤولية الإخفاق الأمني، وهو ما مهّد لسلسلة الانقلابات العسكرية التي كان آخرها انقلاب الجنرال عاصيمي اكويتا عام 2020 الذي أنهى عملية “برخان” وأدى لانسحاب القوات الفرنسية تدريجياً، وقاد لانفتاح السلطات المالية على شركاء جدد، خاصة روسيا، ودفع الحركات الأزوادية للتوحد أواخر 2024 في إطار جامع هو “جبهة تحرير أزواد”.
غير أن هذا التحول لم يحقق الاستقرار المنشود؛ إذ تُظهر التطورات الأخيرة أن الاعتماد على روسيا لم يمنع تدهور الوضع الأمني، بل إن مناطق استراتيجية مثل “كيدال” عادت إلى أيدي التحالفات المسلحة، كما واجه “الفيلق الإفريقي” صعوبات ميدانية وانسحابات تكتيكية تحت ضغط الهجمات.
اليوم، تدخل الأزمة مرحلة جديدة تتسم بتراجع الحضور الغربي، وصعود فاعلين دوليين بديلين، مقابل استمرار تهديد الجماعات المسلحة التي عادت لفرض الحصار على مدن رمزية مثل تمبكتو، ما يعكس أن التدخلات الدولية، رغم تعدد مراحلها وأدواتها، لم تنجح بعد في معالجة جذور الأزمة بقدر ما أعادت تشكيلها ضمن توازنات جيوسياسية متغيرة في منطقة الساحل.
والحقيقة أن قضية الطوارق تكشف اليوم عن مأزق عميق في بناء دولتهم الوطنية، حيث لم تنجح الحدود الموروثة عن الاستعمار في استيعاب التنوع الاجتماعي، ولم يتمكن الثوار الساعون لاستقلال أزواد من تحقيق هدفهم في كيان مستقل ومستقر.
وبين هذين الخيارين، تستمر الصحراء في إنتاج أزماتها، بينما يظل الحل مرهونًا بإعادة صياغة العلاقة بين المركز والهامش، وتحويل الطوارق من معادلة أمنية إلى شريك سياسي حقيقي في مستقبل المنطقة.