الجزائر- “القدس العربي”: أعاد قرار تقديم الإنكليزية على الفرنسية في الجزائر فتح النقاش المحتدم حول تدريس اللغات الأجنبية في البلاد. ففي الوقت الذي أظهر كثيرون ابتهاجهم بالتخلي التدريجي عن الفرنسية بسبب إرثها التاريخي المرتبط بالاستعمار، طرح آخرون تساؤلات حول قدرة المجتمع الجزائري على تبني الإنكليزية، والإشكالات التقنية التي قد تعترض ذلك.
وجاء القرار ضمن حزمة إجراءات أعلنها وزير التربية الوطنية، محمد صغير سعداوي، خلال افتتاح الندوة الوطنية لتحضير الدخول المدرسي 2026-2027، حيث أوضح أن تلاميذ السنة الثالثة ابتدائي سيدرسون الإنكليزية باعتبارها اللغة الأجنبية الوحيدة، على أن يبدأ تدريس اللغتين الإنكليزية والفرنسية معا ابتداء من السنة الرابعة. كما كشف عن مراجعة بعض البرامج التعليمية، وزيادة الحجم الساعي للأعمال التطبيقية، مؤكدا أن التفاصيل ستحدد في منشور تنظيمي.
ويمثل هذا التعديل مرحلة جديدة في مسار إصلاح انطلق صيف 2022، عندما أعلن الرئيس عبد المجيد تبون إدراج اللغة الإنكليزية في التعليم الابتدائي، منهيا عقودا كانت الفرنسية خلالها اللغة الأجنبية الوحيدة في هذا الطور. وأعقب ذلك توظيف نحو 25 ألف أستاذ للغة الإنكليزية لتغطية الاحتياجات التي فرضها إدراج المادة الجديدة، مع اعتماد صيغ التوظيف الدائم والتعاقد والاستعانة ببعض الأساتذة المتقاعدين عند الحاجة.
في الوقت الذي أظهر كثيرون ابتهاجهم بالتخلي التدريجي عن الفرنسية بسبب إرثها التاريخي المرتبط بالاستعمار، طرح آخرون تساؤلات حول قدرة المجتمع الجزائري على تبني الإنكليزية، والإشكالات التقنية التي قد تعترض ذلك
ويتزامن ذلك مع توجه في التعليم الجامعي لتكريس الإنكليزية، حيث باتت المدارس العليا تعتمد هذه اللغة، في وقت أطلقت وزارة التعليم العالي برنامجا واسعا لاستبدال الفرنسية بالإنكليزية في التخصصات العلمية، مثل العلوم والطب والتكنولوجيا، من خلال تكوين الأساتذة على هذه اللغة. والملاحظ أن الطلبة الوافدين إلى الجامعات باتوا أكثر حماسا للإنكليزية في اختيار التخصصات، وهو تحول يعكس تغير ثقافة الجيل الجديد في الجزائر، وفق المختصين.
وفي هذا السياق، يقول الناشط السياسي نسيم براهيمي إن القرار يعكس تحولا لغويا عرفه المجتمع الجزائري منذ سنوات، معتبرا أن هيمنة الإنكليزية على المحتوى الرقمي والإنتاج العلمي جعلت هذا التحول “تحصيلا حاصلا”. وأشار إلى أن الفرنسية فقدت تدريجيا موقعها بوصفها وسيلة للترقي الاجتماعي، في ظل توسع حضور الإنكليزية في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي، معتبرا أن اعتمادها بشكل أكبر في المدرسة الجزائرية جاء متأخرا مقارنة بالتحولات العالمية.
بدوره، اعتبر المدون كمال لاشي أن الأجيال الجديدة أصبحت أكثر ارتباطا بالإنكليزية باعتبارها لغة التكنولوجيا والبحث العلمي والفضاء الرقمي، ورأى أن تراجع جاذبية الفرنسية لدى الشباب يعود إلى تغير طبيعة التواصل والمعرفة، قائلا إن الإنكليزية أصبحت لغة الجيل الجديد ولغة أغلب الأبحاث العلمية.
ورغم تثمينه للخطوة، اعتبر الناشط عبد العزيز بلقايد أن جوهر النقاش لا يتعلق بموعد تدريس الفرنسية، وإنما بالمكانة التي احتلتها داخل مؤسسات الدولة منذ الاستقلال، رغم أنها ليست لغة رسمية في الدستور. وأضاف أن تعليم اللغات الأجنبية ينبغي أن يهدف إلى اكتساب أدوات التواصل والانفتاح العلمي، لا إلى تكريس مرجعيات ثقافية، داعيا إلى سياسة لغوية تضع العربية والأمازيغية في صدارة الفضاء الوطني، مع تدريس اللغات الأجنبية كافة دون امتيازات مرتبطة بالإرث التاريخي.
في المقابل، رأى معارضون للقرار أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على المفاضلة بين الإنكليزية والفرنسية، بل يشمل أيضا طريقة اتخاذ القرارات واستقرار السياسة التعليمية.
وانتقد الصحافي كمال عمارني ما وصفه بمحاولة “محاربة الفرنسية لصالح لغة أجنبية أخرى”، متسائلا عما إذا كانت السلطات قد أجرت دراسات لتقييم الآثار الاجتماعية والثقافية لمثل هذه القرارات. ولفت إلى أن قطاعات واسعة من الإطارات والجامعيين ووسائل الإعلام في الجزائر تعتمد الفرنسية في عملها اليومي، معتبرا أن الانتقال السريع نحو الإنكليزية قد يخلق فجوة بين المدرسة والواقع المهني. وتحدث بعض المعلقين عن المفارقة في وجود نخبة سياسية تحرص على تدريس أبنائها الفرنسية، خاصة في الثانوية الفرنسية بالجزائر العاصمة، في وقت يسود خطاب آخر يدعي محاربة هذه اللغة.
وفي السياق ذاته، تداول عدد من أساتذة اللغة الفرنسية منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، تضمنت انتقادات ركزت على الجانب التنظيمي للقرار أكثر من مضمونه. واعتبرت إحدى هذه الآراء أن الإشكال لا يكمن في تأخير تدريس الفرنسية، وإنما في التغييرات المتكررة التي تطال البرامج التعليمية من سنة إلى أخرى، دون منح الأساتذة والأولياء رؤية واضحة بشأن مستقبل المادة، وحجمها الساعي، ومكانتها في السنوات المقبلة.
وأشار أصحاب هذه المواقف إلى أن أساتذة اللغة الفرنسية يجدون أنفسهم في كل مرة في واجهة الجدل، رغم أنهم ليسوا طرفا في القرارات التنظيمية التي تتخذها الوزارة، داعين إلى الإعلان المسبق عن تصور شامل لتدريس اللغات الأجنبية في مختلف الأطوار.
وفي الواقع، ظلت مكانة الفرنسية منذ الاستقلال محل جدل بين من يعتبرها إرثا استعماريا ينبغي تقليص حضوره تدريجيا، ومن ينظر إليها بوصفها “غنيمة حرب” يمكن توظيفها في الإدارة والتعليم العالي والبحث العلمي والعلاقات الاقتصادية.
وفي السنوات الأخيرة، التي شهدت أزمات سياسية عاصفة مع باريس، لم يقتصر توجه محاصرة الفرنسية على قطاع التعليم، بل امتد إلى رسائل ذات طابع رمزي. ففي الذكرى السبعين لاندلاع الثورة التحريرية قبل سنتين، اعتمدت وزارة الدفاع الإنكليزية إلى جانب العربية في الشارة الرسمية للمناسبة، بدلا من الفرنسية، وهو ما اعتبره كثيرون مؤشرا على رغبة السلطات في تكريس الإنكليزية والتخفيف من الإرث اللغوي المرتبط بفترة الاستعمار الفرنسي. وسبق ذلك تعميم استعمال العربية في جانب واسع من المراسلات الإدارية في الوزارات والإدارات العليا.
ولا تخفي باريس انزعاجها من هذا التحول. فقد أقر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال قمة الفرنكوفونية في تونس سنة 2022 بتراجع حضور الفرنسية في بلدان المغرب العربي، معتبرا أن دوافع سياسية تقف وراء هذا الانحسار، إضافة إلى توسع استخدام الإنكليزية، حيث دعا إلى إطلاق مشروع لاستعادة مكانة الفرنسية. في المقابل، يحظى التوجه الجزائري بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتين أعلنتا استعدادهما لمواكبة توسيع تعليم الإنكليزية من خلال برامج للتكوين والتعاون الجامعي ونشر المراكز الثقافية.