نواكشوط –«القدس العربي»: بعد نحو عشرين عاما على آخر زيارة لوزير خارجية ألماني إلى نواكشوط، جاءت زيارة يوهان فاديفول التي اختتمت الأربعاء، لتعلن أن موريتانيا لم تعد تُقرأ في العواصم الأوروبية باعتبارها دولة تقع على هامش الساحل، بل باعتبارها دولة تتوسط معادلة الأمن والطاقة والهجرة في غرب إفريقيا، وشريكا قادرا على لعب أدوار تتجاوز حدودها الجغرافية.
وبدت الرسائل التي حملها وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إلى نواكشوط أبعد من مجرد تعزيز العلاقات الثنائية، إذ رسمت ملامح انتقال موريتانيا إلى موقع جديد في الحسابات الاستراتيجية الألمانية والأوروبية.
فخلال المؤتمر الصحفي المشترك مع وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوك، وصف الوزير الألماني موريتانيا بأنها «شريك مهم وموثوق ومستقر» في منطقة تعيش على وقع اضطرابات أمنية وسياسية متواصلة، مؤكدا أن برلين ترى في نواكشوط نموذجا للاستقرار ينبغي دعمه وتعزيزه.
ولم يأت هذا التوصيف في سياق سياسي فحسب، بل ربطه الوزير الألماني مباشرة بالتحولات الاقتصادية التي تعرفها موريتانيا، معتبرا أن البلد بات يمتلك عناصر جذب استثماري لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة.
وفي هذا السياق، تواصل ألمانيا تعزيز حضورها التنموي في موريتانيا، حيث تبلغ قيمة برامج التعاون الألماني الحالية نحو 275 مليون يورو، تشمل مشاريع في مجالات التنمية المحلية، وخلق فرص العمل، وتعزيز الحوكمة، ودعم الاستقرار المجتمعي؛ وهو انتقال من منطق المساعدات التقليدية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد تربط الأمن بالتنمية والاستثمار.
وكان أبرز ما ميز الخطاب الألماني هو التأكيد على انتقال الاهتمام من التعاون التقليدي إلى الاستثمار في الاقتصاد المستقبلي، حيث أشار فاديفول إلى أن موريتانيا لم تعد مجرد دولة مصدرة لخام الحديد، بل أصبحت منذ عام 2025 منتجا للغاز الطبيعي المسال بالشراكة مع السنغال، وهو ما يمنح ألمانيا فرصة لتنويع مصادر وارداتها من الطاقة في ظل سعي أوروبا إلى تقليل الاعتماد على المصادر التقليدية.
غير أن الرهان الأكبر، حسب الوزير الألماني، يتمثل في الهيدروجين الأخضر، الذي وصفه بأنه أحد أهم مجالات التعاون الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
ويعكس هذا الاهتمام تحولا واضحا في الاستراتيجية الألمانية، التي باتت تبحث عن شركاء قادرين على تزويد أوروبا بالطاقة النظيفة على المدى الطويل.
وتعزز هذا التوجه المشاريع العملاقة التي يجري تطويرها في موريتانيا، وفي مقدمتها مشروع الهيدروجين الأخضر الذي تقوده شراكة تضم الشركة الألمانية «كونجونكتا» Conjuncta إلى جانب شركة «إينفينيتي» Infinity المصرية وشركة «مصدر» الإماراتية باستثمارات تقدر بنحو 34 مليار دولار، إضافة إلى مشروع «نور» الذي تقوده شركة «شاريوت» Chariot، البريطانية بالشراكة مع شركة «توتاي إنيرجي» الفرنسية ومجموعة «إرين»، والهادف إلى إنتاج الهيدروجين الأخضر وتلبية احتياجات السوق المحلية قبل التصدير.
كيف أصبحت موريتانيا شريكا استراتيجيا لألمانيا في الساحل؟
وبالإضافة للطاقة، احتلت الملفات الأمنية مساحة واسعة في المباحثات الموريتانية الألمانية، إذ أكد الوزير الألماني أن موريتانيا نجحت في التعامل مع التحديات الأمنية بطريقة تستحق «التقدير والاحترام»، معتبرا أنها أصبحت فاعلا إقليميا مهما في مجال الأمن والاستقرار.
وأشاد بالمقاربة الموريتانية القائمة على الحوار والوقاية من التطرف وخفض التصعيد، معتبرا أنها تمثل نموذجا مختلفا عن المقاربات العسكرية الصرفة التي اعتمدتها دول أخرى في منطقة الساحل.
كما أعلن الوزير الألماني عن استمرار دعم ألمانيا لتطوير قدرات خفر السواحل والبحرية الموريتانية، إضافة إلى بحث تقديم دعم استشاري جديد عبر الجيش الألماني، في مؤشر على توسع مجالات التعاون الأمني بين البلدين.
وأعلن الوزير الألماني كذلك أن بلاده قررت إيفاد بعثة استشارية من الجيش الألماني (البوندسفير) إلى موريتانيا ابتداء من العام المقبل، مؤكدا أن التحضيرات لهذا البرنامج بدأت بالفعل داخل وزارة الدفاع الألمانية، كما كشف عن توجه لفتح قنوات تعاون بين أجهزة الشرطة في البلدين، بما يعزز قدرات موريتانيا في مجالات التدريب والتنسيق وتبادل الخبرات الأمنية، في ظل تصاعد التهديدات على الحدود الشرقية مع مالي.
الهجرة وسط الدائرة
وأكد الجانبان، الموريتاني والألماني، وجود مصلحة مشتركة في تعزيز الهجرة النظامية، مقابل معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للهجرة غير النظامية.
وأشار الوزير الألماني إلى أن برلين ستواصل دعم موريتانيا عبر برامج الأمم المتحدة والتعاون التنموي، مستفيدة من الشراكة الأوروبية الخاصة بالهجرة، والتي تبلغ قيمتها 210 ملايين يورو، مع التركيز على خلق فرص العمل للشباب وتعزيز التماسك الاجتماعي.
كما نوه بالدور الإنساني الذي تؤديه موريتانيا في استضافة أكثر من 300 ألف لاجئ مالي، رغم محدودية مواردها، معتبرا ذلك نموذجا للتضامن الإقليمي.
وتنظر برلين إلى استقرار موريتانيا باعتباره جزءا من أمن أوروبا، نظرا إلى الموقع المحوري الذي تحتله البلاد على طريق الهجرة الأطلسية نحو القارة الأوروبية.
من تلقي الدعم إلى الشراكة
من جهته، أكد وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك، أن العلاقات الثنائية دخلت مرحلة جديدة بعد زيارة الرئيس الغزواني إلى ألمانيا، موضحا أن التعاون توسع ليشمل قطاعات الأمن والطاقة والهيدروجين الأخضر، إلى جانب الملفات التقليدية.
وأضاف أن المباحثات تناولت كذلك تطورات الوضع في منطقة الساحل، وسبل تعزيز الأمن والاستقرار، بما يعكس تطابقا متزايدا في الرؤى بين البلدين تجاه القضايا الإقليمية.
خلفيات التحرك الألماني
وتحمل زيارة وزير الخارجية الألماني لموريتانيا، دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ تأتي في سياق إعادة تموضع ألماني داخل القارة الإفريقية بعد المتغيرات الجيوسياسية التي شهدتها أوروبا منذ أزمة الطاقة، وما فرضته من ضرورة تنويع مصادر الإمدادات وبناء شراكات جديدة مع الدول المنتجة للطاقة التقليدية والنظيفة.
كما تعكس الزيارة إدراك برلين أن موريتانيا أصبحت إحدى أكثر دول الساحل استقرارا سياسيا وأمنيا، وأن موقعها الجغرافي بين أوروبا والمغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء يمنحها أهمية متزايدة في ملفات الأمن والهجرة والطاقة والتجارة.
ولذلك، فإن اصطحاب الوزير الألماني وفدا اقتصاديا إلى نواكشوط لم يكن تفصيلا بروتوكوليا، بل رسالة بأن ألمانيا تنظر إلى موريتانيا بوصفها سوقا استثمارية وشريكا اقتصاديا طويل الأمد، وليس مجرد متلق للمساعدات التنموية.
الانتقال لموقع التأثير
وكشفت زيارة وزير الخارجية الألماني أن موريتانيا بدأت تدخل مرحلة جديدة في علاقاتها الدولية، عنوانها الانتقال من موقع الدولة التي تُقاس أهميتها باعتبارات الأمن والهجرة فقط، إلى دولة باتت تمتلك أوراقا مؤثرة في معادلات الطاقة العالمية والاستثمارات الخضراء.
وإذا نجحت نواكشوط في تحويل هذا الاهتمام الدولي إلى مشاريع إنتاجية وشراكات استراتيجية دائمة، فإنها ستكون أمام فرصة تاريخية لترسيخ مكانتها كإحدى أكثر الدول تأثيرا في غرب إفريقيا، ليس فقط بوصفها واحة استقرار، بل أيضا باعتبارها بوابة أوروبية جديدة نحو مستقبل الطاقة النظيفة.