في فرنسا.. محاولات منهجية لتقويض الخطاب المؤيد لفلسطين وتجريمه باسم معاداة السامية


لندن- “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للكاتبة والناشطة وصانعة الأفلام رقية ديالو، قالت فيه إن فرنسا، حيث تعيش، تقوم بإسكات وتجريم التضامن المؤيد لفلسطين والفلسطينيين. وقالت إن التوترات تزايدت في فرنسا حول كيفية مواجهة العداء للسامية، حيث أثار مشروع قانون تقدمت به الحكومة، كان يهدف لمواجهة المشكلة، استنكارا في مكانه، قبل أن تقرر تجميده بهدوء الشهر الماضي.

وكان مشروع القانون، الذي قدمته كارولين يادان، عضو الجمعية الوطنية، عام 2024، يهدف إلى مواجهة “أشكال جديدة من معاداة السامية”، ولكن في حين أثارت مذكرته التفسيرية مخاوف مشروعة بشأن الارتفاع الحاد في حوادث معاداة السامية المسجلة منذ هجمات حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، سرعان ما انحرفت صياغته نحو هدف مختلف: كبح أي محاولة لانتقاد إسرائيل.

ديالو: يجب أن تكون هناك إمكانية لانتقاد وإدانة الجرائم العديدة والموثقة على نطاق واسع التي ارتكبتها إسرائيل، ويجب القيام بذلك أكثر من مرة، دون خوف من الملاحقة والتعرض لخطر العقوبات

وقالت ديالو إنه يجب أن تكون هناك إمكانية لانتقاد وإدانة الجرائم العديدة والموثقة على نطاق واسع التي ارتكبتها إسرائيل، ويجب القيام بذلك أكثر من مرة، دون خوف من الملاحقة والتعرض لخطر العقوبات، ذلك أن حرية التعبير في فرنسا تتيح للأفراد التعبير عن أي شكل من أشكال المشاعر تجاه أي دولة، طالما لا يوجد تحريض على العنف.

وتعلق ديالو أن هدف مشروع قانون يادان كان واضحا، فقد اقترح مشروع القانون توسيع نطاق جريمة “تمجيد الإرهاب” القائمة لتشمل معاقبة “التحريض غير المباشر”، كما أضاف جريمة جديدة تعاقب على “التحريض على تدمير دولة أو إنكار قيامها”.

وتقول ديالو إن يادان انتخبت في الأصل عن حزب إيمانويل ماكرون لتمثيل المواطنين الفرنسيين في الخارج، بمن فيهم في إسرائيل وفلسطين، إلا أنها نأت بنفسها عن الحركة السياسية للرئيس العام الماضي عندما أعلن اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية. وقد أثار مشروع قانونها مخاوف على عدة مستويات:

أولا، إن استحداث جرائم “غير مباشرة” أو “خبيثة”، وبالتالي ضمنية، لتمجيد الإرهاب سيجبر المحاكم فعليا على استنتاج نية الشخص، وهو أمر مستحيل.

وكما حذر القاضي السابق مارك تريفيديك، قاضي التحقيق في قضايا مكافحة الإرهاب، سيؤدي ذلك إلى “تعسف مطلق”، فكيف يمكن إثبات ما يلمح إليه الشخص ضمنيا؟

ثانيا، فإن حظر “التحريض على تدمير دولة أو إنكار وجودها” يتعارض مع الحق الأساسي في إنهاء الاستعمار. فكيف سيتم التعامل، إذا، مع الطعون في توسع المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية أو الدعوات إلى دولة “ثنائية القومية” واحدة؟

وفي ظل الإطار القانوني المقترح، ما مصير الحق في التساؤل عن حدود فرنسا نفسها؟ فالأقاليم الفرنسية ما وراء البحار هي مستعمرات سابقة في منطقة البحر الكاريبي والمحيط الهادئ والمحيط الهندي، ولم تختف حركات الاستقلال في هذه المناطق.

وقد جمعت عريضة معارضة لمشروع القانون، نشرت على موقع الجمعية الوطنية، رقما قياسيا بلغ 700,000 توقيع. وحذرت منظمات حقوقية من المسار غير الليبرالي الخطير للمقترح.

ورأت رابطة حقوق الإنسان في النص محاولة مثيرة للقلق “لحماية دولة إسرائيل من الانتقادات المرتبطة بانتهاكاتها الجسيمة والمتكررة للقانون الدولي”.

رأت رابطة حقوق الإنسان في مشروع القانون محاولة مثيرة للقلق “لحماية دولة إسرائيل من الانتقادات المرتبطة بانتهاكاتها الجسيمة والمتكررة للقانون الدولي”

ونشر خمسة مقررين خاصين للأمم المتحدة رسالة مفتوحة أعربوا فيها عن قلقهم من أن مشروع القانون يهدد “ممارسة الحقوق المحمية، ولا سيما الحق في حرية التعبير والرأي، بما في ذلك حرية الإعلام”.

وحذر مكتب اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان أعضاء البرلمان من “المخاطر التي تشكلها هذه الأحكام على حرية التعبير والحرية الأكاديمية، نظرا لطبيعتها المبهمة وغير الدقيقة”.

ورغم رفض الحكومة النظر في العريضة العامة، سحبت فجأة مشروع قانون يادان في اللحظة الأخيرة. وبدلا من ذلك، أشارت إلى أنها ستطرح تشريعا أوسع نطاقا لمكافحة العنصرية.

وزعم رئيس الوزراء، سيباستيان ليكورنو، في خطاب ألقاه قبل فترة، أن معاداة الصهيونية أصبحت “قناعا لمعاداة السامية القديمة”.

وتؤكد ديالو أنه يجب عدم التسامح مع معاداة السامية أينما ظهرت وبأي شكل، سواء كان هذا في الخطاب العام أم السياسي، لكن علينا النظر إلى مشروع قانون يادان بوصفه محاولة منهجية لتجريم النشاط المؤيد لفلسطين.

فبعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، حاول وزير الداخلية الفرنسي حظر مظاهرات التضامن مع فلسطين بحجة أنها “قد تثير اضطرابات عامة”. وقد فشلت هذه المحاولة بعد أن رفض مجلس الدولة حظرا شاملا. إلا أن هذا القرار لم يوقف حملة قمع الحركة، وواجه طلاب الجامعات الذين حشدوا أنفسهم ضد مشروع قانون يادان قمع الشرطة العنيف.

وقد أدان الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب سلوك الشرطة باعتباره “خطوة مقلقة أخرى في تقييد حرية التعبير والتجمع السلمي في فرنسا”. وتضاعفت الملاحقات القضائية بتهم تمجيد الإرهاب منذ عام 2023، مستهدفة طيفا واسعا من الأفراد، من المؤثرين إلى الرياضيين إلى نشطاء النقابات العمالية، وحتى أعضاء البرلمان.

وكما أشارت “أورينت إكس إكس أي” إلى أنه، في حين وصف بعض الذين تمت محاكمتهم هجمات حماس والجهاد الإسلامي بأنها أعمال مقاومة، “لم يمجد سوى عدد قليل منهم صراحة هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 أو عبروا عن فرحتهم بموت المدنيين الإسرائيليين”.

كما وجهت تهم لشخصيات بارزة، من بينهم الأكاديمي فرانسوا بورغات، قبل تبرئة ساحته. وألقي القبض الشهر الماضي على ريما حسن، العضو الفرنسية الفلسطينية في البرلمان الأوروبي عن حزب “فرنسا الأبية” اليساري الراديكالي، وهي صوت بارز في مجال الدعوة لتحرير فلسطين، واحتجزت لدى الشرطة واستجوبت بتهمة “تمجيد الإرهاب”. وكانت التهمة الموجهة إليها منشورا على منصة إكس، حذف لاحقا، يقتبس من كوزو أوكاموتو، وهو ياباني أدين بهجوم عام 1972 على مطار بن غوريون في تل أبيب، والذي أسفر عن مقتل 26 شخصا.

وفي مؤشر على الضغوط التي تتعرض لها حسن، تسرب خبر اعتقالها أثناء استجوابها، ونشر في صحيفة “لو باريزيان” إلى جانب ادعاءات كاذبة بالعثور على مخدرات اصطناعية بين أغراضها الشخصية. وأسقط التحقيق في قضية المخدرات، ولكن بعد أيام من التغطية الإعلامية السلبية، ونشر “لو باريزيان” لاحقا بيانا تعترف فيه بأنها تسرعت في إصدار الحكم، وأن ادعاءات المخدرات لا أساس لها من الصحة، تبين لاحقا، من خلال تحقيق أجرته “ميديا بارت”، أن هاتف حسن كان تحت مراقبة الشرطة منذ بداية العام، دون علمها.

وقالت حسن، وهي محامية ولاجئة فلسطينية سابقة ستحاكم في تموز/يوليو بتهمة “الاعتذار عن الإرهاب” عبر الإنترنت، إنها تعتزم إحالة القضية إلى مقرر مستقل للأمم المتحدة وإلى البرلمان الأوروبي.

وتخلص ديالو إلى القول إن رد الفعل غير المتناسب على النشاط المؤيد للفلسطينيين، في مواجهة ما وصفته منظمات حقوق الإنسان بالإبادة الجماعية، يثير تساؤلات حول مدى التضييق الممارس، ظاهريا، لتقييد شكل من أشكال التعبير يعتبر مهما في الديمقراطية.

فقد تم رفض مشروع قانون يادان، ولكن مجرد التفكير في بنوده يقتضي منا النظر إليه في سياق أوسع، وهو سياق يسعى بشكل منهجي إلى الخلط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، وتضييق مساحة، بل وتقويض شرعية أي خطاب مؤيد للفلسطينيين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *