إسرائيل ستواجه بعد الحرب مع إيران تحدي عودة القضية الفلسطينية إلى الأجندات الدولية


الناصرة- “القدس العربي”: تقول دراسة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن التحدي الذي ستواجهه إسرائيل بعد الحرب مع إيران يكمن في عودة القضية الفلسطينية إلى الأجندات الدولية.

وتقول أيضا إنه على مدى عقود، اعتُبر الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني قضية دولية بامتياز، جرى السعي لحلها ضمن أطر الوساطة والمبادرات السياسية الإقليمية والدولية. وتتابع: “حتى عندما فشلت مسارات التسوية، فإن الاستعداد الدولي لمواصلة البحث عن حلول حافظ على الفرضية الأساسية القائلة إن هذا الصراع يمكن حلّه عبر المفاوضات السياسية. ومن الأمثلة في هذا الشأن المبادرة العربية من عام 2002، بعد تنسيق مع الإدارة الأمريكية وأطراف أخرى في المجتمع الدولي، والتي هدفت إلى تجاوز العقبات التي حالت دون التوصل إلى تسوية نهائية منذ بدء تنفيذ اتفاقيات “أوسلو”، وكذلك المبادرات الأمريكية: أنابوليس (2007-2009)، ومبادرة وزير الخارجية جون كيري (2013-2014)، وحتى “صفقة القرن” التي سعت لفرض حل على الفلسطينيين”.

منوهة إلى أن كافة هذه المبادرات انطلقت من الحاجة إلى توافق متبادل، وشاركت في هذه المسارات أطراف إقليمية، مثل مصر والسعودية والأردن. لكن، على خلفية الحرب مع إيران، بدأت هذه المقاربة تتعرض للتآكل، فالسعودية ودول الخليج باتت اليوم أكثر التزاما بحل القضية الفلسطينية مقارنة بالفترة التي سبقت السابع من أكتوبر، إلا أن الحرب الأخيرة مع إيران أدت إلى تراجع مكانة الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، بصفته المحور المنظم للتفاعلات الإقليمية، إذ تُتخذ أحيانا خطوات سياسية وأمنية من دون مشاركة فلسطينية ذات شأن، ومن دون النظر إلى قيادة فلسطينية معترف بها باعتبارها عنوانا فعالا لإدارة عملية سياسية.

وينوه، في هذا السياق أيضا، إلى أن خطة ترامب ذات النقاط العشرين، التي ركزت على قطاع غزة، لم تتعامل مع السلطة الفلسطينية كلاعب ذي صلة، ولم تُشركها في صياغة الخطة، بل رأت فيها، في أقصى تقدير، أداة يمكن أن تساعد على تنفيذها. ومنذ بدء الحرب مع إيران وتداعياتها الإقليمية، غابت القضية الفلسطينية عن العناوين، في إطار الترتيبات التي يُعاد من خلالها تشكيل الشرق الأوسط.

السلطة الفلسطينية تدفع الثمن

طبقا للدراسة الإسرائيلية، فإنه على هذه الخلفية، تتبلور بشكل تدريجي قناعة بأنه لا يمكن ترك تسوية الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني في يد الأطراف المنخرطة فيه مباشرة، وأنه لا يمكن دفع التسوية عبر الوساطة وحدها، الأمر الذي يعزز الميل إلى البحث عن بدائل أخرى.

وتقول إن الجهة التي تدفع الثمن الأكبر في هذا الواقع هي السلطة الفلسطينية، التي كان يُفترض، منذ إطلاق اتفاقيات “أوسلو”، أن تكون العنوان السياسي المركزي في أي عملية تسوية، فالسلطة تواجه اليوم تآكلا عميقا في مكانتها وقدرتها، نتيجة تراكم عوامل عديدة، منها الانقسام الفلسطيني الداخلي المستمر، وفقدان الأمل، وغياب رؤية سياسية مشتركة بين الفصائل الفلسطينية، وتراجع الثقة الإقليمية، وبشكل خاص الإسرائيلية، بقدرة السلطة على العمل بفعالية كدولة.

وتتابع: “هكذا تقلصت الاتصالات بها على المستوى السياسي إلى حد كبير، في حين ازداد اعتماد إسرائيل على القوة، وتمثل ذلك في الاحتكاك المستمر داخل مناطق الضفة الغربية. والنتيجة هي تفريغ السلطة من مضمونها، فهي ما زالت قائمة كإطار إداري وأمني، لكنها تجد صعوبة في أن تكون جهة تصنع أفقا وأملا سياسيين، كذلك ينظر كثيرون من الفلسطينيين إلى أجهزتها الأمنية باعتبارها أداة تخدم إسرائيل أكثر مما تخدم أبناء شعبها”.

وفي المقابل، تواصل “حماس” العمل وفق منطق مختلف تماما، فرغم الضغوط الهائلة التي تتعرض لها الحركة عسكريا وسياسيا وعلى المستوى العربي، فإنها تستفيد كثيرا من الفراغ الناتج من المماطلة في تنفيذ خطة ترامب ذات النقاط العشرين.

حماس تربح

هذا ما تراه الدراسة الإسرائيلية. وتمضي في رؤيتها بالقول إنه في ظل غياب جهة بديلة قادرة على فرض سيطرة فعالة على القطاع، تربح “حماس” الوقت، وهو مورد حيوي بالنسبة إليها، ويحافظ على قدرتها على البقاء وإعادة التنظيم والتسلح.

وفي هذا السياق، تسيطر “حماس” أيضا على المساعدات الإنسانية الواصلة إلى القطاع، وتجبي الضرائب من خلالها، بما يضمن لها مصادر تمويل، فضلا عن أن استمرار الحرب مع إيران واللقاءات المتعددة التي يعقدها معها نيكولاي ملادينوف، المفوض الأعلى للقطاع من طرف مجلس السلام، يعززان شعورها بالأهمية والشرعية.

وهكذا تستطيع “حماس” تأجيل الحسم من دون الالتزام بالخطوات الجوهرية المطلوبة منها: نزع سلاح القطاع، والتخلي عن السلاح، ونقل الحكم. كما أن قدرة النظام الإيراني و”حزب الله” على الصمود بعد الضربة الإسرائيلية- الأمريكية لإيران، توضح لـ”حماس”، ولسائر حلفائها، أن “محور المقاومة” ما زال قائما، ومعه الأمل بإعادة بناء القوة.

وطبقا لهذه الدراسة، فإن هذا المزيج بين تآكل مكانة السلطة الفلسطينية وبقاء “حماس”، إلى جانب غياب الاهتمام الإسرائيلي بحل الصراع مع الفلسطينيين، والتركيز بدلا من ذلك على حسم تطلعاتهم الوطنية، يغير طبيعة الصراع فعليا.

وتعلل ذلك بالقول إنه بدلا من صراع يُعتبر تحديا له أفق تسوية، يترسخ واقع إدارة صراع دائم يستهلك موارد ضخمة من الوقت والمال من المجتمع الدولي، من دون أي مسار سياسي للحل.

تصاعد الانتقادات ضد إسرائيل

وتنبه إلى أنه، في موازاة ذلك، تتصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل بسبب فقدان الثقة بجدية نيتها تجاه حل الصراع مع الفلسطينيين.

ففي الولايات المتحدة ودول غربية مركزية، تتبنى قطاعات واسعة من الرأي العام الرواية الفلسطينية بشأن أسباب استمرار الصراع، رغم “المجزرة” التي ارتكبتها “حماس” في السابع من أكتوبر. كما أن الاعتداءات العديدة والخطرة على الفلسطينيين في الضفة الغربية من يهود ومستوطِنين، بما في ذلك الاعتداء على الأرواح والأملاك، تصب الزيت على النار المشتعلة ضد إسرائيل.

وتؤدي جرائم المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة إلى تعزيز الفرضية التي تزداد رسوخا في الغرب، والقائلة إن إسرائيل تعمل على فرض السيادة على الضفة الغربية المحتلة، وأن “خطة الحسم” التي طرحها الوزير بتسلئيل سموتريتش تُطبق عمليا من طرف معظم وزراء الحكومة.

ويوضح أنه في العالم العربي يزداد أيضا القلق من أن إسرائيل تسعى لإعادة رسم حدودها استنادا إلى فكرة “أرض إسرائيل الكاملة”، أو حسبما قال أحد كبار المعلقين العرب: “إسرائيل لا تريد التطبيع، بل تريد تطويع المنطقة”.

وتضيف الدراسة في هذا المضمار: “كلما توسع هذا الاتجاه، فإنه سيشكل أساسا لمنح شرعية شعبية وسياسية على الساحة الدولية لاتخاذ خطوات أكثر تشددا تجاه إسرائيل، فاستمرار الصراع بصيغته الحالية، وعدم استعداد، أو عدم قدرة الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني على حد سواء، على الدفع بالحل قدما، يقوضان الافتراض الذي يفيد بوجوب ترك صياغة التسوية بأيديهما”.

وتضيف أنه من غير المؤكد أن الرئيس ترامب سيتمكن، بعد الحرب مع إيران، من مواصلة تجاهل الدعوات المتزايدة داخل الرأي العام الأمريكي، وكذلك في الدول العربية التي ازدادت التزاما تجاه القضية الفلسطينية بعد الحرب، وأيضا في الدول الأوروبية التي يحتاج إليها لتنفيذ خططه في غزة، للمطالبة باتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل، وهو ما يمكن أن يعزز القناعة داخل النظام الدولي بضرورة الدفع نحو حل للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، حتى لو تعارض ذلك مع تطلعات الطرفين.

وتحذر من أن استمرار الجمود السياسي، والاعتقاد الذي تعزز بعد السابع من أكتوبر لدى كثير من الإسرائيليين بإمكان تحقيق الأمن عبر السيطرة على شعب آخر لفترة طويلة، وضرورة معارضة أي عملية سياسية تتضمن تنازلات إقليمية، ربما يضع إسرائيل، بعد الحرب مع إيران، أمام تحديات في ثلاثة مستويات تؤثر جميعها في أمنها القومي:

على المستوى الداخلي: تعميق الانقسامات الجوهرية داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث ترى شرائح واسعة أن استمرار المشكلة الفلسطينية من دون حل يقوض نمط حياتها الديمقراطي والطابع الديمقراطي للدولة.

وعلى المستوى السياسي: تصاعد الانتقادات الدولية وتحميل إسرائيل مسؤولية استمرار الصراع.

وعلى المستوى الأمني: انتشار العنف بشكل كبير وغير منظم، بما قد يشمل الضفة الغربية وما بعدها بالتدريج.

خلاصة وتوصيات

وضمن الخلاصات، تقول الدراسة إنه في ظل الظروف السياسية الحالية في إسرائيل، هناك خطوات مطلوبة لاحتواء المخاطر الكامنة في الجمود السياسي غير قابلة للتطبيق، وعلى رأسها إعادة فتح مسار سياسي.

لكن هذا لا يعني أن عدم اتخاذ أي خطوة هو خيار واقعي لإسرائيل، بل على العكس، فالامتناع عن اتخاذ خطوات لتعزيز الحكم الفلسطيني، ومنع الفراغ على الساحة الفلسطينية، والحفاظ على الانخراط الإقليمي والدولي في الساحة الإسرائيلية- الفلسطينية، أمور كلها ستؤدي إلى تفاقم التهديد.

ومن هنا تستنتج الدراسة القول إنه حتى من دون تغيير في الساحة السياسية الإسرائيلية، تجد الدولة نفسها أمام خيار واضح: ليس بين الحل والتسوية، بل بين كبح التدهور أو تعميقه.

وعليه، يجب منع الانهيار الاقتصادي للسلطة الفلسطينية، والحفاظ على التنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن الجمهور الفلسطيني.

وترى أنه يجب إعادة تبني فكرة السعي للسلام، التي كانت جزءا لا يتجزأ من مفهوم الأمن الإسرائيلي منذ قيام الدولة، ومنحت إسرائيل إنجازات سياسية ما زالت ثمارها الأمنية ملموسة منذ عقود.

وترى الدراسة أنه من الضروري التمييز بين “حماس”، بصفتها حركة دينية راديكالية متمردة، وبين السلطة الفلسطينية باعتبارها عنوانا شرعيا وبراغماتيا يمكن التوصل معها إلى ترتيبات سياسية، حتى لا يُدفع النظام الفلسطيني بأكمله نحو التطرف.

وتنبه إلى أن الانسداد السياسي يمكن أن يؤدي إلى إعادة توحيد الساحة الفلسطينية بين “فتح” و”حماس”، بحيث لا تبقى في نهايته جهة فلسطينية معتدلة وفاعلة يمكن التنسيق والتحاور معها.

كما تقول إنه يجب تعزيز الاتصالات والتعاون مع مصر والأردن ودول الخليج، بهدف زيادة انخراطها في دعم أداء السلطة الفلسطينية، وتنفيذ مخطط يشمل نقل السيطرة على قطاع غزة إلى السلطة، باعتباره خطوة مركزية نحو استقرار الساحة بعد حرب قاربت على دخول عامها الثالث.

وترجح الدراسة الإسرائيلية أنه عندما تنتهي الحرب مع إيران، ستعود القضية الفلسطينية إلى مركز الأجندة الإقليمية والدولية، لكن هذه المرة ربما تظهر في سياق مختلف عن السابق، ليس باعتبارها ساحة وساطة مستمرة، بل كقضية تستدعي التدخل.

وتخلص إلى القول: “في مثل هذا الوضع، قد لا يعود المجتمع الدولي، ولا الدول العربية التي تسعى إسرائيل للتطبيع معها، وربما حتى الولايات المتحدة، مستعدين لقبول إدارة صراع دائم، بل يمكن أن يتجهوا إلى استخدام وسائل ضغط، وربما فرض تسوية. وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن معنى ذلك سيكون فقدان القدرة على صوغ شروط حل الصراع”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *