الخرطوم – “القدس العربي”: يتصاعد القلق الحقوقي والسياسي بشأن مصير الناشطة الحقوقية وموظفة الأمم المتحدة نجوى موسى كاوندا، وسط مطالب متزايدة من منظمات نسوية وحقوقية وسياسيين وناشطين بالإفراج الفوري عنها، في ظل استمرار احتجازها من قبل “الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال”، بقيادة عبد العزيز الحلو منذ أبريل/ نيسان 2026، وغياب أي توضيحات رسمية حول أسباب اعتقالها أو وضعها القانوني، ما أعاد فتح ملف حقوق الإنسان والحريات العامة في مناطق سيطرة الحركة في جنوب كردفان والنيل الأزرق، التي تحكم عبر هياكل موازية لمؤسسات الدولة.
تفاصيل الاعتقال
وحسب مصادر حقوقية ومحلية تحدثت لـ”القدس العربي”، اعتقلت كاوندا في منطقة أطوروجنوب كردفان بواسطة جهاز الاستخبارات التابع للحركة الشعبية، قبل نقلها إلى كاودا، المركز الإداري والعسكري الرئيسي للحركة.
وأشارت المصادر إلى أنها كانت تعمل في مجال العمل الإنساني والحقوقي المرتبط ببرامج أممية، وقد وصلت إلى المنطقة قادمة من نيروبي قبل توقيفها، دون إعلان رسمي عن أسباب الاعتقال أو توجيه تهم قانونية معلنة بحقها، وهو ما أثار موجة واسعة من القلق بشأن سلامتها.
وتعرف كاوندا بنشاطها في قضايا المرأة وبناء السلام والعمل المجتمعي في جبال النوبة، حيث شاركت في مبادرات محلية هدفت إلى خفض التوترات وتعزيز التعايش بين المجتمعات المتأثرة بالنزاع، ما جعل قضيتها تحظى باهتمام واسع من منظمات حقوقية ونسوية اعتبرت أن احتجازها يعكس تحديات أوسع تتعلق بوضع الحريات وحماية الناشطات الحقوقيات في مناطق النزاع.
طالبت “شبكة صيحة”، وهي منظمة إقليمية معنية بحقوق النساء في القرن الإفريقي، بالإفراج الفوري وغير المشروط عن نجوى كاوندا
وطالبت “شبكة صيحة”، وهي منظمة إقليمية معنية بحقوق النساء في القرن الإفريقي، بالإفراج الفوري وغير المشروط عن نجوى كاوندا، وحملت قيادة الحركة الشعبية مسؤولية سلامتها الجسدية والنفسية.
وأضافت: “احتجاز المدافعات عن حقوق الإنسان يمثل انتهاكاً خطيراً للحقوق الأساسية والحريات العامة، ويقوض بيئة العمل المدني في مناطق النزاع”.
كما دعت الشبكة إلى ممارسة ضغوط دولية على الحركة الشعبية وتحالفاتها السياسية من أجل وقف الاعتقالات التعسفية وضمان حماية الناشطين.
برزت أيضاً مواقف لعدد من الناشطات النسويات السودانيات اللواتي اعتبرن أن قضية نجوى كاوندا تعكس نمطاً أوسع من التضييق على النساء في الفضاء العام داخل مناطق النزاع.
الناشطة النسوية أمل هباني قالت إن استهداف النساء المدافعات عن حقوق الإنسان هو محاولة لإسكات الأصوات المستقلة داخل المجتمع المدني، وهو أمر بالغ الخطورة.
وأضافت: “هذه القضايا تكشف هشاشة الحماية القانونية للنساء العاملات في المجال الإنساني، خصوصًا في بيئات الحرب”.
أما الناشطة الحقوقية رجاء بنقورة، فقد أوضحت أن غياب الشفافية في إجراءات الاعتقال وحرمان المحتجزين من التواصل مع أسرهم ومحاميهم يمثل انتهاكًا واضحًا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
فيما قالت مفوضة العون الإنساني في الحكومة السودانية والقيادية الحركة الشعبية شمال جناح مالك عقار النسوية، سلوى آدم بنية: “القضية لا تتعلق بشخص واحد فقط، بل تعكس نمطًا من القيود المفروضة على العمل المدني، خاصة عمل النساء في مناطق النزاع، وهو ما يتطلب معالجة جذرية”.
اتهامات لحركة الحلو
لا تأتي قضية كاوندا بمعزل عن سياق أوسع من الاتهامات المتعلقة بالاحتجازات داخل مناطق سيطرة “الحركة الشعبية – شمال”، فقد وثقت تقارير حقوقية خلال السنوات الماضية حالات احتجاز طالت ناشطين وقيادات أهلية ومدنيين في جنوب كردفان. ففي عام 2025، أوردت تقارير محلية اتهامات للحركة باعتقال 13 من القيادات الأهلية في منطقة أبو الحسن في محلية رشاد، على خلفية خلافات سياسية ومجتمعية، دون إجراءات قضائية واضحة أو محاكمات معلنة، ما أثار انتقادات واسعة بشأن استخدام الاعتقال كأداة لإدارة النزاعات المحلية.
كما وثقت تقارير أخرى في العام نفسه، اتهامات بوقوع احتجازات لمدنيين في جنوب كردفان، مع مطالبات من منظمات حقوقية بفتح تحقيقات مستقلة في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز احتجاز تابعة للحركة.
وتشير هذه الحالات، وفق مراقبين حقوقيين، إلى وجود نمط متكرر من الاحتجاز خارج الإطار القضائي في بعض مناطق سيطرة الحركة التي تتسم بـ”قبضة أمنية حديدية”، في ظل غياب مؤسسات عدلية مستقلة قادرة على الرقابة أو المراجعة. لم تصدر الحركة حتى الآن بيانًا تفصيليًا حول قضية نجوى كاوندا، واكتفت في بيانات عامة سابقة بنفي وجود انتهاكات ممنهجة ضد المدنيين، مؤكدة أنها تدير مناطقها وفق مشروع سياسي يقوم على “السودان الجديد” ومبادئ “العدالة والمساواة”.
غير أن غياب التوضيح الرسمي في هذه القضية تحديدًا زاد من حدة الانتقادات، خصوصًا مع مطالبات متزايدة بالكشف عن وضعها القانوني وضمان حقها في محاكمة عادلة أو الإفراج عنها إذا لم تثبت عليها أي تهم.
وتسيطر الحركة على مساحات واسعة في جنوب كردفان والنيل الأزرق جنوب وجنوب شرق البلاد، وتديرها عبر هياكل عسكرية وإدارية موازية لمؤسسات الدولة السودانية، في سياق نزاع طويل ومعقد لعقود.
أعادت قضية كاوندا تسليط الضوء على ملف الاعتقال خارج الأطر القضائية وأوضاع حقوق الإنسان في مناطق النزاع في السودان ككل
وقد تطورت هذه البنية من حركة مسلحة إلى كيان سياسي – عسكري يدير مناطق الحركة. وعلى الرغم من احتجاج ناشطين حقوقيين على أوضاع حقوق الإنسان، والمعيشة، والتعليم، والبنية التحتية في المنطقة، فإن الحركة تتهم باستخدام مواردها، لا سيما المعدنية منها، نحو الجهد العسكري المستمر لسنوات طويلة مقابل الضيق المعيشي والقبضة الأمنية المشددة.
ومع تزايد الاتهامات التي تواجه الحركة بالاحتجاز غير القانوني للناشطين والخصوم السياسيين، واستمرار غياب الشفافية في عدد من الحالات، تتعاظم الأسئلة حول مستقبل الحريات العامة في مناطق سيطرة الحلو والتي تتبنى مواقف متشددة فيما يلي الحريات والديمقراطية والمساواة.
كما أعادت قضية كاوندا تسليط الضوء على ملف الاعتقال خارج الأطر القضائية وأوضاع حقوق الإنسان في مناطق النزاع في السودان ككل، وحدود السلطة في بيئات تسيطر عليها حركات مسلحة، وقدرتها على الالتزام بالمعايير الدولية في التعامل مع المدنيين والنشطاء. وتأتي الاتهامات لحركة الحلو في ظل انخراطها في تحالف مع “الدعم السريع” منذ مارس/ آذار من العام الماضي، التي تواجه بدورها اتهامات دولية متكررة بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين في مناطق مختلفة من السودان.