شفاعمرو- “القدس العربي”:- يتمتع بعض الناس بالصحة وطول العمر والذاكرة الخضراء، ويبقون راضين متصالحين مع أنفسهم رغم عثرات الزمان
وتتقاطع مع هذه الحالة السيدة الفلسطينية أم نزار، سميرة قرمان دياب، ابنة الرابعة والتسعين، ابنة حيفا داخل أراضي 48.
التقت “القدس العربي” أم نزار داخل منزلها في مدينة شفاعمرو، حيث تقيم منذ عقود، فأخذتنا في رحلة داخل زواريب التاريخ والجغرافيا، ليتضح أنها تروي سيرة مجتمع أو شعب كامل، بحلوها ومرّها. بدأت الحديث عن مسيرتها من محطتها الأولى حيفا، وكيف لا والحب دوماً للحبيب الأول، مروراً ببيروت ودمشق وبغداد والقاهرة ونابلس ويافا والناصرة وغيرها.
داخل منزلها الأشبه بالمتحف، والمكتظ باللوحات والأعمال الفنية والمقاعد الدمشقية، ومن خلفها بيانو كبير وفخم، استعادت أم نزار مسيرتها منذ ولدت في حيفا عام 1932، وتوقفت كثيراً عند والدها، البطل الأول والأخير في حياتها، الحاج طاهر قرمان، وعند والدتها.
وتستذكر أن والدها الراحل طاهر قرمان قدم في نهايات الحكم العثماني من نابلس مع والدته الأرملة التي عملت خياطة، وأربع شقيقات، وتشير إلى أصل التسمية بالقول إن العائلة من بلدة الشويكة، قضاء نابلس. والدها، الذي تيتم من والده وهو ابن أربع سنوات، لم يتجاوز عمره العشر سنوات يوم اضطر لاستبدال المدرسة بالسوق في حيفا، حيث دأب على بيع الخبز والمناقيش و”الشربات” البيتية ليساعد في معيشة الأسرة.
ورداً على سؤال، تقول أم نزار إن والدها مثال على العصامية، وإنها لو بقيت تتحدث عنه أسبوعاً لما أوفته حقه. “ورغم ثرائه كان يبدي حساسية كبيرة تجاه الفقراء، لدرجة منع أولاده من تناول أنواع من الأطعمة مثل “اللبنة بالثوم الأخضر” قبل أن يكون الثوم الأخضر في متناول الجميع وبسعر معقول، مثلما كان يتكفل بمعيشة طفلات داخل دير للأيتام في حيفا”.
تتحدثين عن والدك بإسهاب ولا تذكرين والدتك، فهل أحببته أكثر؟ على هذا السؤال تجيب: “أمي سيدة تركية الأصل، عالية صدقي، كانت كبقية النساء، وأصارحك أنني أحب والدي أكثر، ففي كل يوم أترحم عليه وأستذكره بعد النبي، كونه أباً مثالياً. تعرف والدي إلى والدتي من خلال صديق كان هو الآخر متزوجاً من سيدة تركية”.
أم نزار مع والدتها التركية عاليا (من أرشيف العائلة)
“كن متصالحاً مع نفسك ومع ربك. أولاً مع ربك، ومن ثم مع نفسك مصالحة صادقة”
من بائع متجول إلى رجل الأعمال الأول
ورداً على سؤال، تقول أم نزار بثقة واعتزاز: “يتم ارتقاء السلم درجة درجة. لقد بنى والدي نفسه من الصفر، وظل يجتهد ويبيع أشياء بسيطة مثل مناقيش الزعتر والعصائر البيتية، بالتعاون مع أخواته ووالدته، حتى صار يمتلك دكاناً وراء دكان، وعلّم نفسه القراءة والكتابة، فهو لم يتعلم سوى القليل داخل كتّاب، بيد أنه حرص على تعليم أولاده وأولاد شقيقه في مدارس وجامعات البلاد ولبنان”.
كما تتوقف عند مسيرة تطور وازدهار أعماله التجارية، حيث سرعان ما صار تاجراً معروفاً على مستوى البلاد والمنطقة، يدير شبكة تجارة وصلت خيوطها إلى دمشق وبغداد وبيروت والقاهرة، حتى كان قادراً على إنجاز صفقة بيع تمور من العراق تُشحن إلى مصر من خلال مكالمة هاتفية من مكتبه في حيفا.
كذلك كان الحاج طاهر أحد ثلاثة مبادرين لبناء أكبر شبكة تبغ في البلاد، مصنع قرمان ـ سلطي ـ الديك لإنتاج السجائر من أوراق الدخان المزروع في الجليل. ويشار إلى أن الحاج طاهر قرمان أسس لاحقاً الغرفة التجارية في حيفا خلال فترة الاستعمار البريطاني، وتولى إدارتها، ثم انتخب نائباً لرئيس بلدية المدينة لعدة سنوات. بيد أن زلزال النكبة أوقف مسيرته الاقتصادية أيضاً، فانتقل بعد سقوط مدينته إلى قرية إبطن، حيث كان قد اقتنى آلاف الدونمات وأسس فيها مزرعة، بقي فيها حتى رحيله المبكر عام 1962، وهي ما زالت موجودة حتى اليوم، ويمتلك ورثته معظم مساحتها.
أم نزار خلال دراستها في مدرسة راهبات الناصرة (من أرشيف العائلة)
راهبات الناصرة
ولدت أم نزار في حيفا عام 1932 داخل المستشفى الألماني في حيفا، منوهة إلى أن والدتها كانت من النساء اللواتي ولدن في مستشفيات المدينة مثل الطلياني والألماني ومستشفى حمزة وغيرها. وتستذكر أن المدينة كانت فوارة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية، منوهة إلى “سوق الشوام”، أحد أبرز أسواق حيفا، وتقول إنه في العادة كان الكبار فقط يذهبون إلى السوق، وكان موقعه قريباً من ساحة الحناطير، ساحة باريس اليوم، وفيه باع تجار سوريون أقمشة وأحذية وأغذية.
وتتابع: “وأذكر متجر نعيم العسل، وهو مجمع تجاري ضخم فيه كل ما تتمناه، ويوجد بين البيوت، وزار هذه الأسواق عرب ويهود، الذين سادت بينهم علاقات طيبة حتى تدفق موجات الهجرة، وتفاقم نشاط الصهيونية، واندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، فتراجعت هذه العلاقات قليلاً”.
“في ذاكرة أم نزار، لا تبدو حيفا مدينة فقط، بل مسرحاً لحياة كاملة اختلطت فيها التجارة بالفن، والبحر بالأسواق، والبيوت بالموسيقى
الحياة الاجتماعية
وتوجز القول عن الحياة الاجتماعية بالقول إنها كانت حلوة جداً، وتختلف من طبقة إلى أخرى ومن طائفة إلى أخرى في مستوى المعيشة ومن ناحية المحافظة، منوهة إلى أنها عندما كانت ترغب بالمشاركة في عيد ميلاد صديقة لها، كانت تبلغ والدها سلفاً، وهو يقوم بالسؤال عن هذه الصديقة قبل أن يوافق.
وتتابع: “فعلى سبيل المثال، في أعراس المسيحيين لم يكن هناك فصل بين الرجال والنساء، مع مشروبات روحية”. وعن ملامح حفلات الزفاف تضيف: “كانت مغنية من الإذاعة الفلسطينية تحضر من القدس أو يافا وتحيي الأعراس مع فرقتها، وكانت تقام للنساء فقط، وكان بائع البوظة يقدمها، وفي بعض الأعراس كانت تقدم وجبات طعام كما هو اليوم”.
كانت حيفا تستقبل يوسف وهبي وأمينة رزق وأم كلثوم، فيما كان والدها يسافر إلى القاهرة ليسمع كوكب الشرق كلما حملته تجارته إلى مصر
فنانون من مصر
أم نزار مع زوجها (من أرشيف العائلة)
وتستذكر زيارات فنانين من مصر إلى حيفا، أمثال يوسف وهبي وأمينة رزق وأم كلثوم، لكنها لم تشارك في أي منها، بعكس والدها: “بيد أن والدي كان يشارك في هذه الحفلات التي كانت تقام في حيفا التحتى، وكان يذهب لسماع أم كلثوم في القاهرة كل مرة زار فيها مصر ضمن أعماله”.
وتشير إلى أن أبناء العائلات الغنية دأبوا على التعلم في بيروت، وتستذكر عائلة صهيون التي تعلم أولادها التسعة في جامعات لبنان، وكانوا من وجوه الطبقة المثقفة في المدينة، وارتبط والدها معهم بعلاقات صداقة.
كما تستذكر الطبيب اللبناني الأصل نايف حمزة، من قرية عبية، الذي أسس في حيفا مستشفى حمل اسمه، يدعى اليوم مستشفى “رمبام”، وتقول إنها عرفته جيداً كشخصية وسيم الطلعة، لبق، محب للحياة الاجتماعية، وطبيب شهير، وبناته تعلمن معها في مدرسة راهبات الناصرة، علماً أن عائلات لبنانية وسورية أيضاً سكنت حيفا.
من سوق الشوام إلى ساحة الحناطير، ومن مستشفى حمزة إلى مدرسة راهبات الناصرة، تستعيد أم نزار مدينة كانت تفور بالحياة قبل أن تغيّرها النكبة
مدارس حيفا
ترعرعت أم نزار في حيفا، وبدأت مسيرة تعلمها في المدرسة الإنكليزية في حيفا سوية مع شقيقها، ومنها انتقلت إلى مدرسة الكرمليت، وأنهت دراستها في مدرسة راهبات الناصرة، وكانت كلها مدارس للبنات فقط، وتبشيرية مسيحية، رغم وجود مدارس محلية كثيرة.
وطبقاً لشهادتها، كانت راهبات الناصرة توظف إنكليزياً لتعليم الإنكليزية، وفرنسياً لتعليم الفرنسية، وعربياً لتعليم العربية، وعن ذلك تتابع: “ما زلت أجيد الحديث باللغتين الأجنبيتين حتى اليوم. المعلمات راهبات عربيات، والتلاميذ من حيفا ومن خارجها مثل يافا وعكا”.
لكن نكبة 1948 قطعت مسيرتها، ودفعتها مع عائلتها إلى لجوء دام عاماً ونيفاً في بيروت نهاية عام 1949، فعوضت توقف مسيرتها التعليمية بالالتحاق بمدرسة إنكليزية في بيروت. وعادت سميرة قرمان دياب وعائلتها من لبنان تسللاً، واستقرت في بلدة إبطن، حيث مزرعة والدها، فاستأنفت دراستها في ذات المدرسة في حيفا، وبعد إنهاء الثانوية بسنوات قليلة زاولت مهنة التربية والتعليم في إبطن، في مدرسة أقامها والدها على نفقته.
الزواج مرتين
وخلال ذلك تزوجت من ابن عمها كمال قرمان، ولهما ولدان، وبعد عشر سنوات تزوجت ثانية من طبيب لبناني بارز هو الدكتور موفق دياب، الذي قدم من بيروت إلى حيفا قبل احتلالها عام 48.
وكان الراحل الدكتور موفق دياب قد عمل لسنوات طويلة طبيباً في بيروت بعدما أنهى دراسته في الجامعة اليسوعية فيها، وما لبث أن لبى دعوة جمعية أهلية فلسطينية بحثت عن أطباء يعملون في أرياف حيفا، فاستقر في شفاعمرو، ولم يتمكن من العودة بعدما تقطعت به السبل بعد النكبة الفلسطينية.
داخل بيتها الشبيه بالمتحف، بين اللوحات والمقاعد الدمشقية والبيانو، تروي سميرة قرمان دياب سيرة امرأة حملت معها حيفا أينما ذهبت
وتوضح أم نزار أن الطبيب دياب زار قريتها إبطن شرقي حيفا، ولاحقاً تعرفا إلى بعضهما بعضاً فتزوجا، وأنجبا ابنتين وولداً، واستقرا في شفاعمرو عام 1961 حتى رحيله عام 2008. علاوة على عمله كأول طبيب في شفاعمرو وضواحيها، تطوع يوماً في الأسبوع مقدماً خدمات مجانية، بل قدم الأدوية أيضاً للفقراء دون مقابل.

ضيافة الليمونادا
السيدة سميرة، التي تبدو أصغر من عمرها بحيويتها وأناقة ملابسها وذاكرتها الخضراء وذهنها الصافي ودقة ملاحظتها، روت على مسامعنا كماً هائلاً من التفاصيل، وقبل استعادة مسيرتها ومسيرة زوجها ووالدها، استقبلتنا وقدمت كوباً من عصير الليمونادا الذي يذكّر بأنماط من الضيافة الفلسطينية المعهودة. كان العصير منعشاً وممتازاً، بمقادير دقيقة من المكونات: قليل من السكر مع قليل من ماء الورد والزهر.
وعن ذلك قالت: “منذ عقود كثيرة، وعصير الليمونادا لا يفارق بيوتنا، فطالما كنا نعده من الحامض والماء وماء الزهر الذي كان ينتج هنا في فلسطين أو لبنان. في البدايات كنت أنا وقريبتي سعاد نتكفل بإنتاج الليمونادا داخل بيوتنا في حيفا وإبطن. كنا نختار حبات الحامض الكبيرة، ونقوم بغسلها جيداً وتقطيعها مع قشورها، ونضع عليها السكر، ونقوم بهرسها و”دعكها” حتى تستخرج كل السوائل المكونة من السكر والحامض، ثم ننتهي بتصفيتها وإضافة ماء الورد، وهكذا ينضج مشروب بيتي طبيعي وتراثي طيب المذاق”.
مع الزميل وديع عواودة
عيد الميلاد
وتوضح أم نزار أنها لا تتحمس للاحتفال بعيد ميلادها التسعين، بيد أنها تستذكر الاحتفالية الأخيرة التي نظمتها كريمتها عزيزة بهذه المناسبة، حيث دعت كل صديقات والدتها، وحرصت على إخراج احتفالية عملية وأنيقة وحضارية، وتنظيم “لمّة حلوة”.
ورداً على سؤال بين الجد والمزاح، قالت أم نزار إن طول العمر والصحة الطيبة توفيق من رب العالمين، يضاف إليهما الرضا والتصالح الصادق مع الذات. أم نزار، المولودة في حيفا عام 1932، تشير إلى أنها مقلّة في الطعام، ومواظبة على المطالعة، خاصة الروايات، وسماع الموسيقى وغناء الزمن الجميل.
وعن ذلك تتابع بلهجة واثقة وحازمة: “كن متصالحاً مع نفسك ومع ربك. أولاً مع ربك، ومن ثم مع نفسك مصالحة صادقة. أقوم قبل النوم يومياً بنوع من محاسبة الضمير، ولو لدقيقتين، وعندها ستنام نوماً عميقاً هانئاً”.
وعما إذا كانت تشعر بالاغتراب في الزمن الحالي، تشير إلى أنها تحسن التأقلم مع الموجود قدر المستطاع، واللجوء إلى الصمت عندما لا تقوى على التأقلم، والانقطاع للقراءة وسماع الموسيقى واللهو مع الأحباء. وبعد عملها في التربية والتعليم، نشطت أم نزار اجتماعياً، وكانت تساهم في تعليم الكبار في شفاعمرو، وافتتحت صفوفاً لمحو الأمية، مثلما كانت فاعلة في عدة جمعيات نسائية واجتماعية.