في الجزائر.. جدل واسع ومتزايد يشعله التراجع التدريجي للفرنسية في الفضاء العام


باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية إن مسألة التراجع التدريجي للغة الفرنسية في الفضاء العام الجزائري، تثير جدلًا واسعًا، في وقت أصبحت فيه اللغة الإنكليزية تتقدم عليها في النظام التعليمي، فيما بدأت الفرنسية بالفعل تتراجع من اللافتات واللوحات الإرشادية والاتصالات الرسمية وبعض الوثائق الإدارية.

ففي 25 يوليو/تموز الماضي، وخلال افتتاح المؤتمر الوطني الخاص بالدخول المدرسي، أعلن وزير التربية الجزائري أن اللغة الإنكليزية ستُدرَّس وحدها في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، على أن يبدأ التلاميذ في السنة الرابعة دراسة الفرنسية إلى جانبها. وكان الوزير قد برر هذا القرار، أمام نواب البرلمان، بالقول إن تعلم لغتين أجنبيتين في الوقت نفسه، تتقارب أبجديتهما وأصواتهما، يمثل عبئًا “مفرطًا” على الأطفال في سن مبكرة.

وزير التربية الجزائري برر هذا القرار بالقول إن تعلم لغتين أجنبيتين في الوقت نفسه، تتقارب أبجديتهما وأصواتهما، يمثل عبئًا “مفرطًا” على الأطفال في سن مبكرة.

ومنذ الدخول المدرسي لعام 2023، كانت الإنكليزية والفرنسية تتقاسمان العدد نفسه من الساعات الأسبوعية في المرحلة الابتدائية. وقد اضطرت السلطات آنذاك إلى توظيف آلاف أساتذة اللغة الإنكليزية بشكل عاجل. وهو ما دفعها، في أبريل/نيسان 2024، إلى فتح تخصص لتدريس الإنكليزية في المدارس العليا للأساتذة، وهي المؤسسات التي تتولى تكوين المعلمين.

وقد أعادت هذه التعديلات إشعال الجدل حول مكانة اللغة الفرنسية في التعليم الجزائري، سواء في المدارس الابتدائية أو في الجامعات. وفي مطلع أغسطس/آب، قال أحمد تسه، مؤلف كتاب “الاستئصال المستحيل.. تعليم الفرنسية في الجزائر”، خلال استضافته في بودكاست لصحيفة “الخبر” الناطقة بالعربية، إن القرار ذو طابع أيديولوجي أكثر منه تربوي، مشيرًا بشكل خاص إلى ضعف تكوين المدرسين الجدد للغة الإنكليزية.

ويرى تسه، وهو مستشار سابق في وزارة التربية، أن الفرنسية أدت دورًا في بناء الدولة الجزائرية بعد عام 1962، وأن الحد من وصول الجزائريين إلى هذه اللغة قد يؤدي إلى عزل البلاد عن محيطها المغاربي وعن إفريقيا الناطقة بالفرنسية، فضلًا عن قطع الصلة بأبناء الجالية الجزائرية في الخارج.

وأثارت تصريحات هذا المتخصص في قضايا التربية، رد فعل وزير سابق، هو الهاشمي جعبوب، المنتمي إلى حركة مجتمع السلم ذات التوجه الإسلامي، والمقربة من جماعة الإخوان المسلمين. ودافع جعبوب عن فكرة إلغاء تدريس الفرنسية بشكل نهائي، معتبرًا أن ذلك سيكون “قرارًا سياديًا يندرج في إطار استكمال استرجاع السيادة الوطنية”.

كما ساهمت أحزاب إسلامية ومحافظة في توسيع نطاق الجدل، حيث ترغب حركة النهضة في تأجيل تدريس الفرنسية إلى المرحلة الثانوية، لتصبح في المستوى نفسه مع الألمانية والإيطالية والإسبانية. أما جبهة الجزائر الجديدة، فترى أن تعليم الفرنسية للأطفال الجزائريين يصب، في المقام الأول، في مصلحة فرنسا.

وفي المقابل، دعا حزب العمال، ذو التوجه التروتسكي، إلى تأجيل الإصلاحات، وطالب بإجراء نقاش وطني تحت إشراف رئيس الجمهورية، مؤكدًا ضرورة تحقيق “تكامل بين العربية والأمازيغية والفرنسية والإنكليزية”.

أما التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وهو حزب علماني، فقد نشر بيانًا مطولًا أكد فيه أن “الفرنسية لا تزال لغة رئيسية في مجالات العلوم والطب والهندسة والبحث العلمي والدبلوماسية والثقافة”. وحذر الحزب من أن إضعاف تعليمها يعني تقليص قدرة الشباب الجزائري على الوصول إلى المعرفة ومواصلة الدراسات العليا والاندماج في عالم أصبح فيه تعدد اللغات مهارة أساسية.

جبهة الجزائر الجديدة ترى أن تعليم الفرنسية للأطفال الجزائريين يصب، في المقام الأول، في مصلحة فرنسا

وأضاف الحزب أن هذا الخيار “يزداد غرابة” بالنظر إلى أن الجزائر نفسها لا تزال تدرّس العديد من التخصصات الجامعية باللغة الفرنسية، معتبرًا أن السلطات “تنظم فشل الطلبة قبل دخولهم الجامعة أصلًا”.

الجدل يتجاوز المدرسة

وفي 12 أغسطس/آب، نشر جمع من المواطنين والأكاديميين والأساتذة والباحثين والكتاب والفنانين والفاعلين الاقتصاديين وأفراد من الجالية الجزائرية في الخارج مقالًا جماعيًا في صحيفة “لوموند”، أعربوا فيه عن قلقهم إزاء تراجع الفرنسية في الفضاء العام الجزائري، وليس في المدرسة فقط.

وأشار الموقعون إلى أن مظاهر هذا التراجع باتت تظهر في اللافتات واللوحات والاتصالات الرسمية والاستخدامات الإدارية. ودعوا إلى اعتماد مقاربة تقوم على التكامل بين العربية والأمازيغية والفرنسية والإنكليزية، رافضين أن يكون إدماج الإنكليزية قائمًا على إضعاف الفرنسية بصورة منظمة، كما طالبوا بتحسين تكوين المدرسين.

وبحسب ما أوردته صحيفة “لوموند”، يرى الموقعون أن القرارات الحالية تحركها اعتبارات أيديولوجية أكثر مما تستند إلى استراتيجية لغوية واضحة ومتماسكة.

لكن هذه الدعوة أثارت عاصفة من الانتقادات في الجزائر العاصمة. فقد كتبت صحيفة “الجمهورية الجديدة” في 16 أغسطس/آب أن أصحاب تلك المبادرة لا يدافعون، في نظرها، عن لغة بقدر ما يدافعون عن مكانة اجتماعية و“ريع رمزي”. واعتبرت أن المدارس الخاصة الناطقة بالفرنسية، والدراسات والشهادات الفرنسية، ثم الاستقرار في فرنسا، تجعل من الفرنسية “جواز سفر” اجتماعيًا أكثر من كونها مجرد ميزة فكرية أو معرفية.

أما صحيفة “الشروق” المحافظة، فأعادت إلى الواجهة التعبير القديم “حزب فرنسا”، في إشارة إلى ما تعتبره تيارًا فرانكوفونيًا مواليًا لفرنسا داخل الجزائر، أو ما يشبه “طابورًا خامسًا” بحسب الخطاب المتداول في هذا السياق.

الفرنسية والإنكليزية.. صراع أيديولوجي أم خيار تربوي؟

ورغم حدة الاستقطاب، يرى عالم اللسانيات الجزائري عبد الرزاق دراري أن الصورة أكثر تعقيدًا، قائلًا في مقابلة مع وسيلة إعلام جزائرية إن “الفرنسية واحدة من أهم اللغات الموجودة والمؤسسية في الجزائر”، مؤكدًا أنه لا يمكن التعامل معها باعتبارها لغة ينبغي إلغاؤها أو إهمالها، ليس فقط لأنها لغة قائمة بذاتها، وإنما لأنها تشكل جزءًا لا يمكن تجاهله من التراث الاجتماعي اللغوي والثقافي للبلاد.

لا يبدو الجدل في الجزائر مجرد نقاش حول لغة أجنبية تحل محل أخرى، بل يعكس صراعًا أوسع حول الهوية والسيادة والذاكرة الاستعمارية وموقع الجزائر في محيطها المغاربي والإفريقي وعلاقتها بفرنسا

وفي الوقت نفسه، يقر دراري بأهمية الإنكليزية، معتبرًا أنها واحدة من أهم اللغات في العالم، لكنه يرى أن الإشكال الأساسي يكمن في الطريقة التي يجري بها إدماجها داخل النظام التعليمي. ويؤكد أن المطلوب هو إدماج الإنكليزية ضمن إطار تربوي “خال من الأيديولوجيا”، مضيفًا أن ما يحدث اليوم يعكس، في رأيه، “الأيديولوجيا في أكثر أشكالها خطورة”.

حتى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المعروفة بمواقفها المحافظة، سعت إلى تخفيف حدة الاستقطاب، داعية إلى “إخراج إصلاح المدرسة من الحرب الأيديولوجية”.

وهكذا، لا يبدو الجدل في الجزائر مجرد نقاش حول لغة أجنبية تحل محل أخرى، بل يعكس صراعًا أوسع حول الهوية والسيادة والذاكرة الاستعمارية وموقع الجزائر في محيطها المغاربي والإفريقي وعلاقتها بفرنسا، في وقت تسعى فيه البلاد إلى تعزيز حضور الإنكليزية في التعليم والانفتاح على فضاءات دولية جديدة.

وتبقى المسألة الأساسية: هل تستطيع الجزائر بناء سياسة لغوية متوازنة تحافظ على العربية والأمازيغية والفرنسية، وتمنح الإنكليزية مكانتها المتزايدة، من دون أن يتحول التعدد اللغوي إلى ساحة جديدة للصراع السياسي والأيديولوجية؟ تتساءل “لوفيغارو”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *