رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
بعد أن أخذت إسرائيل على عاتقها المسؤولية عن قصف مطار أبو الظهور بمحافظة إدلب في شمال سوريا، اتهمت دمشق بأنها سمحت لقوات تركية بالتموضع في المطار العسكري المجاور في منطقة حلب، وبذلك انتهكت الوضع الراهن. أنقرة رفضت هذا الادعاء، أما دمشق فلا تسارع حالياً لكسر القواعد، أما واشنطن فتتهم إسرائيل بتصعيد مقصود. في العواصم الثلاث مقتنعون بأن ثمة ارتباطاً بين عملية إسرائيل الاستثنائية وانتخابات الكنيست التي يفترض إجراؤها بعد شهرين.
بدأ التدخل التركي في سوريا في 2011 عندما بعثت أنقرة بمساعدة الثوار الذين ثاروا على نظام بشار الأسد. ومع ذلك، من ناحية رسمية، دخل الأتراك إلى الدولة للمرة الأولى في آب 2016. في 2020 تعاظم وجودهم في الدولة على خلفية نوايا سوريا وحليفتها روسيا لاحتلال إقليم إدلب. بعد أن أوشك الجناح الذي يترأسه أحمد الشرع، لاحقاً رئيس الدولة، على تحقيق أهدافه فسقط نظام الأسد، تعمق نفوذ الأتراك في سوريا، وإن تطلعت دمشق إلىتحقيق علاقات أيضاً مع دول أخرى، وهذا في إطار امتناعها عن تعلق مطلق بأنقرة. وعليه، لماذا الآن بالذات تلقى الجيش الإسرائيلي تعليمات بالهجوم على المطار العسكري في إدلب؟ إسرائيل تلمح بأن تركيا تحاول بناء منظومة دفاع جوي في سوريا تعرقل عمل الجيش الإسرائيلي، خاصة في كل ما يتعلق بأعماله ضد إيران.
ربما نبع قرار الهجوم أيضاً من تقديرات جهاز الأمن الأخيرة حول طبيعة النظام السوري الجديد. ففي الأسبوعين الأخيرين، كان في سوريا ارتفاع واضح جداً من الأعمال العسكرية الإسرائيلية: حسب مصادر في سوريا، هاجمت إسرائيل أهدافاً سورية 27 مرة، ونفذت 36 عملية برية واعتقلت 11 مواطناً سورياً. على الرغم من ذلك، دمشق لم تهدد ولم تكسر القواعد. وقال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في هذا الشأن: “أعتقد أن على إسرائيل إعادة احتساب المسار. فهذه الهجمات لا تمس بسوريا فقط، بل وبالولايات المتحدة وبحلفائها في المنطقة”.
من شجب قصف الجيش الإسرائيلي للمطار كان السفير الأمريكي في سوريا توم براك، المعروف بقربه من أنقرة. لترامب علاقات قريبة على نحو خاص مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومنذ وقت غير بعيد وعدت أنقرة بمسار يسمح لها بشراء الطائرات القتالية المتطورة إف 35 من إنتاج الولايات المتحدة.
ترامب يستطيب الشرع أيضاً، وقد التقى به حتى الآن ثلاث مرات منذ بداية ولايته الحالية في البيت الأبيض. الولايات المتحدة معنية باستقرار الوضع في سوريا ولبنان، وترى في الشرع رجلاً أساسياً. في المقابل، ترى إسرائيل في الشرع وفي حليفه التركي خطراً حقيقياً. في الآونة الأخيرة، احتدت النبرة في رسائل صادرة عن محافل سياسية في إسرائيل فيما يتعلق بتركيا، ويبدو أن حكومة نتنياهو حددت أنقرة الآن بصفة العدو الدوري. فقد وصف نتنياهو أردوغان بـ “طاغية لاسامي يقمع شعبه”، وأردوغان من جهته يتهم نتنياهو بشكل دائم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في غزة. السؤال هو: هل عملية من هذا النوع قادرة بالفعل على كبح نفوذ الأتراك في سوريا، أم ستحقق نتيجة معاكسة وتشجع السوريين على الوثوق بالعلاقات مع أنقرة؟
بين دمشق وأنقرة علاقات قرب طويلة، إضافة إلى القرب الجغرافي الحرج. لكن منذ صعود الشرع إلى الحكم، عرف كيف يستند إلى أردوغان؛ فبنى منظومة علاقات مع حكام لدول عربية أيضاً، بمن فيهم محمد بن سلمان ولي العهد وحاكم السعودية الفعلي، وكذا مع رؤساء دول غربية – ترامب، إيمانويل ماكرون وغيرهما. لو كانت إسرائيل معنية حقاً بتغيير الوضع لشرعت في مفاوضات عميقة وجدية مع الحكم الجديد في سوريا، وليس فقط بمفاوضات تجري بسبب ضغوط واشنطن. وكان بوسع إسرائيل استغلال علاقاتها مع دول عربية أخرى تعمل اليوم في سوريا، كي تتأكد من ألا تتحول هذه الدولة إلى أرض تركية. لكن حكومة نتنياهو اختارت المسار الوحيد الذي تعرفه، وتعرفه جيداً – استخدام القوة العسكرية.
حتى لو حاول الأتراك بالفعل إقامة منظومات دفاع حساسة وحديثة على نحو خاص في المطار السوري، لكان ممكناً تسوية الأمر بالدبلوماسية، فهواتف كبار المسؤولين السوريين مفتوحة ومعروفة. ربما تعمل دمشق بشكل مختلف لمنع الحرج، من خلال أصدقائها الجدد في واشنطن أيضاً. وحسب “رويترز”، قبل بضعة أيام من الهجوم تحدث رئيس الموساد رومان غوفمان، مع وزير الخارجية السوري عن وجود الأتراك في دولته، لكن مشكوك فيه أن يكون هذا أفقاً مهماً ومتواصلاً للحوار.
في نهاية الأمر، يورط الهجوم في إدلب إسرائيل مع الولايات المتحدة، ولا يضيف نية طيبة في دمشق. إذا اعتقد أحد ما بأن الهجوم زاد مدى الردع الإسرائيلي، فهو مدعو لقراءة البيانات مرة أخرى، تلك التي صدرت في الأيام الأخيرة من واشنطن، من دمشق وأنقرة. لمنع تركيا من توسيع نفوذها في المنطقة، سيتعين على إسرائيل بلورة سياسة ذكية -ليس فقط قبضة حديدية- من شأن استخدامها وإن كان قد يلحق الضرر، لكنه لا يمنع المسيرة نفسها.
كسينيا سبتلوفا
هآرتس 20/8/2026