الناصرة – “القدس العربي”: أربك وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال، إيتمار بن غفير، الإثنين، رئيسها بنيامين نتنياهو، عندما سبق إلى الإعلان عن اكتشاف سفينة “ألتالينا” في قاع بحر يافا، وهي السفينة التي أمر دافيد بن غوريون بقصفها وإغراقها عام 1948 قبل أن تحقق هدفها بإيصال أسلحة إلى منظمة “الإيتسل” الإرهابية برئاسة مناحم بيغن.
وكان بن غوريون، بعد إعلان إسرائيل في أيار / مايو 1948، قد دعا العصابات اليهودية الإرهابية إلى تسليم سلاحها والانخراط في الجيش الإسرائيلي، انطلاقاً من مبدأ أن دولة يهودية قامت، ولم يعد هناك مكان للعصابات المسلحة. على هذه الخلفية، أُمرت سفينة “ألتالينا بتسليم السلاح الذي استحضرته من أوروبا لصالح منظمة “الإيتسل”، التي اشترطت استجابتها لبن غوريون بتقاسم السلاح، فأمر الأخير بقصفها وإغراقها، وتحاشياً للدخول في حرب أهلية، أمر بيغن بالرضوخ وعدم الرد”.
وصارت “ألتالينا”، منذ ذاك التاريخ، رمزاً للحرب الأهلية التي مُنعت بفضل بيغن، مؤسس حركة “حيروت” التي أنجبت لاحقاً حزب “الليكود” الحالي.
وعندما أعلن بن غفير عن العثور على موقع حطام السفينة بعمق 500 متر في بحر يافا، اختار أن يفعل ذلك، هو ووزير التراث اليهودي عميحاي إلياهو، دون إشراك نتنياهو في الأمر، رغم صلة السفينة بحركة “الإيتسل” وحزب “الليكود”، مثلما اختار الإعلان عن ذلك من داخل متحف “الإيتسل” في منشية يافا، بهدف المزاودة على نتنياهو وعلى “الليكود”، والتخاطب مع جمهور اليمين المتشدد واجتذابه إلى حزبه، “قوة يهودية”.
وهذه العملية، التي وصفها محرر الشؤون الحزبية والسياسية في صحيفة هآرتس اليوم، يوسي فرطر، أنها “حيلة ذكية جداً”، أذهلت نتنياهو وأربكته، فسارع مهرولاً نحو ذات المكان، وقام حراسه بطرد المستجمين من ساحل المنشية، ومن هناك أدلى بتصريحه حول السفينة ودلالتها، رافضاً التقاط صورة مشتركة مع بن غفير، مما دفع الأخير إلى الغمز واللمز من نتنياهو بمقارنته سلباً مع بيغن.
مسجد حسن بيك
وحسب روايات شفوية فلسطينية، يقوم متحف “الإيتسل” داخل المنشية على أنقاض عمارة كانت مكوّنة من طابقين؛ الأول متاجر، منها متجر لبيع الصابون النابلسي ودكاكين أخرى، والطابق الثاني مكان للسكن. امتلكتها عائلة حمامة الفلسطينية التي تم تهجيرها في نكبة 1948 مع كل أهالي المنشية. واختار أنصار وأعضاء عصابة “الإيتسل” الإرهابية، التي حُظرت بعد إقامة إسرائيل، بناء متحف لها كجزء من توثيق روايتها وترويجها داخل هذه العمارة، بعدما هدموا قسماً منها وبنوا لها واجهة زجاجية.
ولم يكن اختيار الموقع صدفةً، فقد تولت عصابة “الإيتسل” احتلال المنشية بعد قصفها بالمورترز، وتفجير بيوتها، وترويع أهلها، وحرصت على تدمير عمارتها ومحوها بالكامل، عدا عدد قليل جداً من بناياتها ومسجد حسن بيك، الناجي من يد الهدم والتهويد.
إمام وخطيب مسجد حسن بيك لـ”القدس العربي”: سياسة المحتل طمس الهوية الإسلامية العربية الفلسطينية، وليحقق ذلك هدم أحياء كاملة، من ضمنها حي المنشية
وقبيل النكبة، كان المسجد، الذي بناه العثمانيون، يتوسط حي المنشية، لكنه الآن يربض بمفرده على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ومن خلفه أحياء يهودية، في منطقة تصنفها إسرائيل على أنها تتبع لمدينة تل أبيب.
وعلى جدار سميك داخل المسجد، يمكن رؤية صورة لحي المنشية المفقود، مزدهراً بالمباني والسكان قبل عام 1948، وصورة أخرى لهذه المباني وقد سُويت بالأرض، ولم يتبقَّ منها إلا المسجد.
ويصر الدكتور أحمد محمد أبو عجوة، إمام وخطيب مسجد حسن بيك، على أن المسجد موجود في مدينة يافا وليس تل أبيب.
ويقول أبو عجوة لـ”القدس العربي” إن مسجد حسن بيك سُمي بهذا الاسم نسبة إلى والي مدينة يافا العثماني، حسن بيك الجابي الدمشقي، وهو يقع شمال مدينة يافا. وأضاف: “لا شك أن سياسة المحتل هي تغيير المعالم بطمس ومحو الهوية الإسلامية العربية الفلسطينية، وليحقق الاحتلال هذه الغاية قام بهدم أحياء كاملة، من ضمنها حي المنشية”.
ويوضح المؤرخ، بروفسور مصطفى كبها، لـ “القدس العربي” أنه قبل نكبة 1948 كان مسجد حسن بيك أعلى الأبنية في حي المنشية الواقع شرقاً منه.
وعند احتلال هذا الحي عام 1948 على يد منظمتي “الإيتسل” و”ليحي” الإرهابيتين، جرى اقتراف الفظائع ضد المدافعين عنه، وقد تم هدمه وإزالته عن وجه الأرض، وفقاً للضابط السابق في وحدة “الأرغون” الإرهابية، التي احتلت يافا عام 1948، يوسف نحمياس.
وأشار كبها إلى ما قاله نحمياس في مذكراته، إذ تعهد هو ورجاله بهدم مسجد حسن بيك فور الاستيلاء عليه، ويتابع: “بعد احتلال البلدة كنا على استعداد لتفجيره، ولكن جاء اعتراض صارم من قبل قائده، رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق مناحيم بيغن، وقال: إن القيادة الإسرائيلية تخوفت من أن يُنظر إلى الدولة العبرية، التي تسعى للتأسيس، أمام العالم على أنها تعمل على تدنيس أماكن المسلمين المقدسة”.
ويشير كبها إلى أنه، بعد فترة وجيزة من تسليم المسجد للمسلمين، انهارت مئذنة الجامع بين عشية وضحاها، ووُصف الانهيار رسمياً في التحقيقات أنه حادث نفذه متطرفون يهود. وكان التخريب المتعمد من فعل الجماعات اليمينية المتطرفة، أو من قبل المحاربين القدامى من عام 1948 الرافضين للسلام مع العرب والفلسطينيين. ومع ذلك، أعاد سكان يافا من العرب الفلسطينيين بناء المئذنة، حيث منحت حكومتا الأردن والسعودية أموالاً للقائمين على إدارة المسجد لإعادة ترميمه.
متحف “الإيتسل”
طبقاً للباحث الإسرائيلي المناهض للاحتلال وللصهيونية، الدكتور غيل غيرتل، يُعدّ متحف “الإيتسل” في يافا أحد أكثر مظاهر الفظاظة والغطرسة الصهيونية تطرفاً، مشيراً إلى أنه نصب تذكاري للمنتصرين، يقع على أنقاض منازل المهزومين، في استهزاء صريح بأحفاد اللاجئين الفلسطينيين الذين ما زالوا يعيشون في المدينة.
وفي مقال نشره في موقع محادثة محلية باللغة العبرية، يقول غيرتل: “لا يقتصر الأمر على غياب أي ذكر لحي المنشية وسكانه في المتحف، بل إن برنامجه التدريبي، الموزع أيضاً في النظام التعليمي، يشوّه الحقائق والأرقام تماماً، مع أنها حقائق تاريخية لا جدال فيها. فبدلاً من الحديث عن الاحتلال، يتحدثون عن التحرير؛ وبدلاً من الحديث عن مئات المنازل الفلسطينية التي هُدمت، يتحدثون عن منزل يملكه يهودي، يُزعم أنه سُرق؛ وبدلاً من الحديث عن 13 ألفاً من سكان حي المنشية الذين صاروا لاجئين، يتحدثون عن عائلة يهودية شجاعة أُجبرت على الفرار من الحي بسبب عداء العرب”.
المؤرخ مصطفى كبها لـ”القدس العربي”: بعد فترة وجيزة من تسليم المسجد للمسلمين، انهارت مئذنة الجامع ووُصف الانهيار رسمياً بأنه حادث نفذه متطرفون يهود
ويضيف إنه في البداية بُني متحف لذكرى محرري يافا، يُكرّس ذكرى الاحتلال، مستذكراً ما قاله مناحيم بيغن، قائد “الإيتسل” آنذاك، لعناصر عصابته: “أيها الجنود الأقوياء! سنخرج لفتح يافا!”.
وفي عام 1951 وثّق المؤرخ حاييم لازار المعركة في كتابه “فتح يافا”، مشيراً إلى أنه في عام 1956، وبعد أن قامت بلدية تل أبيب بهدم المنازل في الجزء الشمالي من المنشية، تم إنشاء حديقة المحتلين في مكانها، مع نصب تذكاري في وسطها: “نصب تذكاري لمدافعي تل أبيب ومحتلي يافا”.

ويضيف: “مع ذلك، على مر السنين، خاصة بعد عام 1967، اكتسبت كلمة “احتلال” دلالة سلبية. في عام 1978، بعد عام من وصول حزب “الليكود” إلى السلطة، بدأت فكرة إقامة نصب تذكاري آخر لمقاتلي “الإيتسل” الذين سقطوا في معركة احتلال يافا تتبلور. تم توسيع الموقع التذكاري ليصبح متحفاً، تم افتتاحه عام 1983. في احتفال عيد الأنوار (حانوكا)، قال مناحيم بيغن، رئيس الوزراء آنذاك: “هذا البيت، الذي بُني للمجد، شُيّد تخليداً لذكرى محرري يافا”. يصل التلاعب بالألفاظ إلى حد السخافة على إحدى لوحات العرض داخل المتحف. كُتب في أعلى اللوحة: “خطاب قائد “الإيتسل” عشية “تحرير يافا”، وفي داخل اللوحة اقتباس: “سنخرج لفتح يافا”. وينطبق الأمر نفسه على اللوحة الإنجليزية المقابلة. العنوان: “الخطاب… قبل حملة تحرير يافا”، وتحته الاقتباس: “سنخرج لغزو يافا””.
اختلاق وكذب
في ضوء التحول الذي طرأ لاحقاً على هدف المعركة من الاحتلال إلى التحرير، كان من الضروري أيضاً تغيير الرواية التاريخية المعروضة في المتحف. ليس هذا فحسب، بل تم تزوير هوية العمارة التي يقوم فيها المتحف اليوم، وهذا ما جاء في موقع المتحف الإلكتروني: “شُيّد المبنى الذي يضم المتحف عام 1900 على يد رجل أعمال يهودي قدم من أوروبا الشرقية وسعى إلى الاستقرار في أرض إسرائيل. بعد وفاة المالك، انتقلت ملكية العقار، بطريقة غير واضحة، إلى الدكتور حمامي، وهو رجل أعمال مسلم ثري من يافا”.
ويؤكد الباحث غيرتل أن قصة المتحف لا أساس لها من الصحة: “صحيح أن المنشية كانت تضمّ سكاناً يهوداً، لكن لم ينكر أحد قط أن المنشية كانت حياً عربياً. عندما تختار سرد قصة منزل واحد وعائلة واحدة من بين مئات وآلاف القصص، حتى لو كان كل ما ورد فيها صحيحاً، فمن الواضح أنك تختلق قصة من لا شيء. باختيارك هذه القصة تحديداً، في حين أن زوار المتحف لا يعلمون بوجود آلاف القصص الأخرى، فأنت تنسج رواية. حتى وإن لم يكن كذباً، فهو اختلاق للحقيقة”.
إنكار يُظهر ضعف المنتصر
من هنا يستنتج غيرتل قائلاً: “ليست هذه مجرد قصة أصلية، بل هي مصممة لإخفاء الحقيقة الكبرى التي لم تُذكر بتاتاً: حي المنشية العربي احتُلّ في نيسان / أبريل 1948، ونزح نحو 13 ألفاً من سكانه، ودُمّرت جميع منازلهم. من المُفزع أن يُقدم متحف، وهو مؤسسة ذات أهداف تاريخية وتعليمية، على هذا التشويه الفظيع”.
الباحثة الإسرائيلية في “ذاكرات” نورما موسي: كل الأسماء المكتوبة هنا، بالعبرية لمن احتلوا المكان. لكن لا توجد أسماء لمن سكنوا هذا البيت
ويُشار أيضاً إلى أن الباحثة الإسرائيلية من منظمة “ذاكرات” (زوخروت)، الدكتورة نورما موسي، قد أجرت دراسة عن المنشية، ووضعت كراساً مرشداً عنها وعن المتحف، ومما جاء فيه ما يختزل الحقيقة التاريخية: “هذا هو بيت “الإيتسل”، متحف بناه لأنفسهم من احتلوا المنشية وطردوا سكانها الفلسطينيين. هناك الكثير من الأسماء مكتوبة هنا، أليس كذلك؟ جميعها أسماء بالعبرية لمن احتلوا المكان. لكن لا توجد هنا أسماء لمن سكنوا هذا البيت يوماً ما، ولا أسماء الحي الذي كان يقع فيه، ولا اسم من بناه. ربما يصبح هذا البيت يوماً ما متحفاً يروي تاريخ حي المنشية، أو ربما يعود أحفاد من سكنوا هنا يوماً ما؟ انظروا إلى المبنى، ماذا ترون فيه؟”.
وكتب المناضل والمفكر والإعلامي الفلسطيني شفيق الحوت عن حي المنشية في يافا بفيض من مشاعر الحنين والارتباط الوجداني، واصفاً إياه أنه محطة الطفولة الأولى ومرعى الصبا الذي شكّل وعيه ووجدانه وهويته الفلسطينية قبل النكبة عام 1948. وقد وثق ذكرياته عن هذا الحي العريق في كتابه الشهير “بين الوطن والمنفى: من يافا بدأ المشوار”.
َ