باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى للحفاظ على قبضته على حزب الليكود، في وقت تستعد فيه إسرائيل لانتخابات تشريعية شديدة التنافس في 27 أكتوبر/تشرين الأول، مشيرة إلى أن الرجل الذي أمضى نحو 19 عاماً، في مجموع فتراته، في رئاسة الحكومة، يواجه هذه المرة حملة انتخابية صعبة.
وأضافت الصحيفة أن نتنياهو، المعروف بلقب “بيبي”، والبالغ من العمر 76 عاماً، راكم خلال مسيرته السياسية نفوذاً استثنائياً داخل اليمين الإسرائيلي، مكنه من الفوز في العديد من الانتخابات منذ عام 1996، بفضل قدرته على المناورة السياسية، فضلاً عن قاعدة شعبية شديدة الولاء له، رغم كونه من أكثر السياسيين إثارة للانقسام في إسرائيل.
ففي 17 أغسطس/آب الجاري، تمت دعوة نحو 140 ألفاً من أعضاء الليكود إلى التصويت في الانتخابات التمهيدية للحزب، بهدف اختيار المرشحين الذين سيشكلون قائمته الانتخابية خلف نتنياهو. وأهمية هذه الانتخابات لم تقتصر على تحديد أسماء النواب المقبلين، وإنما تجاوزتها إلى تحديد مستقبل الائتلاف الحكومي الحالي ومصير نتنياهو السياسي.
رأت الصحيفة أن السؤال الذي يثير القلق داخل معسكر نتنياهو يتمثل في مدى قدرته على تكرار إنجازاته الانتخابية السابقة، وقلب نتائج استطلاعات الرأي التي تبدو غير مواتية له، والبقاء في السلطة بعد الانتخابات المقبلة.
كانت المنافسة داخل مكاتب الاقتراع تتركز أساساً على المراتب الأولى في قائمة الليكود، حيث إن الحصول على موقع متقدم فيها قد يضمن للمرشح الفوز بمقعد في الكنيست المؤلف من 120 نائباً، وربما الحصول لاحقاً على منصب وزاري إذا تمكن الحزب من تشكيل الحكومة.
هذه الانتخابات التمهيدية تكتسب أهمية أكبر بسبب الظروف التي تمر بها إسرائيل منذ هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما أعقبه من حروب وانقسامات سياسية واجتماعية عميقة داخل البلاد.
تابعت “لوموند” موضحة أن نتنياهو يواجه حملة انتخابية صعبة بصورة خاصة، رغم تمتعه بدعم قوي من وسائل إعلام مؤيدة له، مشيرة إلى أن قطاعاً واسعاً من الرأي العام الإسرائيلي يحمله مسؤولية الإخفاق الأمني الذي سبق هجوم 7 أكتوبر، كما ينتقده بسبب عدم تحقيق نتائج سياسية توازي الانتصارات العسكرية التي حققتها إسرائيل ضد حماس وحزب الله.
فحزب الليكود، الذي حصل على 32 مقعداً في انتخابات عام 2022، يتراوح حالياً، وفق استطلاعات الرأي، بين 22 و24 مقعداً، وهو ما يضعه في منافسة متقاربة مع القوة السياسية التي يقودها غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، الذي يوصف بأنه أكثر توافقية وقبولاً لدى قطاعات أوسع من الإسرائيليين.
ركز نتنياهو أيضاً على تعزيز موقعه داخل حزبه، بالتوازي مع الحروب ضد إيران وحماس وحزب الله، والضم الفعلي للضفة الغربية، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لنحو 70% من قطاع غزة. وحاول رئيس الوزراء في البداية إلغاء الانتخابات التمهيدية، لكنه حصل في نهاية المطاف على حق تعيين تسعة مرشحين في المراتب الأولى من قائمة الليكود، وهو ما سمح له بتأمين مواقع لعدد من المقربين والحلفاء.
وحصل وزير الدفاع يسرائيل كاتس ووزير الخارجية جدعون ساعر بذلك على ضمانة للفوز بمقعدين في الكنيست؛ فيما لم يحصل أعضاء الليكود، في المقابل، سوى على فرصة محدودة لاختيار النواب المستقبليين، الأمر الذي فتح الباب أمام عملية تجديد واسعة داخل الكتلة البرلمانية.
ونقلت الصحيفة عن أفيف بوشنسكي، المحلل السياسي والمستشار السابق لنتنياهو، قوله إن من المرجح جداً أن يشاهد أكثر من نصف أعضاء الكنيست الحاليين البرلمان المقبل عبر شاشات التلفزيون، في إشارة إلى احتمال خسارتهم لمقاعدهم.
وتابعت “لوموند” القول إن شدة المنافسة الداخلية دفعت المرشحين إلى تبني مواقف أكثر تطرفاً، إذ ركزوا خلال حملاتهم على مهاجمة اليسار، واتهام القضاء بتجاوز صلاحياته، والمطالبة بمواصلة الحرب، فضلاً عن الدفاع عن استمرار ضم الضفة الغربية.
وقد أظهرت نتائج الانتخابات التمهيدية تقدم عدد من الشخصيات الأكثر تشدداً، من بينهم أمير أوحانا، رئيس الكنيست المنتهية ولايته والمدافع الصريح عن الاستيطان في الضفة الغربية؛ وياريف ليفين، وزير العدل وأحد أبرز مهندسي الإصلاح القضائي الذي أثار احتجاجات ضخمة في إسرائيل مطلع عام 2023؛ وألموغ كوهين، المنشق حديثاً عن اليمين المتطرف؛ وأميخاي شيكلي، المؤيد لإقامة تحالفات مع أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا.
كما تمكنت تالي غوتليف، النائبة المعروفة بتصريحاتها الحادة ومواقفها المتشددة، من التأهل رغم تحرك المقربين من نتنياهو للحد من شعبيتها داخل الحزب.
وأكدت “لوموند” أن نتنياهو لا يبدو مستعداً للتخلي عن سيطرته الشخصية على الليكود، مضيفة نقلا عن أفيف بوشينسكي قوله إن رئيس الوزراء أدرك أنه من غير المفيد له أن يقوم بتعيين أو ترقية شخصية قد “تطعنه في الظهر” في المستقبل وتقول له إن “وقتك انتهى وعليك أن تترك مكانك”.
تهدف استراتيجيته (نتنياهو)، إلى جانب الحفاظ على سيطرته الحالية، إلى التحضير لمرحلة ما بعد انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول، حين تبدأ المفاوضات بين الأحزاب لتشكيل ائتلاف حكومي جديد. وقد يكون تشكيل الأغلبية البرلمانية حاسماً بقدر أهمية نتيجة الانتخابات نفسها، مشيرة إلى أن نتنياهو، كلما أحاط نفسه بمزيد من الموالين، قلّ خطر تعرضه لانشقاقات داخلية أثناء مفاوضات تشكيل الحكومة.
ويسعى حزب الليكود، في الوقت نفسه، إلى استثمار حالة الاستقطاب التي تعيشها إسرائيل بعد سنوات من الحرب والصدمة، من أجل دفع أجندة قومية وشعبوية أكثر تشدداً، تقول “لوموند”، متسائلة عما إذا كان الليكود قد أصبح قريباً إلى درجة كبيرة من اليمين المتطرف ذي النزعة التفوقية، مشيرة إلى أن حدود الفصل بين الحزب وخصومه من اليمين المتطرف باتت أكثر ضبابية.
ونقلت الصحيفة عن صحافي في “هآرتس” الإسرائيلية اليسارية، قوله إن اليمين المتطرف لم يعد محصوراً في حزبي إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وإن الليكود نفسه، الذي كان ينظر إليه سابقا باعتباره بيت اليمين الإسرائيلي المعتدل، أصبح الآن التعبير الأوسع والأقوى عن هذا التيار.
كما نقلت عن كاتب في صحيفة ”واينت” اليمينية قوله إن الخطر الذي يواجه نتنياهو لم يعد يتمثل فقط في احتمال انضمام مسؤولين من الليكود إلى بن غفير، بل في أن أفكار بن غفير السياسية أصبحت بالفعل متغلغلة داخل الليكود نفسه.
يستثمر الليكود كذلك في مشاعر الرفض القوية لدى قاعدته تجاه اليسار والأحزاب العربية الإسرائيلية، التي قد تلعب دوراً حاسماً في تمكين المعارضة من تشكيل حكومة بعد انتخابات 27 أكتوبر، تتابع “لوموند”، مشيرة إلى أن المتحدث باسم الليكود قال، الاثنين، على شاشة القناة 14، إحدى أهم المنصات الإعلامية المؤيدة لنتنياهو، إن المعركة الانتخابية تقوم على خيار واضح: “إما نحن، أو فريق سيعتمد على الأحزاب العربية، ومنصور عباس، والديمقراطيين ويائير غولان”.
ورأت الصحيفة الفرنسية أن هذا الخطاب يعكس حجم الاستقطاب الذي يراهن عليه حزب الليكود خلال الحملة الانتخابية، لا سيما في ظل محاولة نتنياهو وحلفائه تصوير المعارضة باعتبارها تهديداً لهوية الدولة واتجاهها السياسي. وقد لجأ حزب الليكود أيضاً إلى حملة دعائية واسعة في تل أبيب، تمثلت في نشر ملصق ضخم على أحد المباني، يظهر فيه عمدة نيويورك الديمقراطي زهران ممداني إلى جانب المرشد الأعلى الإيراني والرئيس التركي وزعيم حزب الله، بما يوحي بأن المسؤول الأمريكي يمثل تهديداً مماثلاً. حمل الملصق شعاراً يقول: “إنهم يريدون أن يخسر نتنياهو. لا تدعوهم إلى الفوز”.
وقد سارع نتنياهو إلى إعادة نشر الصورة على حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي، في خطوة اعتبرتها “لوموند” مؤشراً واضحاً إلى طبيعة الخطاب الذي ستعتمده الحملة الانتخابية المقبلة، مضيفةً أن نتنياهو يخوض معركة مزدوجة: الحفاظ على موقعه داخل الليكود من جهة، وتأمين أغلبية سياسية تسمح له بالبقاء في رئاسة الحكومة من جهة أخرى، في انتخابات تبدو أكثر صعوبة من الاستحقاقات التي خاضها خلال السنوات الماضية.