هناك فكرة جنونية، أو بالأحرى حلم يقظة، يراودني دائماً في أيام الصيف شديدة الحرارة والرطوبة. نعم، الرطوبة هي ذاتها من يوقظ هذا الحلم في كل صيف؛ رطوبة البحر الذي أستطيع بسهولة أن أرقب الأبراج الشاهقة على ساحله من سطح بيتي، وأشير بيدي متجهاً نحوه بأنه يقع هناك. يفصلنا عنه جدار، وخلف الجدار بيوت ذات قبعات قرميدية. ماذا لو قررت ذات مساء صيفي رطب أن أقود سيارتي وأتجه غرباً لأقطع تلك الكيلومترات العشرة التي تفصلني عنه؟ لأتناول قهوتي على ساحله، وأخضب قدميّ برمال شاطئه، وأملأ رئتي بهوائه العذب المالح، ثم أعود بعد أن يسدل الظلام ستاره بقليل؟
قليلة هي المرات التي استطعت فيها فعلاً الوصول إلى شاطئ المتوسط. في طفولتي زرت يافا؛ أذكر أننا مررنا ببيارة برتقال مجاورة للشاطئ، وأني جلست على الجزء المخصص للعرب من الشاطئ أجمع الصدف. كانت هناك سيدة مسنة تجمع الصدف هي الأخرى، وقالت لي حينها إنها تجمعه لأبنائها لترسله إليهم كهدية في الغربة.
بعد عقود، زرتُ يافا بضع مرات أخرى؛ دخلتُ عبر فتحةٍ مؤقتةٍ في الجدار كما فعل آخرون، من أبناء أجيالٍ نشأت من دون أن ترى البحر ولو لمرة واحدة. لم تكن هناك بيارة برتقال قريبة، وعلى شاطئ البحر لم أجد صدفاً! كان كل شيء قد تغير عما شاهدته بعيني الطفلة. كانت يافا جميلة، جميلة جداً، ولكنها بدت غريبة ووحيدة. هناك ابتعتُ فنجان قهوة من مقهىً عربي، وجلستُ على الدرج المجاور لمسجد البحر أراقب أمواجه، والشاطئ، والسماء الزرقاء، وحركة الغرباء.
في حلم يقظتي، أزور البحر وأسير على شاطئ طولكرم، بلا غرباء، وبلا مبانٍ لا تشبهنا. نعم، قلتُ «شاطئ طولكرم»، ولم تخرج الكلمة سهواً!
لا أعرف لماذا، في كل مرة أتعرف فيها على صديقة من خارج البلاد، أجتهد في أن أعرض لها خريطة البلاد قبل النكبة وبعدها؛ لأشرح كيف كانت أراضي طولكرم تمتد حتى البحر، وكيف قُطعت وقُلّصت لِتُبنى على أراضيها مدنٌ أخرى بأسماء أعجمية. ربما لأني أريد أن أذكر نفسي دائما بحقيقة أنه كان لدينا بحرٌ نستطيع أن نزوره، وأرضٌ تتسع لنا بلا جدران، ولا حواجز، ولا طرقٍ التفافية. لم تكن كلمة ‘شاطئ طولكرم’ شطحةً من مجاز، بل كانت جغرافيا ناصعة ترويها وثائق التاريخ وأوراق الطابو العتيقة. فقبل عام 1948، لم تكن طولكرم قضاءً محاصراً، بل كانت بوابتنا الفسيحة نحو الساحل؛ يمتد قضاؤها غرباً ببياراته وسهوله الخصبة حتى يلامس مياه المتوسط عند «أم خالد» والشاطئ السوري القديم. في عام 1928، عندما اكتملت شبكة الخطوط الحديدية، كانت القطارات تنطلق من محطة طولكرم محمّلة بأطنان البرتقال «الشموطي»، لتعبر رأساً إلى ميناء يافا وموانئ العالم، حاملةً معها عرق الفلاحين وعبق الزهر.
لكنّ كل شيء تبدّل حين أُعلنت اتفاقية رودس في نيسان/أبريل 1949؛ فبضربة قلم على خط الهدنة، قُطِع عصب القضاء، واقتُطِع أكثر من 70% من أراضيه الساحلية والزراعية الخصبة، بين عشية وضحاها، أُبعدت طولكرم عن بحرها بضع كيلومترات فقط، وزُرِعت بينهما الحدود والجدران، لتصبح البيارات التي كانت تُطعم العالم مجرد حكايات نرددها، وليتحول البحر الذي كان ملك أيدينا إلى حلم يقظة نرقبه من على الأسطح. لم تكن طولكرم الساحلية مجرد عصب تجاري أو أرض لأشجار البرتقال فحسب، بل كانت مخزناً هادئاً للحياة، ومورداً لا ينضب للمياه الجوفية العذبة. تحت أقدام الفلاحين، وفي عمق سهولها الممتدة حتى البحر، ينبض الحوض المائي الغربي، أغنى وأعذب الأحواض الجوفية في فلسطين، ليحيل التربة الطينية إلى بساط أخضر نضير، وليمنح البرتقال «الشموطي» طعمه الذي لا يُنسى .
كانت المياه هناك تتدفق بكرامة؛ تخرج من عيون الأرض وآبارها العتيقة لتروي الشجر قبل أن تغسل أقدامها في مياه البحر المالح، لكن التاريخ قُطع مرتين: مرةً حين سُلبت السهول والشواطئ في اتفاقية رودس عام 1949، ومرةً حين أُحيط ما تبقى من الأرض بالجدران؛ لِيُحرم الأهالي من بحرهم فوق الأرض، ومن نبعهم العذب المستقر في جوفها. واليوم، وأنا أقف فوق سطح بيتي، أُطلّ على تلك المسافة الضيقة التي تفصلني عن الشاطئ، أدرك أن الجغرافية قد تُقتطع، وأن التاريخ قد يُصادَر، لكن ذاكرة الحواس تظل عصيّةً على الحصار. الرطوبة التي تخنق الآخرين وتثقل أنفاسهم، هي بالنسبة لي الرسالة الوحيدة التي تعبر الجدار من دون إذنٍ من أحد؛ حاملةً معها نداء البحر القديم، وعبق الشجر المفقود، ونداوة الأرض التي لم تتوقف يوماً عن الانتماء لنا.
كاتبة فلسطينية