صوت الممثل: كيف غنى عمر الشريف؟


في بعض الأحيان يستطيع الممثل الذي يتمكن من إدارة صوته جيداً أن يغني، ولدينا العديد من الأمثلة على ذلك، مثل أحمد زكي وفؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي وغيرهم، بل قد يمتلك الممثل في هذه الحالة ميزة إضافية قد لا تتوفر لدى المطرب. فضعف القدرة الغنائية وصغر المدى الصوتي عند الممثل، يعوضهما التمثيل ومهارات التعبير، والانغماس الكلي في الشخصية والموقف الدرامي، وكل ما يحيط بلحظة الغناء وما أدى إليها. فيقدم إلينا الأغنية كاملة بشكل دقيق، لتحقق وظيفتها المرجوة داخل الفيلم، أو المسرحية، أو المسلسل التلفزيوني، ربما أكثر مما لو تمت الاستعانة بمطرب صاحب صوت كبير من أجل أداء تلك الأغنية.
كاريزما الصوت
قام عمر الشريف بزيارات خفيفة إلى عالم الغناء، سواء داخل الأفلام المصرية والأجنبية، أو في عالم المنوعات التلفزيونية الفرنسية، على وجه التحديد، وقد ذهب إلى هذا العالم مصطحباً سحره الخاص وحضوره المتألق وكاريزمته الطاغية، ومن ضمنها كاريزما الصوت. لا يُذكر أي أداء غنائي لعمر الشريف في السينما، أثناء المرحلة المصرية الأولى قبل الانطلاق نحو العالمية، وكانت البداية صغيرة من خلال فيلم «فاني غيرل» عندما غنى مع باربرا سترايسند، وعندما عاد إلى السينما المصرية مرة أخرى ليصنع مرحلة ثانية جديدة بأدوار تخص فئة عمرية مختلفة، غنى قطعتيه المشهورتين في فيلم «الأراجوز». وما بين الغناء باللغة الإنكليزية في هوليوود، والغناء باللهجة المصرية في مصر، غنى بعض الأغنيات باللغة الفرنسية والإسبانية والإيطالية، والإنكليزية أيضاً خارج هوليوود.
بشكل عام وكما هو معروف، يعد الصوت من أهم أدوات الممثل وقد يسبق الوجه والجسد في كثير من الأحيان، حيث يستطيع الصوت أن يحمل كماً هائلاً من المشاعر، ويمكن للنبرة أن تختصر حدثاً كاملاً وحكاية تُروى. ومنذ البداية في أول ظهوره على شاشة السينما، كان صوت عمر الشريف لافتاً، رغم تخبط هذا الصوت وتشتته في الفيلم الأول لأسباب متعددة، حيث ظهر بعض المشكلات في اللفظ، والأخطاء في إصدار الصوت ومخارج الحروف، لكنه نجح بعد ذلك في مغالبة تلك الأخطاء، وتخلص تدريجياً من العيوب الظاهرة، التي ربما اضطر إلى بعضها في الظهور السينمائي الأول، وصار متحكماً في صوته مدركاً لطبيعته بشكل أفضل، جعله يحافظ عليه ولا يمسخ خصوصيته وهويته السمعية المميزة. وهكذا صار حسن الإلقاء والإدارة الجيدة للصوت، من أهم نقاط القوة لدى عمر الشريف كممثل، ومن دور إلى آخر صار يتحكم في الإيقاع العام للشخصية ويسيطر على موسيقاها الداخلية والخارجية، من خلال الصوت بشكل رئيسي، بالإضافة إلى تعبيرات الوجه وحركة الجسد وبعض الإيماءات والإشارات. لم يكن عمر الشريف يمتلك صوتاً كبيراً قوي النبرات ذا رنين مسرحي، أو ذلك الصوت التقليدي المشبع بفخامة الإلقاء الذي يجعل من صاحبه ممثلاً قديراً، لكنه امتلك صوتاً مميزاً له جماليته الخاصة، وقدراته التي اكتسبها بفضل السماع المرهف والأذن الموسيقية، فكان يعتمد في أسلوبه على إرخاء الصوت وحسن الإلقاء، وتنظيم الإيقاع وتقطيع الجمل والعبارات، وتنسيق التنغيم والأوزان والحركات، والاستيعاب المتمهل للكلمات الذي يمنحها رونقاً شاعرياً بليغاً.

اللكنة الخاصة

عند تأمل صوت عمر الشريف نتوقف دائماً أمام اللكنة، حيث يقول البعض، إنه كان يتحدث اللغات الأجنبية بلكنة مصرية، وينطق اللهجة المصرية بلمسة إنكليزية وتنغيم فرنسي، لكن يبدو أنه كان يتحدث وينطق جميع اللغات واللهجات بلكنة خاصة، يمكن أن نسميها لكنة عمر الشريف. وقد ساعدته هذه اللكنة كثيراً في إيجاد الحلول للمشكلات الفنية التي واجهته في بعض أدواره، في ما يخص الصوت الملائم للشخصية الخيالية، وطريقة الكلام المتسقة مع طبيعتها وإن كانت بعيدة عن لكنتها الأصلية.
ولا يعني ذلك أنه كان يتكلم بطريقة واحدة ثابتة في جميع أفلامه، بل كان يوظف تلك اللكنة الخاصة ويلونها ويغير من إحساسها ويبدل إيقاعها، حتى يخلق التوافق التام بينها وبين الشخصية التي يلعبها. ولنتخيل مثلاً لو قام عمر الشريف في فيلم «دكتور جيفاغو» بتغيير صوته الهامس الحنون، ولكنته الرقيقة المرهفة إلى لكنة روسية شديدة، كان يستطيع أن يقلد خشونتها، وأن يحاكي صلابة اللفظ وثقل حروف الكلمات، ألم يكن ذلك سيضر برومانسية الفيلم وشاعرية البطل وحساسيته البالغة؟ كانت المحاكاة تمثل الحل الأسهل أمام عمر الشريف، لكنه ذهب نحو صياغة جديدة وهندسة كاملة لصوت البطل ولكنته، وطريقة كلامه وإيقاع حديثه، ذلك الإيقاع الذي يأسر المتفرج منذ بداية الفيلم وحتى نهايته. كذلك في فيلم «بذور التمر هندي» عندما لعب دور الروسي فيودور، الذي يقع في غرام الإنكليزية جوديث، التي جسدت شخصيتها الممثلة البريطانية جولي آندروز، لم يذهب عمر الشريف إلى اللكنة الروسية الحقيقية تماماً، لكنه استطاع من خلال الصوت وأدوات الممثل الأخرى أن يرسم تلك الشخصية بمهارة شديدة، وبإقناع تام للمتفرج.
وفي فيلم «أيوب» الذي جاء ضمن المرحلة المصرية الثانية، اعتمد عمر الشريف على الأداء الصوتي والإلقاء اعتماداً كبيراً، حيث مثل أغلب مشاهده وهو يجلس على كرسي متحرك، يردد أفكار نجيب محفوظ الفلسفية، في ما يشبه المونولوغ الداخلي والحوار الطويل مع النفس. وكذلك تظهر براعته في الإلقاء واستخدام الصوت في فيلم «تشي» الذي لعب فيه دور غيفارا، وكان الأداء هادئاً على عكس المتوقع في فيلم كهذا، وهناك المونولوغ الداخلي أيضاً الذي نستمع إليه في بداية الفيلم ثم يتكرر بعد ذلك، بمصاحبة موسيقى هادئة وإيقاعات لاتينية بطيئة، فنستمتع بالإلقاء الشعري البديع ومناجاته لكوبا وللحرية بشكل عام.

بدأت علاقة عمر الشريف بفن التمثيل من خلال مسرح المدرسة في حي شبرا في القاهرة، وتدرب على الكثير من أشعار شكسبير كما يذكر في أحد حواراته التلفزيونية. وعندما نستمع إليه يقرأ قصيدة «تايغر» لوليام بليك على سبيل المثال، نشعر بمدى تمكنه من الإلقاء الشعري بتمكن مدهش وبساطة موحية مؤثرة. وقد عاد عمر الشريف إلى المسرح بعد عقود طويلة من وقوفه على خشبة المسرح المدرسي، ومثل على مسارح لندن مسرحية «الأمير النائم» مع جودي كامبل.
جاء الغناء في مسيرة عمر الشريف كامتداد طبيعي لفنه في الأداء الصوتي كممثل، فهو لم يكن مطرباً ولم يمتلك الصوت القوي واسع المدى طويل النَفس، ولم يحاول أن يقدم نفسه كمطرب ولم يبدو طامحاً إلى ذلك النوع من الفنون، وكذلك عندما نستمع نحن إلى عمر الشريف، لا ننتظر منه غناءً نصغي إليه لنطرب، وإنما نتطلع إلى سماع ما يقول كنوع من الإلقاء المنغم، ونتتبع مهاراته في التعبير والتمثيل بالصوت، فنحن نستمع إلى ممثل يغني أو يمثل أنه يغني باستخدام الصوت. حيث لا توجد قدرات صوتية لكي يتم استعراضها، يكون الغناء ذلك الفن الشاسع والمتنوع بألوانه إلى ما لا نهاية، وسيلة للتعبير عن الشخصية وما يدور في داخلها من مشاعر وأفكار، ولا تكمن المهارة في قوة الحنجرة وجمال الصوت، بل في طريقة نطق الكلمات وإيقاع الإلقاء، ودقة الإحساس بالجملة المغناة، وهو ما توفر لدى عمر الشريف الممثل البارع.

في الغناء نجد صوت عمر الشريف هادئاً كما في التمثيل، يتميز بخشونة خفيفة ونبرة مميزة، وله نصيب من الحضور والكاريزما الهائلة التي لم تفارقه أبدا. ورغم أنه كممثل لم يؤد تلك المشاهد الجبارة التي يرتفع فيها الممثل بصوته إلى ذروة الأداء، فإنه كان من أكثر الممثلين تمكناً من الصوت وحسن إدارته، وكان يقود هذا الصوت بهدوء وثقة إلى درجة أنه كان يستطيع الانتقال بسلاسة بين الحديث العادي والإلقاء بدرجاته المتفاوتة والغناء، والتناغم مع موسيقى كل لغة من اللغات التي مثل وغنى بها. كان عمر الشريف يجيد طريقة توزيع الشعور داخل الجملة المغناة، يعرف متى يرفع الصوت ويخفضه، ومتى يترك الكلمة تنساب همساً بلمسة عاطفية، بمعنى أنه كان يعتمد على مهاراته كممثل عندما يغني، كما أنه كان يغني بشخصية عمر الشريف، لا كمطرب بائس، يقف على هامش فن الغناء بموهبة ضعيفة محدودة، فأتى إلى عالم الغناء يحمل نجوميته الهائلة، وأضفى على كل قطعة غناها المزيد من الأناقة والجاذبية، وترك لدى المستمع انطباعاً جميلاً دون أن يربكه بين تمثيل وغناء عمر الشريف. في فيلم «فاني غيرل» غنى عمر الشريف مع باربرا سترايسند أغنية «أنت امرأة.. أنا رجل»، وكان غناؤه أداء تمثيلياً وإلقاءً ملحناً، جاء في مشهد جمع بين البطل والبطلة في مطعم فاخر أنيق، عندما انفرد نيكي الثري بفاني الفتاة البسيطة، ليمارس عليها كل سحره ويحيطها بجاذبيته التي لا تقاوم، في هذا المشهد التمثيلي الغنائي يعبر عمر الشريف عن السطوة الذكورية التي تكمن داخل لحظات الحب أحياناً، لكنه لا يمارس تلك السطوة من خلال القوة الجسدية أو الصرامة الصوتية، بل يمارسها همساً حين يطلق الصوت المنغم المحمل بنبرات الحب والإغواء والغزل ليذيب قلب فتاته، ويتسلل نحوها بأداء جسدي هادئ وحركات ناعمة تغلف القوة الكامنة والرغبة في السيطرة. يعد هذا الدويتو من أجمل مشاهد الفيلم وأشهر أغانيه، وقد أعاد عمر الشريف غناءه مع بعض الأصوات الأخرى. كما قدم مجموعة من الأغنيات للتلفزيون الفرنسي، منها أغنية «كان ياما كان» التي يغني من خلالها عن حياته الموزعة بين الفن والحب واللعب. والأغنية أو الاسكتش الذي ظهرت فيه المغنية الفرنسية ميراي ماتيو، وفي بدايته يتغنى الصوت الجماعي بعمر الشريف كبطل العالم في لعبة البريدج، ثم يغني عمر الشريف بإلقاء منغم وهو يحاول إغواء ميراي ماتيو. وبالإنكليزية غنى مع جين بيركين أغنية فيلم كازابلانكا الأيقونية As Time Goes By.
عند العودة إلى مصر والتعاون مع المخرج هاني لاشين، غنى عمر الشريف أغنيتين في فيلم «الأراجوز»، من كلمات سيد حجاب وألحان عمار الشريعي. في أغنية «يا أراجوز المدارس» كان الأداء مشتركاً مع كورال الأطفال، بينما غنى منفرداً أغنية «أراجوز إنما فنان»، وجعل منها نموذجاً لطريقة غناء الممثل والتعبير بالصوت والأداء الحركي أيضاً، وباتت قطعة فنية ملهمة تمتع السامع والمتفرج، وتفيد كل دارس لفن التمثيل.

كاتبة مصرية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *