مجموعة الضغط البريطانية «محامون بريطانيون من أجل إسرائيل»، المعروفة بمناصرتها المطلقة لدولة الاحتلال الإسرائيلي وتأييد سياساتها والتغطية على جرائم الحرب التي ارتكبتها وتواصل ارتكابها، لجأت إلى الكذب والتلفيق والتزييف بوصفها أبرز وسائل استغفال العقول وتحريك الضغائن.
ورغم افتضاح هذه الطرائق وانكشاف أغراضها وانعدام البراهين عليها، فإن المجموعة لجأت مؤخراً إلى مخاطبة وزيرة الداخلية البريطانية، وكذلك «مفوضية المؤسسات الخيرية وهيئة تنظيم جمع التبرعات»، مطالبة بالتحقيق مع منظمة «أطباء بلا حدود»، المعروفة بمختصراتها الفرنسية الشهيرة MSF، والنظر في حظر أنشطتها على الأراضي البريطانية.
وإذا كانت مجموعة الضغط قد استندت إلى مزاعم دولة الاحتلال، حول علاقة اثنين من العاملين في «أطباء بلا حدود» بفصائل المقاومة الفلسطينية، سبق أن قُتلا برصاص الجيش الإسرائيلي، فإنها في المقام الأول اتكأت على قرار اتخذته الحكومة البريطانية العام الماضي وقضى بحظر جماعة «فلسطين أكشن»، وتصنيفها منظمة إرهابية بموجب قانون الإرهاب.
«أطباء بلا حدود» أوضحت مراراً بأنها لا تملك أي مؤشرات على أن أياً من موظفيها كان متورطاً في أي نشاط عسكري قبل مقتله على يد القوات الإسرائيلية، مؤكدة أنها لا توظف عن علم أشخاصاً يشاركون في أنشطة عسكرية، وأن أي موظف ينخرط في نشاط عسكري «سيشكل خطراً على موظفينا ومرضانا». كذلك أضافت المنظمة أنها لو تلقت من السلطات الإسرائيلية معلومات موثوقة بشأن تورطه في نشاط عسكري، لكانت تعاملت معها.
فإذا كان المنطق السليم يفيد بأن مجموعات الضغط العاملة لصالح دولة الاحتلال لا تنسق مع السلطات الإسرائيلية قبيل شنّ حملاتها فقط، بل تتلقى تعليمات التنفيذ منها، فإن استهداف «أطباء بلا حدود» في بريطانيا إنما يستكمل عربدة الاحتلال ضد «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين»، الأونروا، في سائر فلسطين.
فلم يقتصر منهج التنكيل المنظم على إقرار الكنيست حظر عمل الوكالة وإبلاغ الأمم المتحدة إلغاء اتفاقية 1967، بل لجأت سلطات الاحتلال بقيادة وزير الأمن القومي اليميني المتطرف على اقتحام مركز قلنديا للتدريب المهني الذي يعود إلى سنة 1952، وأخلته بالقوة تمهيداً لهدمه، أسوة بمقرات ومراكز أخرى تابعة للوكالة الأممية.
ويستوي عند دولة الاحتلال، مثل أذرعها ومجموعات الضغط التابعة لها، أن تكون «الأونروا» منظمة أممية عالمية وثيقة الارتباط بقرارات الأمم المتحدة حول القضية الفلسطينية، أو أن تكون «أطباء بلا حدود» إحدى أفضل منجزات المجتمع المدني الدولي على أصعدة الطبابة والإغاثة في أكثر من 70 بلداً، خاصة فلسطين واليمن والسودان والكونغو الديمقراطية.
ولا عجب أن تفقد «أطباء بلا حدود» 15 من موظفيها قُتلوا برصاص الاحتلال الإسرائيلي في سياق التضييق على أنشطتها وإجبارها على مغادرة مشهد الإبادة الجماعية الإسرائيلية. ولا غرابة في إصرار الاحتلال على تصفية «الأونروا» ضمن جهود دفن حق العودة وتوجيه ضربة أخرى قاصمة لمفهوم الدولة الفلسطينية.
فليس لعربدة الاحتلال حدود، ما دام غياب الرادع بوابة تتيح ارتكاب جرائم الحرب ونشر الأكاذيب.