المواطنة وبناء الثقة في العالم العربي


بعد حوالي قرن على نشوء الدولة العربية الحديثة، وعقود طويلة على الاستقلال، ما زال سؤال الانتماء يفرض نفسه بإلحاح: لماذا يثق كثير من المواطنين بالقبيلة، أو الطائفة أو الجماعة الأهلية أكثر مما يثقون بالدولة؟ غالباً ما تُقدَّم الإجابة في صورة اتهام للمجتمع؛ فالمواطن، وفق هذه الرواية، لم يغادر بعد ولاءاته التقليدية، ولم يرتقِ إلى هوية وطنية حديثة، لكن هذا التفسير يعكس ترتيباً معكوساً للمسؤولية. فحين لا تضمن الدولة الحماية المتساوية، ولا تفتح باب المشاركة، ولا تطبق القانون على الجميع، يصبح الاحتماء بالجماعة الأقرب استجابة، مفهومة لإخفاق مؤسسي، وليست دليلاً على عيب أصيل في المواطنين.
المواطنة ليست شعاراً يعلَّق فوق المباني الرسمية، ولا مطالبة دائمة للأفراد بالولاء من دون مقابل، إنها عقد اجتماعي يقوم على حقوق وواجبات متبادلة.. يقبل المواطن سلطة القانون ويلتزم واجباته العامة، في مقابل الأمن والخدمات والحماية القانونية والقدرة على المشاركة في القرارات التي تمس حياته، وإذا اختل هذا التوازن، تحولت المواطنة من علاقة شراكة إلى علاقة رعاية أو إخضاع: تقدم الدولة التعليم أو الوظيفة أو الدعم، وتتوقع في المقابل الطاعة السياسية، عندها يُعامل الناس كرعايا ينتظرون المنفعة، لا كمواطنين يملكون حقوقاً أصيلة.
في أجزاء واسعة من العالم العربي، لم تكن المشكلة غياب الدولة، بقدر ما كانت طبيعة مؤسساتها، فقد بنيت أجهزة قوية في الضبط، لكنها بقيت ضعيفة في المساءلة؛ توسعت البيروقراطية، لكن استقلال القضاء وسيادة القانون والمشاركة السياسية لم تتطور بالمقدار نفسه. وزادت الاقتصادات الريعية هذا الخلل، إذ أمكن أحياناً شراء السكون الاجتماعي بالخدمات والدعم من دون بناء عقد سياسي حديث. غير أن هذا النموذج يواجه اليوم حدوداً اقتصادية وديمغرافية واضحة، ولم يعد قادراً على إنتاج الاستقرار المستدام.

حين يتعلم الطالب أن الاختلاف تهديد، يصبح التنوع وقوداً للصراع؛ وحين يتعلم أن الاختلاف حقيقة يمكن إدارتها بقواعد مشتركة، يصبح التنوع مصدراً للقوة

وقد كشف الربيع العربي عمق الأزمة، حتى إن أخفق في تحقيق وعوده، لم يخرج الناس عام 2011 طلباً لإضعاف دولهم، بل للمطالبة بأنظمة تعاملهم بكرامة وعدالة ومساواة. كانت الشعارات، في جوهرها، مطالب مواطنة: عدالة اجتماعية، محاسبة، مشاركة، وقانون يسري على الجميع من دون تمييز. صحيح أن المسارات اللاحقة انتهت في أكثر من بلد إلى سلطوية متجددة، أو صراعات أهلية، لكن ذلك لا يلغي أصل المشكلة، فالاستقرار الذي لا يقوم على ثقة المواطنين قد يطول، لكنه يظل هشاً وقابلاً للانفجار. من الخطأ أيضاً الاعتقاد أن بناء الهوية الوطنية يتطلب محو الهويات الدينية أو القبلية أو الثقافية. هذه الانتماءات ليست طارئة، وقد أدت تاريخياً وظائف اجتماعية واقتصادية وأمنية عجزت الدولة أحياناً عن أدائها. ومحاولة قمعها لا تنتج بالضرورة مواطناً أكثر انتماءً؛ بل قد تدفعها إلى العمل في الخفاء بصورة أشد انغلاقاً. المطلوب ليس أن يختار الفرد بين دينه أو قبيلته أو ثقافته وبين وطنه، بل أن توفر الدولة مظلة قانونية وسياسية تجعل هذه الانتماءات قابلة للتعايش داخل هوية وطنية أوسع. لا يعني ذلك تجاهل التوتر الحقيقي الذي قد ينشأ بين الهوية الفرعية والمصلحة الوطنية، ففي بعض الحالات تصبح الولاءات التقليدية أداة للتمييز، أو المحاصصة أو احتكار الموارد، لكن معالجة هذا الخطر لا تكون بإنكار التنوع، بل بقواعد عامة تحمي حرية الانتماء وتمنع في الوقت ذاته تحوله إلى امتياز سياسي أو قانوني، المساواة أمام القانون هي الحد الفاصل بين احترام التعددية وتكريس الانقسام، ولهذا لا يمكن بناء المواطنة من دون إصلاح مؤسسي واضح. البداية قضاء مستقل وضمانات دستورية تطبق على الجميع، رجالاً ونساء، مسؤولين ومواطنين، وأياً كانت الطائفة أو الخلفية أو الرأي السياسي. وتمتد المساواة إلى قوانين الجنسية والأحوال الشخصية والتمثيل والمشاركة الاقتصادية؛ فالدولة التي تميز بين مواطنيها في القانون، لن تنجح بإقناعهم بالولاء المتساوي. ويأتي بعد ذلك نظام سياسي يتيح مشاركة ذات معنى، وقوانين انتخابية عادلة، وضوابط وتوازنات تمنع سلطة واحدة من احتكار القرار.
لكن المؤسسات، على أهميتها، لا تكفي وحدها، تحتاج المجتمعات العربية إلى سردية وطنية جامعة لا تمحو روايات مكوناتها، ولا تختزل تاريخ البلاد في رواية رسمية واحدة. كما تحتاج إلى فضاءات عامة مشتركة يستطيع المختلفون أن يلتقوا فيها بوصفهم مواطنين متساوين، وإلى مجتمع مدني يُعامل شريكاً في التنمية لا خصماً للدولة، فالثقة لا تُبنى في الخطب، بل في الخبرة اليومية: في محكمة تنصف الضعيف، ومدرسة لا تميز بين أبنائها وبناتها، وإدارة عامة تحكمها الجدارة، ومجال سياسي يسمح بالاختلاف من دون تخوين.
ويبقى التعليم المدخل الأعمق والأطول أثراً، فالنظم التعليمية التي تكتفي بالتلقين قد تنتج أفراداً يحفظون تعريف المواطنة، لكنها لا تنتج مواطنين يمارسونها. المواطنة تحتاج إلى قدرة على السؤال والتحليل وقبول تعدد الروايات، وإلى معرفة الحقوق بقدر معرفة الواجبات. حين يتعلم الطالب أن الاختلاف تهديد، يصبح التنوع وقوداً للصراع؛ وحين يتعلم أن الاختلاف حقيقة يمكن إدارتها بقواعد مشتركة، يصبح التنوع مصدراً للقوة. والإصلاح هنا ينبغي أن لا ينتظر الدولة وحدها، إذ تستطيع الجامعات والمدارس والمبادرات المجتمعية تطوير نماذج تبدأ من القاعدة وتبرهن إمكانية التغيير.
تقدم تجارب دول مثل الهند وجنوب افريقيا والبوسنة والهرسك دروساً مفيدة، لا وصفات جاهزة، لكل تجربة إخفاقاتها وتراجعاتها، وبعضها يواجه اليوم تحديات حقيقية في الإدماج والديمقراطية، لكن القاسم المشترك بينها أن إدارة التنوع لا تتم بمجرد إنكاره. الدساتير الجامعة، والحقوق المتساوية، والاعتراف بالمظالم، وآليات التمثيل، كلها أدوات جُرّبت بدرجات متفاوتة لبناء وطن مشترك. والمقارنة الأجدى ليست بين «خصوصيتنا» و«مثالية» الآخرين، بل بين الشروط التي سمحت لبعض المجتمعات بإدارة اختلافاتها وتلك التي جعلت الأدوات نفسها تفشل في مجتمعات أخرى.
إن الدول لا تكسب الولاء لأنها تطلبه، بل لأنها تستحقه، والمواطن لا يتخلى عن حماية جماعته الصغيرة لمجرد أن خطاباً رسمياً طالبه بذلك، بل حين يجد في الدولة حماية أعدل وأوسع، وصوتاً مسموعاً، وفرصة متكافئة، وكرامة مصانة. لذلك فإن تقوية الهوية الوطنية لا تبدأ بإضعاف الهويات الأخرى، وإنما ببناء مؤسسات قوية وعادلة تجعل الانتماء إلى الوطن الخيار الأكثر أمناً ومعنى.
هذه ليست دعوة مثالية ولا مشروعاً سريعاً، إنها إدراك عملي بأن الوضع القائم لم يعد قابلاً للاستدامة. فالمجتمعات المستقرة والمزدهرة لا تقوم على الخوف، ولا على تبادل المنافع مقابل الصمت، بل على مواطنة تشمل الجميع. وعندما تتحول الدولة من سلطة تطالب بالثقة إلى مؤسسة تكسبها كل يوم، يمكن عندها للانتماءات المتعددة أن تتعايش تحت سقف وطني واحد، لا أن تتنافس على أنقاضه.

وزير أردني سابق



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *