الرحلة إلى شفشاون كتاب لا بد لك يوما أن تقرأه، طال بك الزمان أو قصر، حتما ستتصفح أوراقه، وسيأسرك المعنى الجميل الكامن بين دفتي مجلدها الضخم، الذي تشكل الجبال أغلفته، والغطاء النباتي الكثيف حروفه، تلك الحروف المرصوصة بإتقان حينا، وكأنها قصيدة شعر، جاد بها شاعر في لحظة إلهام استثنائية، أو شبيهاتها المبعثرة على سجيتها حينا آخر، كي تسمح لك أنت كذلك بتشكيل معناها على عجل، كيفما تشتهي نفسك الأمارة باكتناه روح الجمال في تفاصيل الكون البهية.
السطور في هذا الكتاب المفتوح، مياه متدفقة هنا وهناك، فأينما وليت وجهك فثمة الماء ينبجس رقراقا، سلسبيلا، يسر العين ويبهج القلب، ويغسل الروح قبل البدن مما تراكم فيها من مخلفات الزمان. لشفشاون عنوانان عريضان، أحلاهما عسل، يتذوقه اللسان، وينتشي به العقل، كما تفعل به الدنان، ويستمتع به القلب الولهان.
أقشور في ضاحية المدينة حكاية تنفتح على اللانهائي، الطبيعة هنا سمفونية بديعة، هادئة ومطمئنة، تسرد قصتها بمهل، كما تفعل الجدات، حين يسكب في مخيلتهن الزمان حكاياه، كي ينبن عنه في سردها للأحفاد. جبال تطاول السماء شموخا، تماثل قرون وعل تاه في البرية، ذات صباح بحثا عن قرين، يؤنس وحدته، وقد خمن أنه ربما سوف يعثر عليها في جوف الوادي، عند منبع النهر، لذا لم يخطئ الإنسان الأول في هذه الربوع، حين سمى المدينة بـ»الشاون» التي تعني القرون في اللغة الأمازيغية، فكانت الاستعارة بليغة، تتداعى بحرية في رحاب المعنى، فتزداد النفس بها سموا، كلما تاهت في عمق دلالتها الجميلة.
الطبيعة هنا بكر ما تزال، خضرة كثيفة، تكتسي بها الجبال والوهاد والفجاج، ومياه وافرة، تنبثق في كل مكان، وكأنني بيد ساحر، أو عصا نبي، تضرب الصخر، فتتفجر العيون، لتشكل بركا وبحيرات، تغري الزوار بالانجذاب نحوها، والانغماس فيها، لتطفئ حرارة الأجساد، التي ألهبتها شمس أغسطس/آب القائظة.
المدينة نفسها حكاية تكتب نفسها مباشرة أمام الزائر، فتربكه إرباكا مزمنا، حتى أنه لا يكف عن الانبهار بتفاصيلها الوالغة في فرادتها.
هنا التاريخ يوقظك من سبات الحاضر، ويذكرك بأن في رحاب هذه الربوع مجدا تليدا أنشأه رجال ونساء هذا الوطن. هنا يحضرك اسم علي بن راشد، الذي وضع الحجر الأساس للمدينة، في الوقت الذي بدأ نجم غرناطة يأفل هناك في الضفة الأخرى للمتوسط، وكأنه يضمن بذلك استمراريتها بشكل مختلف. هنا تفرض عليك كذلك امرأة من الماضي حضورها اللازب.. السيدة الحرة، التي كانت لها قصة ملهمة، غير بعيد عن المدينة، فألهمت الخيال لينسج الحكاية على سجيته.
التجوال في مدينة شفشاون، لا يكاد يشبه غيره في مدن أخرى، هنا تشعر حقيقة أنك إزاء حاضرة مكتملة المعالم، أزقتها، منازلها، مساجدها، حنفياتها، أسواقها، حاراتها، زخارفها. كل تفاصيلها تمنحك الانطباع بأنك هنا لست نائما فقط في عسل التاريخ، بل حتى الحاضر، يذيقك بعض حلاوته، ينافس الماضي، بل قد يتفوق عليه، من خلال لمسة الصانع التقليدي، الذي حاك وأبدع في خياطة اللباس التقليدي، لكل من المرأة والرجل المحليين، والفنان المبدع، الذي أبدع في رسم لوحات وبورتريهات لملامح المدينة، فمنحها ذلك كثيرا من الحيوية، التي تشعر الزائر بقوة حضور المدينة.
كما أن للماء مرة أخرى حكايته بين أسوار المدينة، كلما توغلت في الازقة، التي تبهرك زرقتها، التي لا شك أنها تمنح المدينة طابعها المتوسطي المميز، أما تآلفها وانسجامها مع البياض الذي يطل باستحياء، مع نقوشات وزخارف، كل ذلك يعلن بلا تردد عن الطابع الأندلسي المميز لحاضرة الشاون.
المدينة ليست مجرد جدران وأزقة. المدينة في حقيقة الأمر ناسها، وهنا في جولتك ما ببن الأزقة والدروب تكتشف ناس المدينة، وتشعر بحرارة أرواحهم، تلك الحرارة التي كنت تظن أنها حكرا على «بهجاوة»، فتتفاجأ بأن الترحاب يفوق التوقع، والطيبة مسك يتضوع من سلوكات السكان وأحاديثهم، خلال تجاذب أطراف الحديث مع سائق تاكسي وهو سعيد بنا، قال لي، إن أهل المدينة يفرحون كثيرا بقدوم الزوار المغاربة، وحين عرف إنني من الدار البيضاء، زاد ترحابه أكثر، بل قال عبارات جميلة في حق البيضاويين، التي أعتبر شخصيا أن جل المغاربة يشتركون فيها.
لكل ذلك، «يا أيها المغاربة زورا مدينة شفشاون أو الشاون، واعلموا أن لكم هناك أهلا يحبونكم ويسعدون بقدومكم».
كاتب مغربي